الدرس في شرح كشف الشبهات 27، ألقاها
يشرح الشيخ كيف أن من آمن ببعض وكفر ببعض يكون كافرًا مستدلًا بقتال الصحابة لبني حنيفة. كما يوضح أن رفع شخص إلى مرتبة النبوة أو الألوهية كفر.
يذكر الشيخ أمثلة على طوائف كفرت بسبب اعتقاداتها الباطلة مثل من ادعوا الإلهية وبنو عبيد القداح الذين خالفوا الشريعة. يبين أن كفرهم يعود إلى صرف العبادة لغير الله وتأويلهم الباطني للدين.
يناقش الشيخ مفهوم المرتد ونواقض الإسلام، ويبين أن الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لا تنفع من أتى بنواقض الإسلام مستدلًا بآيات وأحاديث نبوية.
يُنصح الشيخ بالتأمل في جواب الدعاء لما فيه من نفع كبير، ويذكر دعاء للتوبة والاستغفار.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: ويقال أيضًا: أي تتمة لجواب هذه الشبهة التي هي من أعظم شبههم؛ لأنها قد تنطلي على بعض من لا علم عنده ولا معرفة. فالشيخ رحمه الله تعالى أطال النفس في الجواب عنها؛ لأنها كما يقال شبهة تروج عند كثير من الضعفاء، تروج عند كثير من الضعفاء ممن لم يحقق الأمور والمسائل العلمية على ما هي عليه. قال رحمه الله تعالى: ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ، هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويؤذنون ويصلون. فإن قال: طيب، الشيخ رحمه الله تعالى يقول: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ بإجماعهم، وفيهم الخلفاء الأربعة، وفتوى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان خليفة رسول الله ﷺ بعد موت رسول الله ﷺ، وافق على ذلك جميع الصحابة. هؤلاء أجمعوا على قتال بني حنيفة، أجمعوا على قتال بني حنيفة حينما منعوا الزكاة. هذا أمر، وأمر آخر: أن مسيلمة ادعى النبوة، وأن مسيلمة ادعى النبوة مع أنهم أسلموا مع رسول الله، هم ممن أسلم في زمن رسول الله ﷺ، وقالوا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكذلك أتوا بفرائض الإسلام وشرائع الإسلام. ولكن بعد موت رسول الله ﷺ حدث منهم ما حدث، أن منعوا الزكاة جحدًا، وكذلك زعموا أن مسيلمة نبي الله. فكان مؤذنهم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن مسيلمة رسول الله أو نبي الله. فهؤلاء أتوا بالشهادتين وعندهم شرائع الإسلام، ولكن ماذا؟ جحدوا بعض ما جاء به النبي ﷺ، فكفروا بذلك إجماعًا، واستحلت دماؤهم وأعراضهم وأموالهم، ووضح هذا جليًا. وقصة هذا الأمر أشهر من أن تذكر، وهذه قصة مشهورة بحروب ردة، كانت هذه الحروب تسمى بحروب الردة في زمن أبي بكر. وهذا الأمر كما سمعتم مجمع عليه بين الصحابة، وهذا الإجماع من الصحابة يدل على ماذا؟ يدل على أن ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من أن من آمن ببعض وكفر ببعض أنه كافر يقاتل، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصوم ويأتي بما يأتي من الفرائض الظاهرة، إلا أنه نقض شيئًا من نواقض الإسلام وأتى بكفر واضح صريح، فإنه يكون ماذا؟ يكون كافرًا بذلك بإجماع هؤلاء الصحابة ومن سار على سيرهم فيما بعد، واضح هذا جليًا. قال الشيخ رحمه الله: فإن قال: إنهم يقولون إن مسيلمة نبي الله، قلنا: هذا هو المطلوب. واضح يا جماعة، يعني الآن يقول الشيخ رحمه الله: لماذا قاتل الصحابة بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويقيمون الصلاة إلى غير ذلك؟ لماذا؟ قال: فإن قال: هذا المشرك إنهم يقولون إن مسيلمة نبي الله، ونحن لا نقول ذلك. واضح الأمر أم لا؟ قال الشيخ: قلنا: هذا هو المطلوب، ما هو المطلوب؟ المطلوب أن من آمن ببعض وكفر ببعض فإنه يكون ماذا؟ يكون كافرًا بذلك، ولا ينفعه شهادتين، لا تنفعه الشهادتان، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لا ينفعه الصلاة، لا ينفعه ما يفعل من الطاعات، ما دام أنه أتى بشيء ينقض إسلامه، واضح هذا أم لا؟ لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإن قال: إنهم يقولون إن مسيلمة نبي الله، قلنا: هذا هو المطلوب، أن من آمن ببعض وكفر ببعض يكون ماذا؟ يكون كافرًا، وأنتم كذلك. واضح يا جماعة. قال رحمه الله: إذا كان من رفع رجلًا إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابيًا أو نبيًا إلى رتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. يقول الشيخ رحمه الله: إذا أقررتم أن من رفع رجلًا إلى مرتبة النبوة يكون ماذا؟ يكون كافرًا بالله عز وجل إجماعًا، فكيف بمن رفع رجلًا إلى مرتبة الألوهية؟ فكيف بمن رفع رجلًا إلى مرتبة الألوهية؟ ما حال هذا الرجل؟ كافر كذلك إجماعًا، واضح بلا شك، بل كفر هذا أوضح وأجل من كفر من ادعى النبوة. واضح هذا الأمر، مع أن الكل ماذا؟ كافر، الكل كافر، ولكن كفر من زعم أن مع الله أو من رفع شخصًا إلى مرتبة الألوهية أشد كفرًا ممن رفع رجلًا إلى مرتبة النبوة، مع أن الكل ماذا؟ الكل كافر، واضح هذا يا جماعة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْظَمَ شَأْنَهُ﴾، أي: ينزه الله عز وجل ويقدسه سبحانه وتعالى عن إفك المفترين وعن شرك المشركين. وقال الشيخ رحمه الله تعالى: فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف -هذا كما ذكر بعض أهل العلم- هؤلاء أسماء رجال، هؤلاء أسماء رجال قد عبدوا في زمن الشيخ رحمه الله تعالى، كانت لهم قباب يعبدونها ويتقربون إليها، فهم من الصالحين زعموا. قال: أو صحابيًا أو نبيًا، من رفع نبيًا -بل من رفع رسول الله ﷺ وهو خير الأنبياء إلى رتبة الإلهية فقد كفر- فما بالك بمن يرفع غير رسول الله ﷺ إلى هذه المنزلة؟ واضح هذا جليًا. لذا كما تقرر وتكرر أن من معتقد أهل السنة والجماعة أنهم لا يصرفون شيئًا من العبادة لأحد سوى الله عز وجل، ولو كان ملكًا مقربًا، ولو كان نبيًا مرسلًا، فضلًا عن غيرهم. فمن كفر، كيف بمن يصرف العبادة إلى مثل هؤلاء؟ وكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: أن كثيرًا ممن عبد من أصحاب القباب كان فاسقًا سافرًا، بل بعضهم كافرًا كابن عربي، وهم يعلمون ويحكون فجوره، ومع هذا يعبدونه ويقولون: إن تلك الفجرات أنها من الكرامات. ذلك الفجور الذي صدر منه أنه من الكرامات، سبحانك هذا بهتان عظيم. قال رحمه الله تعالى: ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي -هذا أيضًا برهان آخر-. ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف -اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف-، ما هو الاعتقاد؟ كما مر معنا تكرارًا: التأله والتعبد، واضح لا، التأله والتعبد لغير الله عز وجل. قال: ولكن اعتقدوا في علي -أي: اعتقدوا أن له- عقيدة، عقيدة ومعنى عقيدة: أن له تألهًا، يستحق التأله، يستحق التعبد. قال: مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما. فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أتظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر أو يكفر؟ واضحة يا جماعة، تاج أيضًا هذا من القباب التي كانت في زمن الشيخ رحمه الله تعالى. فقول الشيخ رحمه الله تعالى: وأيضًا الذين حرقهم علي -هؤلاء طائفة في زمن علي- أظهروا الإسلام، ومنهم من كان مسلمًا، فدخل فيهم رجل يهودي يقال له: عبد الله بن سبأ، دخل فيهم وجعل يومًا بعد يوم يحببهم بعلي، يحببهم بعلي رضي الله عنه وأرضاه، ويذكر لهم فضائل علي وما شابه ذلك، حتى أحب الناس عليًا، فما زال يرفع عليًا فوق منزلته ويفضله على غيره من الصحابة، ثم رفعه ورقاه إلى رتبة النبوة وإلى رتبة الإلهية فيما بعد. قالوا: وزعم أن عليًا -زعم أن عليًا رضي الله عنه وأرضاه رب وإله يعبد- أن عليًا رضي الله عنه وأرضاه إله ورب يعبد. فلما رأى علي رضي الله عنه وأرضاه هذا الأمر أجمع أمره على قتل هؤلاء، فحفر