الدرس في شرح كشف الشبهات 26، ألقاها
يشرح المقطع شبهة المشركين ورد الشيخ عليها بأن النقاش يدور حول الشرك وعبادة الأوثان. هذه الشبهة عاطفية ولا تؤثر في حقيقة الشرك.
من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء فهو كافر، سواء في أمر العقيدة أو أحكام الشريعة الظاهرة. هذا الحكم يشمل من آمن ببعض القرآن وكفر ببعضه الآخر.
من كفر بشيء من أمور الدين المعلومة بالضرورة فهو كافر، حتى لو كان يؤدي العبادات. أهل السنة والجماعة لا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله.
المقطع يحتوي على عبارات من الدعاء والتسبيح مثل "سبحانك اللهم وبحمدك" و"أشهد أن لا إله إلا أنت". يُنهي بالتأكيد على الاستغفار والتوجه بالتوبة إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر أن مشركي العرب أهوى شركًا من مشركي زمانه، قال: إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم. قد يقول قائل: كيف الشيخ رحمه الله تعالى عندما ابتدأ الشبه المفصلة ذكر ثلاثة شبه، ثم قال: وهذه الشبه المذكورة هي أعظم شبه هؤلاء وأكبر شبه هؤلاء؟ فكيف الآن رحمه الله تعالى يقول: إن هذه الشبهة المذكورة هنا من أشد شبه القوم؟ الجواب أن هذا يحمل على أمرين أو على أحد أمرين: إما أن يقال إن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر الشبه الأول وقال: هي أكبر، بصيغة مبالغة، فهي أعظمها مطلقًا، وذكر هذه الشبهة أنها من أعظم الشبه كذلك، فهي داخلة في هذا المعنى ضمنًا. والجواب الآخر، وهو لعله الأقرب لكلام الشيخ رحمه الله تعالى، أن هذه الشبهة أعظم شبهة لا باعتبار شبهة وباعتبار الحجة المذكورة، ولكن باعتبار أنها ممزوجة بعاطفة، أي أكبر شبهة عاطفية. أما الأول فأعظم شبهة من حيث الحجة. واضح هذا. فقول الشيخ: "أعظم" في الأول، أي أكبر شبهة باعتبار احتجاجهم عليها، وقد تبين أن حججهم زائفة باطلة عند التحقيق. وها هنا انتقلوا إلى شبهة عاطفية يستجلبون بها عواطف الناس. قال رحمه الله تعالى: فاعلم أن لهؤلاء شبهة يردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فاصغي سمعك لجوابها. أي فانتبه وتفطن لجواب هذه الشبهة. وقبل معرفة الجواب، ينبغي معرفة معنى الشبهة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. الشيخ رحمه الله تعالى يقول: فاصغي سمعك لجوابها، قال: وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ هذا جماعًا شبهة عاطفية. هل هناك فرق مؤثر من حيث المسألة التي هي وقوع في شرك وعدمه؟ الجواب: لا. ونقاشنا معهم على ما يفعلونه من الشرك بالله عز وجل، على اتخاذ الوسائط وعلى اتخاذ شفعاء بينهم وبين الله عز وجل يتقربون إليهم ويعبدونهم. قال رحمه الله تعالى: فالجواب: لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء فإنه كافر لم يدخل في الإسلام. واضح هذا. قال: يا قائل، أصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدقه بخبره أن الملائكة حق، أما الجنة والنار حق، لا أصدقه. أي حكم هذا الرجل؟ كافر. يأتي رجل آخر يقول: لا، أنا أصدقه بأن الجنة والنار حق، ولكن لا أصدقه بأن البعث حق. سيقول: كافر. هل هناك فرق مؤثر بين هؤلاء وهؤلاء؟ الجميع تشملهم الكفر. لذا قال الشيخ: لا خلاف بين العلماء أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء فإنه كافر. وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد ببعضه، كفر. مثل أن يقول: أنا آمن بسورة البقرة أنها من القرآن، وجميع القرآن إلا سورة يوسف فليس من القرآن. هذا يكون كافرًا بالله عز وجل. قال: من أقر بالتوحيد، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، واقر بأن الله وحده لا شريك له، وجحد وجوب الزكاة، قال: لا أزكي والزكاة ليست بواجبة علي. هذا حكم كافر إجماعًا؛ لأنه جحد شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة. قال رحمه الله تعالى: وكذلك إذا أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، هذا كله يلزم منه أن يكون كافرًا بالله العظيم. ولما لم ينقد أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج، أنزل الله في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. هذه الآية فيها أن من كفر الحج يكون كافرًا. قال رحمه الله تعالى: ومن أقر بهذا كله وجحد البعث، وجحد البعث كفر بالإجماع. وحل دمه وماله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًا، فهذه الشبهة وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا، أي من القبورية ممن أورد شبهًا على الشيخ رحمه الله تعالى. حاصل الشبهة وخلاصة الشبهة أن المشركين قالوا: كيف تجعلوننا مثل المشركين الأول بل وأشد من المشركين الأول، ونحن نؤمن بكذا وكذا وكذا، والمشركون لا يؤمنون بكذا وكذا وكذا؟ الجواب عن شبهة مختصرًا: أن من آمن بشيء وكفر بشيء فهو كافر. واضح هذا. من آمن بشيء وكفر بشيء آخر فقد كفر. دليلكم هذه الآية: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. أهل السنة والجماعة لا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله. هؤلاء من كفرهم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ويقال أيضًا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء وجحد وجوب الصلاة فهو كافر، حلال الدم والمال بالإجماع. فكذلك الأمر في حقهم. كما أن من ترك الصلاة جاحدًا لها يكون كافرًا، وإن كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإن كان يصوم وإن كان يزكي وإن كان يفعل من أعمال البر ما يفعل، ما دام أنه جحد شيئًا من الأمور المعلومة بالدين ضرورة فإنه يكون كافرًا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج. فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور؟ كفر. سبحان الله ما أعجب هذا الجهل الذي وصل إليه أولئك، كيف يقولون: من لم يقر بالصوم أو لم يقر بالحج أنه كافر، وهو يقول بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم ويزكي، لكنه جحد الحج مثلًا، بأنه يكون كافرًا إجماعًا. وإذا جحد التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بل جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ، فَاعْبُدُونِ﴾، يقولون: من جحد التوحيد لا يؤثر. سبحان الله ما أعجب هذا الجهل. إذ أنهم يشركون بالله عز وجل، يصرفون العبادات لغير الله عز وجل، ولا يقولون: إن هذا يؤثر في إيمانهم؛ لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فإذا فعلوا الشرك مع قولهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى غير ذلك، هذا لا يؤثر. وإذا قالوا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا، وأنكروا البعث أو أنكروا وجوب الحج، كفروا. كيف يجحدون الحج، وإذا فعلوا الشرك الذي هو جحد ونقض لأصل أساس دعوة الرسل، قالوا: هذا لا يضر؛ لأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. أليس هذا يكون سببًا للعجب؟ فَعَجِبَ الشيخ رحمه الله تعالى من هذا المعنى. وإلى هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.