شرح كتاب الصلاة 20

الدرس في شرح كتاب الصلاة 20، ألقاها

موضع سجود السهو وأدلته

تناول المقطع مسألة سجود السهو وموضعه قبل السلام أو بعده، مشيرًا إلى آراء أهل العلم والأحاديث الدالة على مشروعية سجود السهو في كلا الحالتين. ورجح أن ما كان من نقص فالسجود قبل السلام، وما كان من زيادة فالسجود بعد السلام.

كيفية سجود السهو ودعاؤه

سجود السهو يكون بسجدتين مثل سجود الصلاة، يكبر للسجود وللرفع، ثم يسلم بدون تشهد إذا كان بعد السلام. ليس لسجود السهو دعاء خاص، بل يقال فيه ما يقال في سجود الصلاة.

سجود التلاوة وحكمه وكيفيته

سجود التلاوة مستحب وليس بواجب، ويشرع للقارئ والمستمع إذا قصد الاستماع. لا يسجد الإمام في الصلاة السرية خشية التشويش على المصلين، ويكون سجود التلاوة مثل سجود الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- المسألة الرابعة: موضعه وصفته، أي سجود التلاوة، سجود السهو. سجود السهو قال أولا: موضعه. قال: لا ريب أن الأحاديث وردت في موضع سجود السهو على قسمين، قسم دل على مشروعيته قبل السلام، والقسم الآخر دل على مشروعيته بعد السلام. قبل السلام مثل حديث عبد الله بن بحينة لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول، ومثل حديث أبي سعيد الخدري فيمن شك لم يدري كم صلى، فبنى على اليقين. وبعد السلام مثل حديث ذي اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين، ومثل حديث ابن مسعود فيمن شك كم صلى، ثم غلب على ظنه أحد الاحتمالين، قال: فإنه يسجد بعد السلام. فجاءت الأحاديث دلت على مشروعية سجود السهو قبل السلام وبعد السلام. طبعا هذا حصل فيه الخلاف من أهل العلم: متى يكون سجود السهو؟ قال: ولهذا قال بعض المحققين إن المصلي مخير إن شاء سجد قبل السلام أو بعده؛ لأن الأحاديث وردت بكل الأمرين، يعني وردت بالسجود قبل السلام، ووردت بالسجود بعد السلام. فإذا اختار أحد الأمرين أن يسجد قبل السلام أو بعد السلام، فالأمر في ذلك واسع. قال: فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده جاز، يعني كل سهو حصل له سجد له قبل السلام، أو حصل له سهو سجد بعد السلام، فلا شيء عليه. قال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام. طيب هذا أحد الأقوال في هذه المسألة في موضع السجود، على أن الإنسان مخير إن شاء قبل السلام وإن شاء بعد السلام. هناك أقوال كثيرة، أقوال كثيرة. ومنها أيضا ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، أنه يرى السجود في المواضع التي سجدها النبي عليه الصلاة والسلام، فما سجده قبل السلام فقبل السلام، وما سجد فيه بعد السلام فبعد السلام. وأما ما لم يأت فيه شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام فيقاس عليها، فما كان زيادة فبعد السلام، وما كان من نقص فقبل السلام. ولعل هذا أرجى الأقوال عملا بالوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ما لم يأت فيه شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام وقيس على ما ثبت عنه. ورجح هذا القول كذلك أعلام عثيمين رحمه الله. على أن كما قلنا: لو أنه سجد قبل السلام في جميع الحالات فليس عليه شيء، لكن أفضل أن يكون سجود السهو على هذا الوصف، فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام يسجد مثله. مثلا في ترك التشهد الأول، النبي عليه الصلاة والسلام سجد قبل السلام، سجد قبل السلام. وكذلك أيضا في الشك في الشك الذي لا يترجح للإنسان فيه شيء، فيعمل باليقين ويأخذ بالأقل، فيسجد قبل السلام كما في حديث أبي سعيد الخدري. وإذا سلم من ركعتين أو ثلاث ولم يكملها ثم أتمها، فيسجد بعد السلام كما في قصة ذي اليدين، وأيضا نحوه حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وأيضا في الشك إذا ترجح له أحد الاحتمالين، فإنه يسجد بعد السلام. وفي غير هذه الأحوال، فما كان من زيادة فيسجد بعد السلام، يعني مثلا قام الإمام في الركعة الخامسة، قالوا: سبحان الله، جلس. الآن سهى وقام لركعة خامسة، متى يسجد؟ على ما ذكرنا الآن من التفصيل: بعد السلام، يكمل الصلاة ثم يسلم ثم يسجد للسهو؛ لأن هذه زيادة. طيب ترك ركوعا مباشرة من القيام، سجد قالوا: سبحان الله، ارتفع وركع، متى يسجد؟ قبل السلام؛ لأنه نقص، لأنه نقص الركوع. وعلى هذا قس: ما كان من نقص فقبل السلام، وما كان من زيادة فبعد السلام. قال ثانيا: صفة سجود السهو. قال: سجدتان كسجود الصلاة، يكبر في كل سجدة للسجود وللرفع منه، ثم يسلم. يكبر في كل سجدة للسجود، يعني هو جالس يكبر الله أكبر فيسجد، ثم يكبر للرفع الله أكبر فيرتفع، ثم يكبر الله أكبر فيسجد، ثم يكبر للرفع الله أكبر فيرتفع، ثم يسلم مباشرة. هذه صفة سجود السهو. قال: وذهب بعضهم إلى أنه يتشهد إذا سجد للسهو بعد السلام، يعني إذا سلم ثم سجد للسهو، فإذا قام من السجدة الثانية يتشهد ثم يسلم. قال: ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أحاديث حسنة بمجموعها، كما قال الحافظ ابن حجر. وصحح أن هذه الأحاديث غير ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم تشهد في سجود السهو غير ثابتة. جاء بحيث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سهى، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. أخرج أبو داود والترمذي، وذكر تشهد، تفرد به أشعث الحمراني عن خالد الحذاء. تفرد به أشعث الحمراني عن خالد الحذاء، وخالف أكثر من سبعة من الثقات لم يذكروا التشهد، منهم شعبة، محمد بن زيد. ومن علية هؤلاء لم يذكروا التشهد. وأصل الحديث في صحيح مسلم، وليس فيه ذكر التشهد. إذن ذكر التشهد يعتبر شاذا. وجاء من حديث ابن مسعود عند أبي داود والبيهقي، وعند أبي داود من حديث ابن مسعود، وعند البيهقي من حديث المغيرة، وعند البيهقي من حديث المغيرة، وهي ضعيفة. قال البيهقي رحمه الله في حديث مسعود في ذكر التشهد: وهذا غير قوي، وهذا غير قوي، ومختلف في رفعه ووقفه. ولا حديث صحيحة بالصحيحين ليس في ذكر التشهد. ولو كان التشهد ثابتا لفعله النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يثبت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام. إذن إذا سجد الإنسان لسجود السهو سواء كان قبل السلام أو بعد السلام، فهو يتشهد لتشهد الصلاة. وأما بعد السلام فإنه يسجد ثم يسلم مباشرة من غير تشهد، هذا هو الصحيح. طيب هل لسجود السهو دعاء خاص؟ هل لسجود السهو دعاء خاص؟ ورد حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول في سجود السهو: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته». هذا الحديث جاء من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو من طريق خالد الحذاء عن أبي العالية، ولم يسمع منه، فهو منقطع. من طريق خالد الحذاء عن أبي العالية، ولم يسمع منه، فالحديث منقطع. لكن صح هذا الدعاء من حديث علي رضي الله عنه في الصحيح في مسلم، من غير تخصيص سجود السهو، يعني أنه من أذكار الصلاة وأذكار السجود من غير تخصيص سجود السهو. فإذا قاله الإنسان أحيانا على أنه من الأذكار الواردة فلا بأس، وإذا أتى بالأدعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السجود، فهذا أيضا لا بأس. «سبحان ربي العلا، سبحان ربي العلا، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة». يأتي بأدعية السجود هي نفسها يأتي بها في سجود التلاوة، وفي سجود السهو، وفي سجود الشكر. إذن ليس لسجود السهو دعاء خاص. قال المسألة الخامسة: سجود التلاوة. قال أولا: مشروعيته وحكمه. قال: مشروع عند تلاوة الآيات التي وردت فيها السجدات، واستماعها. مشروع عند تلاوة الآيات التي وردت فيها السجدات، يعني إذا قرأها الإنسان ومر على آية فيها سجدة يشرع له أن يسجد سجود التلاوة. واستماعها، أي لمن يستمع له لقراءته وينصت لقراءته. قال ابن عمر رضي الله عنه: «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته». والحديث صحيح، وهو سنة على الصحيح، وليس بواجب. فقد