شرح لامية ابن الوردي 13

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن سب السلف الصالح والفرق بين الجرح الشرعي والسب المحرم

يبيّن المقطع تحريم الخوض في سب العلماء والصالحين الذين مضوا، مفرقاً بين السب المحرم وهو الشتم الباطل، والجرح الشرعي المضبوط بستة مواضع منها التحذير من أهل البدع. ويحذر من الغلو في الطعن كما يفعل الحدادية والحجورية، ومن الإفراط في إغلاق باب الجرح كما عند المميعة، داعياً إلى الوسطية والالتزام بضوابط الشرع.

حرمة سب السلف الصالح ومعنى التغافل وآدابه

يوضح المقطع أن خطأ السلف كان اجتهادياً لا يستوجب السب، مستنداً إلى آية أو بيت شعري يدل على أنهم ليسوا أهلاً للزلل المستحق للقدح. ثم ينتقل لبيان فضيلة التغافل والفرق بينه وبين الغفلة، مع أمثلة عملية من الحياة الزوجية والاجتماعية.

التغافل: فضله وآثاره في تهذيب النفس والتعامل مع الناس

يميز المقطع بين الغفلة المذمومة والتغافل المحمود الذي هو العلم بالشيء ثم السكوت عنه، مبيناً أن التغافل يبعد عن عيوب الناس ويشتغل بعيوب النفس. يستشهد بأقوال ابن حزم والشعر وآيات قرآنية، مؤكداً أن السلامة من الأذى تكون بالصبر والسكوت عن السفهاء.

الصبر على أذى السفهاء وعدم المبالاة بعداوة الأعداء

يحث الناظم على عدم الاكتراث بسفاهة السفهاء، مواسياً أهل الحق والأخلاق الفاضلة بأن يصبروا عند ابتلائهم بالخصوم والحاقدين. يؤكد أن كل أحد لا يسلم من عداوة الأعداء، وأن الصبر هو السبيل للسلامة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال ابن الوردي رحمه الله في منظومته اللامية: لا تخض في سب سادات مضوا إنهم ليسوا بأهل للزلل قوله: "لا تخض"، "لا" هنا ناهية، و"تخض" فعل مضارع من خاضة يخوض، بمعنى الخوض، والخوض هو التوسع في السب أو الفحش من القول، أو الدخول فيه دخولًا لا يليق ولا يجوز، فهو ينهى عن الخوض في سب سادات مضوا. والسب هو الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، فهو ينهى عن سب سادات، والسادات جمع سيد، وسادة جمع سيد، والمراد بالسادات هنا من سادوا في العلم والفضل، وصار لهم الشرف والمنزلة العالية، فيشمل ذلك كل من ساد وارتفع بالعلم والتقى، فيدخل في ذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتابعون، ومن تبعهم من الأئمة الأعلام، والعلماء الربانيين، والدعاة إلى الله، فلا تخض في سبهم وشتمهم. وهذا يحمل على السب الباطل من غير حق شرعي، وإلا فمن سب لمقصد شرعي فهذا لا يسمى سبًا، إنما يسمى جرحًا شرعيًا، ولذلك استثنى العلماء من القدح والغيبة مواضع يجوز فيها القدح في بعض الأشخاص لمقصد شرعي، كالتحذير من أهل البدع والأهواء، أو كذلك القدح في النصح في الخطبة، أو في الوظيفة، أو نحو ذلك، فذكر عيوب ذلك المسؤول عنه ليس من الغيبة. وقد جمع بعضهم هذه المواضع التي يجوز فيها ذلك فقال: والقدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر فهذه المواضع لا بأس أن يخوض فيها أهلها، ليس كل أحد، المهم يكون ذلك من باب النصيحة، ومن باب حفظ الحق والسنة، فهذا لا بأس به. نعم، والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ومجاهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. وتعلمون النصوص الكثيرة التي جاءت في التحذير من سب المسلمين وأذية المسلمين على وجه العموم، فكيف بسب ساداتهم؟ قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. وأعظم أذية أن تتكلم في عرض أخيك المسلم بسبه وشتمه ونحو ذلك. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كذلك في الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور: 19]، فالفاحشة فسرت هنا بالخوض في الأعراض، بالخوض في الأعراض، أي بما جاء في رمي المنافقين لعائشة رضي الله تعالى عنها بالفاحشة. وهكذا في السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق». سباب المسلم فسوق، لما تسب مسلمًا بغير حق، هذا من الفسق، من الفسق، فلا يجوز ذلك. وأول من يدخل في هذا الرافضة، عليهم من الله ما يستحقون، فإنهم سبابة سادات الورى، سبابة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وهكذا من غلا في باب الجرح والتعديل، وفتح هذا الباب على مصرعيه، فإنه ينال من العلماء، وينال من طلاب العلم، السب والشتم، كالحدادية والحجورية ونحو هؤلاء، هذا كله من السب. ففرق بين الجرح والتعديل، وبين الغلو في هذا الباب. الجرح والتعديل له رجاله، وله أهله، وطالب العلم ينقل عن العلماء، أو يرفع أمر من ظن أنه خارج عن السنة إلى العلماء، فهم الذين يصدرون أحكامهم عليه. أما أن يحكم كل واحد، ويسب كل واحد، ويشتم، فهذا فوضى، وهذا من تلبيس إبليس، هذا من تلبيس إبليس، فاحذر من هذا المسلك، وكن وسطًا. ليس معنى هذا إغلاق باب الجرح، فهذا باب لا يغلق إلى قيام الساعة، لكن بضوابطه الشرعية، بضوابطه الشرعية، لا إفراط ولا تفريط. لا نقول: لا نجرح أحدًا مطلقًا، كما هو قول المميعة من أتباع الحلبي أو أبي الحسن، أصحاب المنهج الأفيح. لا، لا، هذا ولا هذا، لا إفراط ولا تفريط، وسط. من جرحه العلماء، وثبتت مخالفته للسنة والحق، يجرح بكلام العلماء، ومن لم يجرحه العلماء، فيمسك الواحد لسانه. وإن اختلف العلماء في ذلك، يدعو الله أن يبين له الحق، وأن يريه الحق. ينبغي للمسلم أن يحذر من هذا، يحذر من سب العلماء، وسب الدعاة، والطعن فيهم، والخوض في أعراضهم، كل ذلك من الفسق، كما سمعت: «سباب المسلم فسوق». وهكذا من الغيبة المحرمة، إذا طعنت في أخيك المسلم بغير حق، فهذا من الغيبة المحرمة، وتعلمون أدلة تحريم الغيبة: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: 12]. وقال تعالى كذلك في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11]. فاحذر من السخرية، ومن الاستهزاء، ومن الغيبة لإخوانك المسلمين، وما يدريك لعلهم يدعون عليك، وتصل هذه الدعوات لأنك ظلمتهم وسببتهم بغير حق. فإذا كان هؤلاء من الأولياء، فأبشر بعداوة الله عز وجل لك، كما جاء في الحديث: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، فأعلمته أنني محارب له، ومن ذا يطيق حرب الله عز وجل؟ فإذا، احذر من هذا المسلك: لا تخض في سب سادات مضوا. ومعنى "مضوا": يعني ماتوا، وذهبوا، وذهبوا إلى جزاء أعمالهم الصالحة. فسب الميت أعظم جرما، لأنه قد أفضى إلى ما قدم. إنسان قد مات، وقد صار إلى ما صار إليه، فلماذا لا تزال تتكلم عليه؟ إلا كما تقدم، إذا كان من باب بيان الباطل الذي كان عليه، تشير إلى هذا الباطل، وأن هذا من الباطل، ومن البدع، ومن الضلال، وإن قال به فلان، وإن كان ميتًا، لأن هذا من الدفاع عن الحق والسنة. فكيف تخوض في عرضه، وقد أفضى إلى ما قدم؟ لا تخض في سب سادات مضوا، يعني ماتوا وذهبوا. ﴿إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلزَّلَلِ﴾، الزلل: الخطأ والعصيان. وقوله هذا يحتمل معنيين: المعنى الأول: إنهم ليسوا بأهل للزلل، أي ليسوا أهلًا لأن يقعوا في الزلل الذي يستحقون به هذا السب. ليس معنى ذلك أنهم ما يقعون في الزلل، أي أنهم معصومون، لا، وإنما المراد أنهم أهل لأن يقعوا في الزلل، يعني في الخطأ والعصيان، الذي به ينال منهم. بعض الزلل والعصيان يستحق صاحبه السب، مثلاً: إنسان ظالم، يأكل مال هذا، ويسرق هذا، ويظلم هذا، فهذا عصيان يحتاج إلى سب وشتم، لأنه عصيان ظاهر، عصيان ظاهر لا تأويل فيه ولا خفاء فيه، بخلاف الزلل الذي يقتصر على صاحبه، هذا لا يسلم منه أحد. إنسان مثلاً تأول، مثل ما وقع على الصحابة، فصارت بينهم الفتن في الجمل وصفين، فهذا لا تخوض فيها، لأنهم ليسوا أهلًا لزل، بمعنى أنهم لم يتعمدوا ذلك، وإنما فعلوا ذلك بتأويل، فمنهم المحق، ومنهم المخطئ. فهمتم هذا الآن؟ فبعض الزلل لا يوجب على من رآه الشتم والسب والقدح، وبعض الزلل يوجب ذلك. فسادات السادات الذين مضوا، ما وقعوا فيه من خطأ ومن زلل، لا يوجب الطعن فيهم، إنهم لم يتعمدوا ذلك. وهكذا خطأ العالم، العالم لما يخطئ ويزل، عالم السنة ما أخطأ عن هوى، ما أخطأ عن هوى وعناد، وإنما عن اجتهاد، إنما عن اجتهاد. فهذا وجه يفسر به: إنهم ليسوا بأهل للزلل، يعني الزلل الذي يوجب الطعن فيهم، فلم يقعوا في ظلم ظاهر، وزلل واضح، من غير تأويل ولا اجتهاد، لا، لم يكن منهم ذلك. هذا وجه. والوجه الثاني في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلزَّلَلِ﴾، يعني ليسوا أهلًا أن يزل المرء فيهم بالكلام عليهم. فهنا لا يرجع إلى السادات، وإنما يرجع إلى من نالهم بالسب، هؤلاء ليسوا بأهل أن يزل المرء فيهم بالكلام عليهم، فمن تكلم عليهم فقد زل، فما وقع ذنبك وخطؤك أيها الساب والشاتم إلا في هؤلاء الصالحين، في هؤلاء المتقين. هذا هو الوجه الثاني. والبيت، أو هذا الشطر، يحتمل هذا وهذا. ﴿لَيْسُوا بِأَهْلٍ أَنْ يَزِلَّ الْمَرْءُ فِيهِمْ بِالْكَلَامِ﴾، يعني من تكلم فيهم فهو الزال، فهو المخطئ المذنب، فهم ليسوا أهلًا أن يزل المرء فيهم بالكلام عليهم، بالكلام عليهم. أكد يكون المعنى. ومعنى هذا البيت فيه وجوب حفظ اللسان من الخوض في أعراض من سبق من أهل العلم والفضل، كالصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان، فلا تخض في سبهم، ولا تشتغل به، ولا تتكلم في حقهم بسوء، فيحرم هذا، يحرم سب من مضى من الصحابة وغيرهم، بل ومن لم يمض، لكن هنا كأنه أراد الرد على الرافضة ومن نحا نحوهم، سبابة الصحابة، سبابة الصحابة. ثم قال: ﴿وَتَغَافَلْ عَنْ أُمُورٍ إِنَّهُ لَمْ يَفُزْ بِالْحَمْدِ إِلَّا مَنْ عَقَلَ﴾، عندكم "من عقل" أو "من غفل"؟ ورد هذا وهذا: "من عقل" و"من غفل". ومعنى "تغافل": أي أظهر الغفلة من نفسك عن أمور غير محمودة حصلت عند غيرك. والتغافل: أن تعلم خطأ أو زلل وقع من غيرك، فلا تريد أن تظهر المعاتبة والعقوبة له، فتجعل نفسك كأنك لم تعلم بهذا الخطأ أو الزلل، هذا يسمى تغافل. تمام، يسمى تغافل، يعني أن تعلم خطأ من غيرك، فلا تريد أن تعاتبه أو أن تعاقبه، كي تكسب وده، أو تكسب، أو تدفع شره، فتتغافل كأنك ما علمت. على سبيل المثال: كان معك في البيت عشرون ألفًا، فاليوم الثاني وجدتها خمسة عشر ألفًا، وهذا المكان ما يفتحه إلا مثلاً الزوجة أو الولد، أنت لما تريد أن تحاسب أو تريد أن تعاقب، تجعل نفسك كأنك ما انتبهت لهذا الشيء، كأنك ما انتبهت. فهمتم هذا؟ هذا يسمى تغافل. مثال: مثلاً في هذا المركز، فلان عنده الطبخ، فطبخ، فكانت الطبخ فيها شيء من العيوب، إما زيادة ملح، أو زيادة ماء، أو نحو ذلك، فأنت أكلت وكأنك ما انتبهت لهذا، كأن الملح ما شاء الله طيب، والطبخ طيبة، ما حد انتقده، هذا يسمى ماذا؟ تغافل. لأنك لو قلت: أيش هذا اليوم، الملح زايد، ربما يأخذ في نفسه، أو ربما يترك، أو كذا، هذا يسمى ماذا؟ تغافل، يسمى تغافل. وقس على هذا في البيوت، في العمل، في الأخوة. وعدتك أخاك أن تذهب إلى الشحر، فقال لك: يعني أنا ربما أتأخر، أنت جالس، فإذا به مشى إلى الشحر، ما أتأخر، فإذا جاء، ما تقول: لك كيف أنت قلت لي ما بتتأخر، ومشيت بسرعة، ما تريد أن أذهب معك، وكذا، سيكون في شيء هكذا من المعاتبة، أو من التنافر، أو نحو ذلك. لا، تغافل عن هذا، كأنك ما رأيت، كأنك ما رأيت، هذا يسمى ماذا؟ تغافل. مش غفلة منك، الغفلة: أنك ما تشعر بالشيء، بهمتم، هذا الفرق بين الغفلة والتغافل. الغفلة: أنك ما شعرت، غفلت عن هذا، ذهب إلى الشحر في الوقت الذي أردت أن تذهب، ها لكن أنت من قبل كنت غافلاً، هذا تسمى غفلة. ها، أخذت عليه خمسة آلاف وأنت ما حسبت الفلوس، غفلت عن هذا، هذا تسمى غفلة، أنك ما علمت بالشيء. لكن التغافل: أنك تعلم ولكن تسكت، تعلم ولكنك ماذا؟ تسكت. هذا خلق طيب، هذا خلق التغافل. مثل هذا خلق محمود، طيب، ولا يجعلك تشتغل بعيوب غيرك، تشتغل بعيوبك. يعني مثلاً: إنسان وعدك مالًا، فأخلف، مع أنك تعلم أنه اشترى مثلاً كذا وكذا من السوق، وأن عنده مال، طيب، فهذا عيب في حقه، صح، فأنت تغافلت عن هذا، ما لمته، وقلت: كيف تقول لي ما معك مال، وأنت اشتريت سيارة، أو اشتريت دراجة، أو اشتريت كذا وكذا؟ هذا يجعلك يعني ما تهتم بغيرك، هل فيك هذا العيوب حتى تصححها، وتشتغل بها، وتفتعد عنها؟ فهمتم هذا الآن؟ فهذا هو التغافل. من فوائده أنه يجعل الإنسان يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره، فيكفي الإنسان ما فيه من العيوب، ما يحتاج أنه يدقق في عيوب الآخرين، يتغافل عنها، يتغافل عنها، ويشتغل بعيوب نفسه. وذكر ابن حزم رحمه الله في "مداواة النفوس"، له كتاب "مداواة النفوس"، أن من عجائب الأخلاق، من عجائب الأخلاق، أن الغفلة مذمومة، واستعمالها محمود. الغفلة مذمومة: أن تغفل عن الأشياء ولا تنتبه لها، هذا شيء مذموم، لكن استعمال الغفلة محمود، وهو ما يسمى بماذا؟ بالتغافل. الغفلة مذمومة، لكن استعمالها في التغافل محمود، هذا من ماذا؟ من عجائب الأخلاق. ولذلك قال الشاعر: ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي الغبي: بمعنى الغافل، والمتغابي: بمعنى المتغافل. فليس الغبي بسيد في قومه، الذي دائمًا كثير الغباء والغفلة وعدم الإدراك، هذا لا يمكن أن يسود قومه، أن يسود قومه، لا يمكن أن يسود قومه. لكن قال: لكن سيد قومه المتغابي، يعني المتغافل، هذا هو السيد الحق. وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل، فهو يبعدك عن كل خلق ذميم. تسعة أعشار، تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل. ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَمْ﴾، قال: ﴿وَتَغَافَلْ عَنْ أُمُورٍ إِنَّهُ لَمْ يَفُزْ بِالْحَمْدِ إِلَّا مَنْ غَفَلَ﴾، لم يفز بمعنى لم يظهر بالثناء عليه من الله تعالى، ولا من الناس، إلا الذي يتغافل عما يرى، يتغافل عما يرى، فهذا دليل الفوز. أن قلنا: التغافل له ثمار جليلة، منها الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الناس، ومنها البعد عن سب الناس وشتمهم، ومعاتبتهم، ومعاقبتهم، ونحو ذلك، كل ذلك بالتغافل. فصدق رحمه الله: ﴿وَتَغَافَلْ عَنْ أُمُورٍ إِنَّهُ لَمْ يَفُزْ بِالْحَمْدِ﴾، الحمد: يعني الثناء، لا من الله، ولا من خلقه، ﴿إِلَّا مَنْ غَفَلَ﴾، والمراد بـ "غفل": يعني تغافل، وليس الغفلة المذمومة. ثم قال: ﴿لَيْسَ يَخْلُو الْمَرْءُ مِنْ ضِدٍّ وَإِنْ حَاوَلَ الْعُزْلَةَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ﴾. "ليس يخلو" يعني ليس يسلم، يسلم المرء، يعني الإنسان، من ضد، والضد: هو العدو والمخالف، العدو والمخالف، والحاسد، أو الحاقد، هذا هو المراد بالضد. فيقول هنا: لا يسلم الإنسان من عدو ومخالف وحاسد أو حاقد، وإن حاول العزلة في رأس الجبل، أو في رأس جبل. ومعنى "حاول": من المحاولة، وهي الإرادة والطلب، ولو أراد وطلب العزلة، والعزلة: هي العيش بمعزل عن الناس، تعيش وحدك في رأس جبل، بعيد عن الناس، ما تسلم من ألسن الناس، ما تسلم. فإذا ما هي السلامة، وما هي الراحة؟ أنك لا تبالي، لا تبالي بطعن الطاعن، ولا بكلام المتكلم، لا تبالي به. كما قال القائل: وإذا ابتليت بخصم لا خلاق له فكن كأنك لم تسمع ولم تقل إذا ابتليت بخصم لا خلاق له، قليل الخلق والأدب، فاجعل، فاجعل نفسك كأنك لم تسمع، كأنك ما سمعت شيء، وكأنه ما قال شيء. وإذا ابتليت بخصم لا خلاق له، فكن كأنك لم تسمع ولم تقل. وهكذا قال الآخر، قال الآخر أيضًا في هذا المعنى: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت يزيد سفاهة وأزيد حلما كعود زاده الإحراق طيبا إذا نطق السفيه، لا تجبه، فخير من إجابته السكوت، لأنك لو أجبته، زاد سفه، وزاد طيشه، لكن علاجه هذا ماذا؟ أنك تسكت عنه، مثل العود، عود الند، تعرفون عود الند، هذا يحرق نفسه، لكنه ماذا؟ يزيد رائحة وطيبًا، تطلع منه الرائحة الطيبة. كعود زاده الإحراق طيبًا، هو يحرق نفسه، لكن أنت ترتاح، وتعني تبتعد عن شره. فإذا، لا تظن أنه لا يكون لك عدو، ﴿لَيْسَ يَخْلُو الْمَرْءُ مِنْ ضِدٍّ﴾، لابد من ذلك، لكن كيف تعالج هذا؟ بالصبر والسكوت، وكذلك الابتعاد قدر الاستطاعة، قدر الاستطاعة. فالأنبياء والرسل، كم أوذوا؟ قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾، قال: الآية التي فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31]، في سورة الفرقان، لكل نبي عدو، هذا نبي، فكيف بمن هو دون الأنبياء؟ فلا شك أن العداوة موجودة، فإذا ما عليك إلا الصبر. هذا فيه دعوة من الناظم إلى عدم المبالاة بسفاهة السفهاء، كما أن في البيت الأول حذر من، حذر البيت الذي قبل هذا، حذر من سب العلماء والسادة، ففي هذا البيت كأنه يواسي أهل الحق، وأهل الأخلاق الفاضلة، والقيم العالية، أنهم إذا ابتلوا بخصم، وبعدو، وحاقد، وحاسد، فعليهم بالصبر، وليعلم أن ما يسلم أحد من عداوة الأعداء. هذا هو المعنى، والله تعالى أعلم. نكتفي هذه الليلة بهذا، وإلينا، والله تعالى أعلم.