الدرس في شرح كشف الشبهات 15، ألقاها
يشرح النص وجود أعداء لكل نبي من شياطين الإنس والجن، وأن الطريق إلى الله ليس سهلًا بل به تحديات ومكاره. يجب على المسلم التسلح بالعلم لدفاع عن دينه.
النجاة من كيد الشيطان تكون بالإقبال على الله والتوكل عليه وتعلم العلم النافع. العامي الموحد يمكن أن يغلب علماء المشركين بفضل فطرته السليمة وعقله الصحيح.
يُنصح بالاستعداد لمقارعة الشبهات والحجج بالعلم النافع والتوحيد. يجب أن يكون الفرد مستعدًا لتقديم الردود القوية والدفاع عن دين الله بشكل واضح.
الحمد لله، وصلاة الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: «وعلم أن الله تعالى بحكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. تقدم معنا وأشرنا إلى هذه الفقرة، وهو أن ما أنزل الله وما أرسل الله عز وجل من نبيه إلا وجعل له أعداء لحكمة عظيمة جليلة أرادها الله عز وجل، علمها من علمها وجهلها من جهلها. قال: وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، فرحوا بما عندهم من العلم؛ عندهم علوم أخذوها عن آبائهم وعما خالطوهم من أهل ملتهم وشاكلتهم. فلما جاءتهم الرسل بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم، يقولون: عندنا علم، والآن نجادل، والآن نظهر الحجة، ونقرأ الحجة بالحجة. وهكذا فالمشركون كان عندهم ماذا؟ كان عندهم علم، كما دلت هذه الآية، ودلت الأدلة الأخرى في الصحيحين من حديث ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أما بعث معاذًا إلى اليمن، قال له: إنك تأتي قومًا أهل كتاب، إنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ أي عندهم علم من الكتاب، فلتأخذ حذرك، ولتتأهب، ولتتهيأ لمقارعة الحجة بالحجة والبيان بالبيان». وهكذا فهذا يدل على أن من المشركين من كان عنده حجة وبيان، ومن المشركين النصارى أن لهم عيسى عليه السلام، واليهود أن لهم عزيرًا. إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لابد له من أعداء قاعدين عليه؛ أي إذا عرفت أن من حكمة الله عز وجل أنه ما أرسل من نبيه إلا وجعل له أعداء من بني جنسه ومن غيرهم أيضًا، وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لا بد له من أعداء من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج؛ أي أن الطريق إلى الله عز وجل ليس مفروشًا بالورد، بل مفروش بالأمور العظام. كما جاء في مسند أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والحديث طويل، وفيه: «أن الله لما خلق الجنة نادى جبريل، فقال له: انظر إليها، فنظر إليها جبريل عليه السلام، ثم قال: وعزتك، وجلال وعزتك يا رب، لا يراها أحد أو قال: لا يسمع بها أحد إلا دخلها. قال: ثم يحفها الله عز وجل بأمور من المنهيات والفتن - أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - ثم يدع جبريل فيقول له: اذهب فانظر إليها، فينظر إليها وينظر إلى ما حولها من الفتن ومن الملهيات ومن المبعدات، فيقول: وعزتك يا رب، لا يدخلها أحد. لا يدخل أحد إذا كان هذا الطريق إلى الجنة فلن يدخلها أحد. ثم يقول: لو اذهب إلى النار فانظر إليها، فينظر إليها، ثم يقول: وعزتك يا رب، لا يسمع بها أحد فيدخلها. ثم يحفها الله عز وجل بالشهوات. الجنة جاء في الحديث أنه يحفها بالمكاره، يحفها بالمكاره، والنار قال: يحفها بالشهوات. قال: فإذا نظر إليها جبريل في المرة الثانية، قال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها؛ لما فيها من الشهوات - أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -. والحاصل من هذا الحديث أن طريق الجنة فيه ما فيه من المكاره، وفيه ما فيه كذلك من الأشياء التي تصد عن سبيل الله عز وجل. ومن هذه المكاره أعداء الله عز وجل من شياطين الإنس والجن الذين يصدون عن سبيله بالحجة والبيان، وتارة أخرى بالسيف والسنان. قال رحمه الله تعالى: «فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصيره سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين؛ أي من شياطين الجن والإنس الذي قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين. هكذا يقول إبليس: لأقعدن لهم صراطك المستقيم؛ يقعدوا في الطريق إلى الله عز وجل فيفتنون الناس ويوسوسون للناس ليبعدهم عن طريق الله عز وجل. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين؛ غرضه من ذلك أن يبعد الناس عن الطريق إلى الله عز وجل، وعن شكر نعم الله عز وجل، وعن مخالفة دين الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ولكنك إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبياناته فلا تخف ولا تحزن؛ إن كيد الشيطان كان ضعيفًا. الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في هذه الفقرة سببين للنجاح: السبب الأول الإقبال على الله واللجوء إلى الله والتوكل على الله وتفويض الأمر إلى الله وطلب النصر والمدد والثبات من الله عز وجل؛ هذا هو أعلى الأسباب وأعظم الأسباب وأجل الأسباب أن يظهر العبد افتقاره إلى الله عز وجل واحتياجه إلى ربه ومولاه لنصره ولثباته ولغير ذلك من الأمور من الظهور وغيرها. قال: وأصغيت إلى حججه وبياناته؛ وهذا هو الأمر الثاني، وهذا هو الأمر الثاني: تعلم العلم ومعرفة حجج الله عز وجل ومعرفة حجج الله عز وجل من كتابه سبحانه وتعالى، وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أن يعرفها الإنسان معرفة قلب، ويعرف هذه الحجج ووجهها، وكيف قيامها، وكيف يوجهها على أعداء الله عز وجل. فكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: أن الإنسان إذا توفر فيه هذا الشرطان فإنه لا يخف ولا يحزن حينها؛ لا يخف ولا يحزن لا من أعداء الله عز وجل من شياطين الجن، ولا من أعداء الله عز وجل من شياطين الإنس، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؛ إن كيد الشيطان كان ضعيفًا عند هؤلاء الصف من الناس، عند هؤلاء من الناس من أهل هذا الصنف ممن جمعوا بين اللجوء والافتقار والتوكل على الله، وبين العلم النافع المحقق بالبراهين والحجج الإلهية. قال: «والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين». قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾. قوله: «والعامي»؛ أي من ليس من أهل العلم ولا من طلابه؛ هكذا يراد بالعامي إذا أطلق: من لم يكن منشغلًا بالعلم، لا أنه من أهله، ولا أنه من طلابه، ولا أنه كذلك من طلابه. فالعامي هذا المراد به، ويدخل في العامي من كان مثقفًا بالثقافة الإسلامية، ولو لم يكن طالب علم، ولكنه عنده ثقافة إسلامية، عنده نوع من الإطلاع ومعرفة إجمالية لأمور دينه؛ هذا يقال فيه: عامي ماذا؟ مثقف. عامي مثقف. لا يقال أنه طالب علم، ولا يقال فيه بأنه ماذا؟ فضلًا عن أن يقال فيه بأنه عالم. هذا عامي مثقف، وهو المراد هاهنا بكلام الشيخ رحمه الله تعالى. فالعامي الذي عنده ثقافة إجمالية في دين الله عز وجل، مع فطرته السليمة، مع فطرته السليمة: فطرة التوحيد التي لم تتلوث بلوث الشرك والقبورية؛ قال: «فإن العامي أو قال: والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين». يغلبهم أولًا لأنه صاحب فطرة سليمة، وأولئك أصحاب فطر ملوثة. ثانيًا: يغلبهم لأنه صاحب عقل صحيح، وأولئك أصحاب عقول ملوثة بلوثة الشرك بالله عز وجل. ثالثًا: يغلبهم بثباته على الحق، وبأدنى حجج الله عز وجل من حجج التوحيد؛ يغلب هؤلاء، يغلب هؤلاء. فمراد الشيخ - والله أعلم - في هذه الفقرة في هذا المقام هو هذا. يدل على هذا ما سيأتي. قال: «فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان». فجند الله عز وجل، وهم أهل التوحيد الذين ينصرون الله عز وجل وينصرون رسوله وينصرون دين الله عز وجل؛ تارة بالحجة واللسان؛ أي بإقامة الحجج والبراهين على خصمائهم من أعداء الإسلام ومن أعداء دين الله رب العالمين. تارة بالحجة واللسان يقومون عليهم الحجج والبراهين الإلهية، ويكشفون شبههم، ويبينون للناس ما على ما حال هؤلاء وما هم عليه من الدين الباطل الزائف. فتارة بالحجة التي هو البرهان، واللسان وهو البيان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان أيضًا عند القتال والمقارعة بالسيوف والمقارعة كذلك بالسنان؛ حينها كذلك ينتصر حزب الله عز وجل وجند الله عز وجل إذا حققوا شروط النصر، إذا حققوا شروط النصر، ولم يأتوا بموانع أو بمانع من موانع النصر؛ فإنهم هم الغالبون تحقيقًا لوعد الله عز وجل بقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾. فجند الله عز وجل هم الغالبون. والله عز وجل أضافهم إلى نفسه، وهذه من