قرأ زيد بن ثابت على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، وفيها سجدة، فلم يسجد فيها. فدل على عدم الوجوب. وهذا والصحيح وقول جمهور أهل العلم أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب. وهذا والدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في سورة النجم، دل على عدم الوجوب، وهي مستحبة. سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، يعني يستحب سجود التلاوة سواء كان يقرأ خارج الصلاة أو يقرأ داخل الصلاة. إلا أنه في الصلاة السرية لا ينبغي للإمام أن يسجد خشية أن يشوش على المصلين، كما قال جمهور أهل العلم. يعني مثلا يقرأ سورة العلق فيمر على آية سجدة فيأتي يسجد، ما يدري الناس للقلق أي شيء الذي حصل؟ يقول: أمام الإمام سهى، سبحان الله، يحصل خبط في الصلاة. لأجل هذا قال أهل العلم: لا يسجد في الصلاة السرية. أما في الجهرية إذا أحب أن يسجد فلا بأس؛ لأنهم يعرفون سبب السجود. قال: ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع، القارئ الذي يقرأ، والمستمع الذي ينصت له والذي ينصت له وقصد الاستماع. أما الذي يمر إنسان يمر مارا فسمع آية سجدة فهذا لا يسجد؛ لأنه لم يقصد الاستماع. ولهذا يعني العلماء يفرقون بين المستمع والسامع. المستمع يعني لو استمع للمحرم أذن، بخلاف السامع. أنت الآن في مجلس وهذا المجلس فيه أقوال منكرة وفيه غناء، وأنت جالس تستمع، تقول: والله أنا ما أحب الغناء، لكن تستمع ما شاء الله وتقول: أنا ما أغني، أنا ما أغني، هذا الذي غنى أو هذا الذي يفتح الغناء، لكن أنت تأثم؛ لأنك تستمع لهذا الغناء. لكن لو مر شخص في طريقه على هؤلاء القوم فلا شك أنه سيصل شيء من الغناء إلى أذنيه وسيسمع، هل عليه شيء من الذي يسمع؟ الجواب: لا؛ لأنه لم يقصد الاستماع، إنما هو مار. طيب ففرق بين من يستمع وينصت ويقصد الاستماع، وبين من يسمع من غير قصد. فلذلك الذي يسجد مع القارئ هو المستمع، وأما السامع فهذا لا يسجد. قال: إذا قرأ آية سجدة في الصلاة أو خارجها لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك عندما كان يقرأ السجدة، ويسجد للصحابة معه كما مر في حديث ابن عمر: «فيسجد ونسجد معه». والدليل على مشروعيته في الصلاة ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: «صليت مع أبي هريرة العتمة -يعني صلاة العشاء- فقرأ إذا السماء انشقت فسجد -أي أبو هريرة- فقلت: ما هذا؟ -يعني ما هذا السجود- قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه». انظر إلى شدة محبة من النبي عليه الصلاة والسلام ومحبة اتباعه، يقول: «سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم -يعني سلم- قرأ وسجد فيها، فأبو هريرة رضي الله عنه وسجد، وقال: ما زلت أسجد أو لا أزال أسجد حتى ألقاه اتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام». الشاهد أن النبي سجد سجدة تلاوة وهو في الصلاة، فدل على مشروعية ذلك، والحديث في الصحيحين. وفي مصنف عبد الرزاق أن عمر رضي الله عنه سجد في سورة النجم، ثم قام فوصل بسورة أخرى. وصل إليها سورة، وهذا إذا كانت السجدة في آخر السورة مثل سورة النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ تسجد ثم تقوم، تأتي بسورة مصيرة، ثم تركع، هذا ثابت عن الصحابة رضي الله عنهم. قال: فإذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع؛ لأن المستمع تبع فيها للقارئ، الأصل هو القارئ. فإذا لم يسجد القارئ فلا يسجد المستمع، وإنما المستمع تبع للقارئ. إذا سجد القارئ قرأ وسجد المستمع، وإن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع. قال: ولحديث زيد بن ثابت المتقدم، فإن زيدا لم يسجد فلم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم. لما ترك زيد السجود ترك النبي صلى الله عليه وسلم السجود؛ لأنه يستمع له وهو الأصل، أي زيد رضي الله تعالى عنه. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على