شرح لامية ابن الوردي 3

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحذير من آلات اللهو والطرب ومجالسة الأمرد

يشرح المقطع بيتاً من منظومة ابن الوردي يأمر بالإعراض عن آلات اللهو والطرب لكونها تثير الغرائز وتؤدي للغفلة والوقوع في الفواحش. كما يحذر من مجالسة الأمرد لوصفه بأنه موضع فتنة عظيمة مستدلاً بأقوال السلف كسفيان الثوري وفتح الموصلي.

أقوال السلف وابن تيمية في النهي عن مصاحبة المردان والنظر إليهم

يسرد المقطع أقوال الأئمة أحمد ومالك وسفيان الثوري وابن تيمية في النهي عن مجالسة المردان والنظر إليهم بشهوة لكونه موضع تهمة وفتنة. يبين الفرق بين النظر المحرم والنظر للجبر أو التعليم محذراً من تسويل الشيطان بدعوى التفكر في خلق الله.

تحذير من التعلق بالدنيا والدعوة للاشتغال بما ينفع في الدين والآخرة

يوضح المقطع أن كل ما في الدنيا يلهي عن الله فهو حقير مستشهداً بحديث النبي بأن الدنيا ملعونة إلا ذكر الله والعلم. يميز بين الأمور العظيمة والتافهة كالتعلق بالنساء والمال داعياً المسلم للاشتغال بما ينفعه في دينه وآخرته.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن الوردي رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: «ولها عن آلات لهو أطربت، وعن الأمر مرتج الكفل». قوله: «ولها» فعل أمر بمعنى أترك وأعرض. «آلات» جمع آلة. وقوله «لهو» يعني الآلات التي يلهو بها أو يلهى بها. قوله: «أطربت»؛ الطرب هو خفة تصيب الإنسان من شدة السرور، وهكذا تكون عنده شيء من الخفة، كأنه ليس بعاقل لشدة السرور، فتحرك فيه المشاعر، تحرك فيه المشاعر. فهو يقول في هذا البيت: أترك جميع أنواع آلات لهو وأطرب؛ فإن ذلك مما يحرك النفس ويهيج الغرائز، ويكون ذلك سبباً في الغفلة، ويكون ذلك سبباً ربما في وقوع الفاحشة. ولذلك قال العلماء: «الغنى بريد الزنا، الغنى بريد الزنا». فتجد من يتعلق بالغنى وآلات اللهو والطرب غالباً ما يميل إلى النساء، ولربما يبتلى بالوقوع بهن والعياذ بالله. ف여기 يأمر الناظم بالابتعاد عن ذلك، الابتعاد عن آلات اللهو والطرب. ولربما الشيطان كذلك يدخل لبعض من ينتسب إلى الدعوة أو إلى العلم من باب أن هذه أناشيد وليست بأغاني، فسموها أناشيد إسلامية. وإذا استمعت إليها تبين لك أنها بمعنى الطرب، بمعنى الطرب؛ فيها نغمات الأغاني، وإن لم يكن في ذلك آلات موسيقى، لكن تجد أن فيها معنى الطرب. فستجد الإنسان لما ينشد يتحرك، وهكذا. هذا، أيش الفرق بينه وبين الأغاني؟ والآن في نوع أتوا به يظنون أنه ليس من الأغاني، هو في الحقيقة لمن سمعه أغاني، يسمونه ماذا؟ «الشلات». هذا هو أغاني في الحقيقة. فانظر كيف الشيطان يلبس على هؤلاء، وكذلك يدخل لبعض هؤلاء من هذه الأبواب الخطيرة. فتجد كثيراً يتعلق بهذه الأناشيد فيحفظها ويرددها، ربما أكثر من ترديده القرآن. تجلس معه فإذا به يهتز، بدلاً من أن يذكر الله ويراجع القرآن، تجده ينشد ويأتي بمثل هذه الألحان. فالمؤلف هنا ينهى عن ذلك؛ لأن ذلك مما يولد الغفلة والبعد عن ذكر الله ونحو ذلك، فينهى عن ذلك. وأما قوله: «وعن الأمرد مرتج الكفل»، بعض الشراح انتقد على الناظم التوسع في ذكر أوصاف الأمرد، التوسع في ذكر أوصاف الأمرد. فهو أراد المعالجة وأراد كذلك النصح، فإذا به ربما وقع في شيء من الإثارة ونحو ذلك. فلذلك انتقد بعض الشراح توسع الناظم وتدقيق الناظم في وصف الأمرد. فهنا يقول: «وعن الأمرد». والأمرد هو الغلام الذي لم تنبت لحيته، لم تنبت... عفواً، لم تنبت من نبتة، لم تنبت لحيته، ولم يبلغ، ولم يبلغ يعني لم يكن بالغاً. أوان نبات اللحية، أوان نبات اللحية ليس بعد، يعني لم يكن ذلك الزمن زمن نبات اللحية، فهذا يسمى أمرد. أما إذا كان بالغاً ولم تنبت لحيته، فهذا لا يقال له أمرد. بعض الناس وهذا تجده كثيراً، تجده مثلاً سنه سبعة عشر، ثمانية عشر، عشرون سنة، ولا لحية له، خلقه الله هكذا، هذا لا يقال له أمرد. الأمرد هو الذي لم تنبت لحيته ولم يكن بالغاً، يعني لم يكن أوان نبات اللحية، هذا يقال له أمرد. فيقول الناظم: «ولها كذلك عن الأمرد»، يعني اترك وأعرض عن الأمرد؛ لأن الأمرد موضع فتنة، لأن الأمرد موضع فتنة. وكذلك ربما لا يقل خطراً عن الغادة. وما هي الغادة؟ مر معنا بالأمس: المرأة الحسناء. ربما فتنته تكون أعظم، تكون أعظم؛ لأنه ظاهراً ولأنه بارز ومختلط بذلك الناظر أو ذلك المفتون، فيكون سبباً للشر. فحذر منه هنا وقال: ابتعد عنه كذلك. وأما قوله: «مرتج الكفل»، كما تقدم هذا ممن عيب على الناظم، ولا داعي لذكر تلك الأوصاف؛ فإنها مما ربما تضر أكثر مما تنفع. والظن أن المؤلف أراد أن يبين أن الأمر إذا كانت هذه أوصافه فليكن الابتعاد منه أشد؛ لأنه موضع فتنة عظيمة. فهو هنا يصف الأمرد الذي هو موضع فتنة، الذي قد بلغ من الحسن ومن التكسر والليونة مبلغاً عظيماً، فهو يحذر من ذلك. فلذلك قال: «مرتج الكفل». لا بأس أن نأخذ المعاني المجملة ولا نتوسع في ذلك؛ لأن هذا مما ذكره النظم. فقوله: «مرتج» يعني الارتجاج، هو التحرك. الارتجاج هو ماذا؟ التحرك. والكفل يريد به العجز، يعني المؤخرة، المؤخرة. وهذا كناية عن نعومته وليونته. يعني: ابتعد عن هذا الأمر الذي هو أشبه ما يكون بالغادة، بالمرأة اللينة التي متى ما مشى تحرك عجزه. ها، الكفل: العجز، يعني المؤخرة، الإليتين. يريد هذا يعني لنعومته إذا مشى تحركت مؤخرته لليونته ونعومته. وهذا كما تقدم يعني أوصاف أراد التحذير ممن كان هذا وصفه؛ لأن الفتنة ممن وصف بهذا تكون أعظم، تكون أعظم. ومعنى البيت كما تقدم كذلك: ابتعد عما فيه فتنة. فكما أنك تبتعد عن الغادة، فكذلك تبتعد عن الأمرد، بما فيه من الفحش والخروج عن الفطرة والافتتان. فهو لا يقل شراً وفتنة من الغادة. والتحذير من الأمرد هذا جاء عن السلف في أحاديث كثيرة، جاء عن السلف في آثار كثيرة، سواء كان من الصحابة أو كذلك من التابعين أو من العلماء ممن جاء بعدهم. فنذكر بعض الآثار التي جاءت عن السلف، وفيها التحذير من مجالسة الأمرد أو النظر إليه أو مصاحبته، أو كذلك الخلوة به أو نحو ذلك، لتعلم حرص السلف على السلامة والبعد عن مواطن الشبه ومواطن الفتن. فقد جاء عن بعض التابعين أنه قال: «ما أنا على الشاب الناسك من سبع يجلس إليه، لأخوف مني عليه من حدث يجلس إليه». ما معنى هذا الأثر؟ يعني أن هذا التابعي يخاف على الشاب الناسك، أي العابد. انظر: شاب ليس يعني من أهل الشر والفسوق والفجور، لا، من أهل العبادة، يخاف عليه الأمرد أكثر من خوف عليه من الأسد. السبع يعني الأسد، يعني الأسد. فهو يخاف على هذا الناسك من الأمرد أكثر من خوف عليه من الأسد الضار. وهذا فيه شدة تحذير السلف من مجالسة ومخالطة الأمرد. وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «إن مع المرأة شيطاناً، ومع الحدث شيطانين». الحدث يعني الأمرد، يعني الأمرد. وتقدم معنا العلة في ذلك؛ لأن المرأة ربما تكون مستترة أو بادية لبعض زينتها وليس لكل زينتها، أما الأمرد فهو أمامك، فلربما يغلبك الشيطان فتقع فيما لا تحمد عقباه. وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى لا يدع أمرد يجالسه. كل هذه الآثار صحيحة عنهم، نقلها كثير من العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في مواضع عدة من كتابه «مجموع الفتاوى»، من كتابه «مجموع الفتاوى». وقال فتح الموصلي رحمه الله: «صحب ثلاثين شيخاً كانوا يعدون من الأبدال، يعني من العلماء والعباد والزهاد، فكلهم أوصوني عند فراق إياهم، وقالوا لي: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم، اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم». يعني: اتق، احذر معاشرة الأحداث ومخالطتهم. يعني صحبة الأحداث. أنت رجل كبير ذو لحية وسنك قد جاوز البلوغ، ما يليق أن تمشي مع صبية صغار، يعني تصاحبهم وتخالطهم وتضييع وقتك معهم، هذا لا يليق. ومما حذر منه السلف؛ لأن هذا موضع شبهة وموضع فتنة. وكذلك جاء عن الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام أمرد حسن الوجه، حسن الوجه. فقال له الإمام أحمد: «من هذا الفتى؟ من هذا الفتى الأمر الذي معك؟» فقال الرجل: «ابني، هذا ابني». فقال له: «لا تجيء به معك مرة أخرى». وهو ابنه. انظر: ليس ابن الجيران أو من غير الجيران ممن هم أبعد، لا، إنما هو ابنه. ومع هذا قال له: «لا تجيء به معك مرة أخرى». فلامه بعض أصحابه، لام الإمام أحمد: «هذا ابنه، كيف تقول له لا تجيء به؟» فقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «على هذا رأينا أشياخنا، وبه أخبرونا عن أسلافهم». لذلك جاء عن جمع من المحدثين أنهم كانوا لا يقبلون في مجالسهم المردان، كانوا يطردونهم، كما جاء ذلك عن الإمام مالك، كما طرد هشام بن عمار وكان أمرد صغيراً، وهكذا الإمام أحمد طرد كذلك أحد المردان من مجلسه. وعن الإمام أحمد آثار كثيرة تدل على ذلك، تدل على ذلك. فهذا من ما حذر منه السلف رحمهم الله تعالى. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فله آثار وأقوال كثيرة في هذا الباب في «مجموع الفتاوى». فقال في «مجموع الفتاوى» رحمه الله: «أن حسن بن الرازي جاء إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فتحدث معه ساعة، فلما أراد أن ينصرف قال له أحمد: يا أبا علي، لا تمش مع هذا الغلام في طريق». فقال له أبو علي: «يا أبا عبد الله، هو ابن أختي، يعني أنا خاله». فقال له الإمام أحمد: «وإن كان، لا يأثم الناس فيك، أو لأن لا يظن بك من لا يعرفك ولا يعرفه سوء». وهذا أمر يغفل عنه كثير من الناس. أحياناً ربما يكون معك سائق أو شيء، تمر بولد أمرد يؤشر يريد أن يركب معك. يا أخي لا تركبه؛ لأن هذا فيه سوء ظن بك. يراك الناس وأنت معك هذا الأمرد، ربما يقولون: هذا يريد به كذا أو كذا، فيساء الظن بك، يساء الظن بك. فالأولى والسلامة ألا تفعل ذلك، ويسر الله لك غيرك. ومرة أحد جيراني من الأولاد الصغار أراد أن يذهب معي المسجد، يعني شبه يومي، فسألت الشيخ عبد الله في هذا، فقال لي: «إذا تخاف على نفسك أو تخاف أن يظن بك سوء فلا تفعل». فانظر إلى فتاوى العلماء، فهكذا ينبغي للإنسان أن يكون فطناً، لا يدخل نفسه في هذا الباب، ولا يعامل الأمر إلا بحذر، بحذر؛ لأن فتنته ليست بالأمر الهين، كما سمعت عن السلف. كما قال الإمام أحمد: «وإن كان، لا يأثم الناس فيك». كيف لا يأثم الناس فيك؟ يعني يتكلمون فتؤثمهم. يقولون: انظر فلان متعلق بالمردان، ما يمشي إلا مع المردان، في قلبه مرض، فيه كذا وكذا. «أو لأن لا يظن بك من لا يعرفك ولا يعرفه سوء». ما هل الناس كلهم يعرفون أن قصدك كذا وكذا؟ ما كل الناس يعرفون ذلك. فالسلامة أن تترك ذلك. وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: «إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه». ومعنى «يلح» يعني يحد النظر دائماً وينظر إلى المردان، فهذا موضع تهمة، فهذا موضع تهمة. نعم، لأنه دليل على ضعف دينه وإيمانه. ولا تكن مثل الصوفية. الصوفية عندهم هذا الأمر لا شيء فيه. فإذا نهيتهم قالوا: «لا، نحن نتفكر في خلق الله». انظر إلى هذا الحسن، انظر إلى كذا. وهذا من تلبيس الشيطان، وهم كذابون، لا يتفكرون في خلق الله. من نظر إلى الأمرد فإنما ينظر لمرض قلبه، لمرض قلبه وتعلقه بذلك. قال الحسن بن ذكوان رحمه الله: «لا تجالس أولاد الأغنياء، فإن لهم صوراً كصور النساء». لأن الأغنياء الغالب ما يكون أولادهم أصحاب جمال وحسن، لأنهم يتزوجون النساء الحسنوات، فربما أثر ذلك في ذريتهم. فقال: «لا تجالس أولاد الأغنياء، فإن لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذار»، يعني من البنت العذراء. «وهم أشد فتنة». هذا قال الحسن بن ذكوان. وقال بعض التابعين: «كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل». وهذه الكراهة إذا كان النظر إليه بشهوة وتلذذ فهي كراهة تحريم، كما سيأتي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، بين أن النظر إلى الأمرد نظر شهوة وتلذذ فهذا حرام لا يجوز. أما إذا كان نظر يعني تعليم ورحمة وشفقة ولا يكون في قلبه شيء من ذلك، فهذا لا بأس به. لأن الأمرد لا يعامل معاملة المرأة بمعنى أنه لا يكلم ولا يدرس ولا يجلس معه مطلقاً. لا يفهم من هذه الآثار أن الأمرد يعامل معاملة المرأة، لا. وإنما المراد الخلوة به والفتنة به والنظر إليه نظر يعني شهوة وتلذذ، هذا الذي ينهى عنه السلف. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه أو أدامه، وقال: إني لا أنظر لشهوة، كذب في ذلك». وصدق رحمه الله. بعض الناس يسول له الشيطان: لماذا يا أخي أراك تنظر إلى المردان؟ يقول: «أنا أتفكر في خلق الله». هذا كذاب، لا يتفكر في خلق الله. إذا أراد أن يتفكر في خلق الله سيتفكر في السماوات وفي الجبال وفي البحار، يتفكر في هذا الموضع. فهذا من تلبيس إبليس، كما ذكر ذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله. قال عبد الله بن المبارك: دخل سفيان الثوري الحمام، والحمام هو موضع عام، موضع للاغتسال، يكون فيه ماء طيب ماء حار أو نحو ذلك، يسمى الحمام. ليس المراد الحمام يعني ما يكون الآن من دخول الفرد الواحد فيه، لا، وإنما هو مكان عام، مثل الآن مثلاً لو أحد يعرف بعض الأماكن فيها اغتسال جماعي، بعض الحمامات أو بعض العيون أو نحو ذلك، يعني هو بهذا المعنى، لكن يكون مكان فيه يعني اغتسال جماعي. فدخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح، يعني غلام حسن جميل. فقال سفيان: «أخرجوه، أخرجوه، أخرجوه، فإني أرى مع كل امرأة شيطاناً، ومع كل غلام خمسة عشر شيطاناً». وهذا أيضاً ملحظ مهم. يعني بعضهم يتساءل: نعم الرحلات للأولاد في المسبح، ويذهب ويغتسل مع الأولاد، وربما تنكشف بعض عورات هؤلاء الأولاد. فهذا لا يليق ولا ينبغي؛ فإنه موضع فتنة. ولذلك سفيان الثوري أمر بإخراج هذا الغلام. وكذلك جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه قال: «أما صحبة المردان مع ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد الحسن ومبيته مع الرجل ونحو ذلك، فهذا من أبشع المنكرات». هكذا يقول شيخ الإسلام عليه رحمة الله: «أما صحبة المردان مع ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد»، تكون أنتم في غرفة واحدة أو في بيت واحد، هذا ما يليق. «بالأمرد الحسن ومبيته مع الرجل ونحو ذلك، فهذا من أبشع المنكرات عند المسلمين وعند اليهود والنصارى وغيرهم، وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بقبلة الأمرد ولمسه والنظر له، هو حرام باتفاق المسلمين». بعض الناس ربما يلبس على نفسه ويقول: «لا، أنا أقبله رحمة به»، وليس من أقاربه. فهذا أيضاً ينتبه له، هذا ينتبه له. فالله أعلم بالنيات. قال شيخ الإسلام أيضاً: «الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من الأمور». مش في كل الأمور، في كثير من الأمور. ما هي هذه الأمور؟ قال: «فلا يجوز تقبيله لأنه موضع فتنة، لا يجوز تقبيله على وجه اللذة، بل ولا يقبله إلا من يؤمن عليه كالأب وإخوته». هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. قال: «الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من الأمور، فلا يجوز تقبيله على وجه اللذة، بل ولا يقبله إلا من يؤمن عليه كالأب والإخوة، ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه»، يعني إذا كان على وجه اللذة والشهوة. «ولا يجوز النظر إليه على هذا الوجه باتفاق الناس، بل يحرم عند جمهورهم النظر إليه عند خوف ذلك»، يعني عند خوف الفتنة، عند خوف الفتنة. فهذه مجموعة من أقوال العلماء من سلف هذه الأمة في التحذير من مجالسة ومخالطة والنظر إلى الأمرد. وهذا ما عليه السلف الصالح. فلنحذر من ذلك، ولننهى عن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. فإن كثيراً من الناس تهاون. خلص، الآباء يقول لك: «ماذا فيه أن ولدي يمشي مع فلان، وإن كان أكبر منه سناً؟» ويتساهل ويتهاون في ذلك. فهذا الباب لا يجوز فيه التهاون؛ فإن شره عظيم وخطره مستطير. فلننتبه لذلك. ثم قال الناظم رحمه الله، وهو لا يزال يصف هذا الأمرد الذي هو موضع فتنة، وقد تقدم أن هذا ما يليق، لكن من باب أنه قد ذكر نذكر ألفاظه على وجه العموم. قال: «إن تبدى تنكسف شمس الضحى، وإذا ما ماس يزري بالأسل». ما معنى هذا البيت على وجه الاختصار والعموم؟ يقول: إن هذا الأمرد إن تبدى، يعني ظهر. «تبدى» بمعنى ظهر. إن ظهر هذا الأمرد الحسن تنكسف شمس الضحى، يعني يذهب نورها. كناية على كثرة ضوءه وكثرة بياضه. فيقول: إذا ظهر هذا الأمرد تنكسف الشمس، يعني يذهب ضوءها. الكسوف بمعنى ذهاب الضوء، ذهاب الضوء. ولما شبهه بشمس الضحى؟ قالوا: لأن شمس الضحى يكون الوقت فيها أكثر ضوءاً، هذا الوقت يكون أكثر ضوءاً مع عدم إيذائها. الشمس في الضحى لا تكون حارة شديدة الحر، ويكون ضوءها أكثر، بخلاف إذا كانت في وسط النهار، فإن حرها يكون شديداً وتكون مؤذية. فهنا شبه هذا الأمرد بماذا؟ بالضوء الذي يطفئ ضوء الشمس، يطفئ ضوء الشمس. قال: «وإذا ما ماس يزري بالأسل». «إذا» شرطية، و«ما» هنا زائدة، لأن الغالب في «ما» تكون زائدة إذا أتت بعد «إذا». خذ يا طالب العلم فائدة: «ما» بعد «إذا» زائدة. خذ، خذ يا طالب العلم فائدة: «ما» بعد «إذا» زائدة. فهنا «ما» هنا زائدة في اللفظ، فيكون المعنى: «وإذا ماس». وما معنى «ماس»؟ من الميس، وهو التحرك أو التبختر. يعني هذا الأمرد إذا تبختر وتحرك «يزري بالأسل». «يزري» من الإزراء، بمعنى التهاون والاحتقار، التهاون والاحتقار. يعني إذا تحرك وتبختر كان أكثر تحركاً من الأسل. والأسل هو الرمح. الأسل: الرمح. والرمح كثير الحركة لأنه يرمى به، الرمح كثير الحركة لأنه يرمى به. فيقول: هذا الأمرد في تحركه تزدري معه تحرك الأسل، تحرك الرمح. أي أن تحركه أشد وأكثر من تحرك الرمح. وهذا فيه كناية عن ماذا؟ عن ليونته ونعومته. ليونة الأمرد ونعومته، وأنه كثير التحرك. والمعنى واضح، ولا داعي للتعمق في ذلك. ثم قال: «زاد إن قسناه بالشمس سنة، وعدلناه بغصن فاعتدل». هذا ما زال في وصف هذا الأمرد، في وصف هذا الأمرد. يقول: «زاد إن قسناه بالبدر سنة». معنى البدر هنا: لا، القمر. «زاد إن قسناه بالبدر سنة». عندكم «بالشمس»؟ عندك... لا، بـ «البدر» أو بـ «الشمس»؟ نعم في نسختان: نسخة بالبدر ونسخة بالشمس، والأصوب الله أعلم هنا «البدر». نعم، لأن «السنة» بمعنى ماذا؟ الضوء. طيب. ففي الأول ذكر الشمس في قوله: «إن تبدى تنكسف شمس الضحى، وإذا ما ماس يزري بالأسل». «زاد إن قسناه بالبدر سنة». ويجوز «بالشمس» على النسخة هذه. ومعنى «زاد إن قسناه»: معنى «قسناه» يعني وازناه. يعني إذا وازنا بين هذا الأمرد وبين الشمس أو البدر، زاد ضوء هذا الأمرد على ضوء البدر لشدة بياضه وحسنه. والبدر هو القمر التام النور. البدر هو القمر التام النور إذا كان في الليالي التي هو أشد نوراً فيها. و«السنة» كما تقدم: من «السنة» وهو الضوء. «يكاد سناً برقه» يعني ضوء برقه، ضوء برقه. فيقول: أن هذا الأمرد «زاد إن قسناه بالبدر سنة» على ضوء البدر، أو على ضوء الشمس، أو على ضوء الشمس. ثم قال: «أو عدلناه بغصن فاعتدل». «عدلناه» أي سويناه. إذا سويناه بغصن اعتدل، أي استوى وزاد عليه استواء، وزاد عليه استواء. وهذا كناية عن ماذا؟ عن حسن قامته واستوائه. يعني الأمرد لما يكون بهذا الوصف يكون أشد حسناً، يكون أشد حسناً. هذا هو المعنى، هذا هو المعنى. ولا نطيل في ذلك، ولا نتوسع؛ لأن الله أعلم، لا داعي لذكر هذه الأوصاف بهذا التفصيل. ولكن أمر ورد في المنظومة، فلا بأس أن نذكر معاني الكلمات فقط. ثم قال: «وافتكر في منتهى حسن الذي أن تتهواه وتجد أمراً جلل». ومعنى «وافتكر»: أمر من الافتكار، بمعنى التفكر. يعني: تفكر في منتهى حسن الذي، يعني منتهى، يعني نهاية. «منتهى» بمعنى نهاية. «وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه»، «تهواه» من الهوى، بمعنى العشق والمحبة. يعني: يا من عشقت وأحببت النساء أو المردان، تفكر في أمرك، تفكر في أمرك، واجلس جلسة عاقل متدبر متفكر فيما أنت ابتليت به من هذا العشق والحب والغرام، تجد أمراً جلل، تجد أمراً جلل. و«الجلل» من الأضداد، يستخدم ويستعمل في الشيء العظيم وفي الشيء الحقير. «أمر جلل» حسب السياق قد يكون أمراً عظيماً أو أمراً حقيراً، واضح. يقال له «جلل». والمراد به في هذا البيت هو ماذا؟ الأمر الحقير. المراد به في هذا البيت الأمر الحقير؛ لأن السياق يدل عليه، لأن السياق يدل عليه. فهو يقول له: تفكر في نهاية ما ابتليت به من العشق والحب والغرام، سواء كان في النساء أو في المردان، ما هي نهايته؟ نهايته أمر جلل، يعني أمر حقير، أمر... ماذا؟ حقير. لا يحتاج هذا الانشغال ولا هذا كذلك الاهتمام. فهو أمر لا يليق بمسلم أن يشتغل به، أن يشتغل به. فكل ما في هذه الدنيا يلهي ويبعد عن الله عز وجل فهو حقير، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً». هذا الذي هو الأمر الجلل في هذه الدنيا بمعنى العظيم، تمام. أما ما هو دونها من التعلق بالنساء والمردان والمال ونحو ذلك، فهذا أمر جلل بمعنى حقير، هذا أمر حقير. فهذا معنى قوله: «وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل». تجده أمراً حقيراً لا يستحقه هذا الانشغال وهذا الاهتمام. فاشتغل وأحرص على ما ينفعك في أمر دينك، أو في أمر آخرتك، أو في أمر دنياك مما يعينك على القيام بأمر الله سبحانه وتعالى. هذا هو المراد. إلى هنا ونكتفي، والله تعالى أعلم.