إضافة التشريف والتكريم لهؤلاء. وإن جندنا؛ فالله عز وجل أضاف الجند إليه من باب التشريف؛ ولأنهم ناصرون لله عز وجل وناصرون لرسوله وناصرون لدينه؛ فهم أهل الله عز وجل وخاصته. هؤلاء هم من أهل الله عز وجل ومن خاصة الله عز وجل، وهم ممن شرفهم الله عز وجل وأكرمهم بهذا التكريم. وإن جندنا لهم الغالبون؛ فهم غالبون بالحجة والبيان؛ فهم يقارعون من خالفهم بالحجة والبيان، فيضحضون شبههم ويزيفون باطلهم. كما أنهم يغلبون من خالفهم في المعارف وفي القتال، وهم غالبون بإذن الله عز وجل إذا حققوا شروط النصر، وبعدوا عن موانع النصر. قال رحمه الله تعالى: «وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح واضح». هذا يا جماعة؛ نحن ذكرنا فيما سبق قول الشيخ: «والعامي الموحدين الذي يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين». ثم يقول الشيخ: «وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح». على الموحد من هو الموحد في هذه الحالة الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح؟ العالم؟ طالب العلم؟ من بقي؟ العامي؟ فكيف العامي يستطيع أن يغلب ألفًا؟ ثم يقول الشيخ رحمه الله تعالى: ها هنا «وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح واضح». هذا يا جماعة؛ الجواب عن هذا أن مراد الشيخ رحمه الله تعالى: «وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح»؛ أي أن الإنسان إذا لم يكن معه من العلم لم يكن معه من العلم ما يتحصن به؛ إلى جانب المعنى الأول الذي ذكر وهو الاعتصام واللجوء إلى الله عز وجل. فإن الطريق طويل، الطريق إلى الله عز وجل طويل، وأيضًا فيه ما فيه من المنهيات، وفيه ما فيه من الفتن، وفيه ما فيه من الشبهات؛ فإنه والأمر كذلك لا يؤمن على هذا الموحد الذي لم يتسلح بسلاح العلم والتوحيد أن لا يواصل في الطريق؛ بل ربما تتخطفه الشبهات. واضح هذا يا جماعة. فقول الشيخ: «وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح»؛ هذا يخشى عليه أن لا يواصل الطريق، وإن كان فطرته سليمة، وإن كان على عقيدة سليمة؛ ولكن الطريق مشوب بالفتن، ولكن الطريق مشوب بالمكاره، ولكن الطريق مشوب بالشبهات. وكما قيل: الشبهات خطافة، والقلوب ضعيفة؛ الشبهات خطافة والقلوب ضعيفة؛ فتحتاج إلى يقين، وتحتاج إلى علم؛ تحتاج إلى يقين وتحتاج إلى ماذا؟ إلى علم؛ كي يبتعد عن هذه الشبهات وعن هذه الشهوات، ويثبته الله عز وجل على الحق حتى يلقاه. واضح هذا يا جماعة. أمنا فهذا حال من كان هذا حاله؟ عامي إذا غالب، وإذا قارع المشركين وعنده مجرد ثقافة إجمالية؛ ربما يصله الله عز وجل على العدد الكبير من المخالفين بفطرته وبما عنده من الأدلة العامة: الله واحد، كيف تعبدون غيره؟ كيف تذبحون لغيره؟ كيف تفعلون لغيره؟ ما عنده حجج، لكن عنده ماذا؟ كما يقال: ثقافة عامة. وقد رأينا فيما رأينا بأعيننا في أيام الصغر: جاء بعض كبار مشائخ صوفية في مسجد من المساجد، وجعل يتكلم ويتكلم؛ فدخل عليه عامي - عامي رجل - أبن طلون عليه، وحالق اللحية، وحالق أيضًا الشارب، إلى غير ذلك؛ حالق الشارب أيضًا. فبدأ يناقش ذلك الشيخ من مشائخ صوفية نحو عشر دقائق، فإذا الصوفي لا يتكلم بكلمة، والرجل هو المتكلم، والرجل هو الذي يتكلم، وهو الذي يقيم الحجة والبرهان على بطلان قول ذلك الصوفي. فهذا، هذا مثال يحقق ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى: أن العامي الذي عنده ثقافة ثقافة عامة في أمور التوحيد؛ ربما غلب كبار أولئك المتصوفة والقبورية، ومن كان على شاكلتهم. ولكن هذا الصنف أيضًا يخشى عليه من طول الطريق؛ يخشى عليه ماذا؟ من طول الطريق. بل لابد له من ماذا؟ من تسلح؛ تسلح بماذا؟ بكثرة الافتقار واللجوء إلى الله عز وجل والتوكل عليه، وتسلح بالعلم النافع، ومعرفة الحجج، ومعرفة البراهين، ومعرفة ما عليه الخصوم؛ لأجل أن يقارع الحجة بالحجة. وهذه سنة النبوية؛ نبينا صلى الله عليه وسلم حينما أرسل معاذًا إلى اليمن، ماذا قال له؟ «قال: فإنك تأتي قومًا أهل كتاب؛ أي فلتأخذ ماذا؟ فلتأخذ حذرك، ولتتأهب لمقارعة الحجج والبراهين التي سيذكرونها لك؛ فليكن عندك استعداد لتلك الشبه، ولتلك الأمور التي سيذكرونها لك؛ لأجل أن تقرع الحجة بالحجة، ولأجل أن يظهر دين الله عز وجل واضحًا جليًا».