لهم الأخاديد وأذا لهم النيران، وأمرهم بالتوبة وإما أن يلقوا في النار -إما أن يتوبوا من هذه الكلمات ويرجع إلى التوحيد وإما أن يلقوا إلى النار-، فأصروا على كفرهم، فأحرقهم علي رضي الله عنه وأرضاه. والصحابة مجمعون على قتلهم، الصحابة مجمعون على قتلهم، ولكن اختلفوا في طريقة القتل. فقال ابن عباس: لو أنه ضربهم -لو أنك ضربتهم بالسيف- لو أنك ضربتهم بالسيف ولم تحرقهم؛ فإن النبي ﷺ يقول: «لا يُحْرَقُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ»، لا يُحْرَقُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ. ومن العجب العجاب في شأن هؤلاء وفي حال هؤلاء: أنه لما كان أحدهم يلقى في النار يقولون: زدنا يقينًا إلا أنك رب العالمين؛ لأنه لا يحرق بالنار إلا رب النار، لأنه لا يحرق بالنار إلا ماذا؟ إلا رب النار. مفتونين يا جماعة، يلقون في النار ويقول: زدنا إلا إيش؟ يقينا أنك ماذا؟ أنك ربنا وإلهنا. فالحاصل: أن هؤلاء ماذا؟ كفروا، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بماذا؟ بكفرهم؛ لأنهم زعموا أن عليًا إله يستحق العبادة مع الله عز وجل. فكيف بحال هؤلاء الذين يقولون: إن العيد روس يستحق العبادة، أو يقولون: إن سيدة زيرب تستحق العبادة، أو يقولون: فلان أو فلان ممن يقولون بأنهم أولياء؛ لأنهم يستحقون ماذا؟ يستحقون العبادة مع الله عز وجل. ألا يكفرون؟ الجواب ماذا؟ الجواب واضح: أن هؤلاء كفار والعياذ بالله؛ لأنهم صرفوا العبادة لغير الله عز وجل. قال رحمه الله: ويقال أيضًا: بنو عبيد -بنو عبيد القداح- الذين ملكوا المغرب ومصر في زمن بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. هؤلاء فرقة من الباطنية -هؤلاء فرقة من الباطنية الإسماعيلية- يلقبون تارة بالعبيديين وتارة بالإسماعيلية وتارة بالفاطمية. وهؤلاء باطنية، وهؤلاء باطنية. وكفرهم كما يقول شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: أشد من كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم يجعلون لكل تنزيل -لكل تنزيل- لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا. فهؤلاء كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: يقول: كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، يدعون دعوة الإسلام. قالوا: يصلون الجمعة والجماعة. فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين. هذا أيضًا تقرير لما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى: أن هؤلاء كانوا أول أمرهم يظهرون الإسلام، ثم ظهر منهم ما ظهر من الأمور المخالفة لأصل الإسلام ولأصل دين الله عز وجل، فكفرهم من كفرهم في زمانهم من العلماء، وحكموا على أن بلدهم بلد كفر ودار حرب، فقاتلهم المسلمون واستنقذوا ما بأيديهم من البلاد، والحمد لله. والشاهد من هذا: أنه ماذا؟ أنهم كفروا، وإن كانوا يزعمون أنه لا إله إلا الله، وإن كانوا يصلون، وإن كانوا يفعلون -ما دام أنهم أتوا بناقض من نواقض الإسلام- فإنهم كفروا بذلك الناقض. قال: ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي يذكره العلماء في كل مذهب؟ باب حكم المرتد، وهو: المسلم يكفر بعد إسلامه، ثم ذكر أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفر ويحل دمه، ويحل ماله، ويحل دمه. حتى إنهم يقولون: أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو يذكرها على وجه المزاح على وجه المزح واللعب. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: وأيضًا -أي من الأجوبة- إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك. يقول: إذا كنتم تقولون: إن المشركين الأول لم يكفروا لأنهم اتخذوا وسائط بينهم وبين الله عز وجل يدعونهم ويجأون إليهم ويعبدونهم -إذا كنتم تقولون هذا- أنهم لم يكفروا بسبب هذا، بل كفروا لأمور أخرى، ما هي الأمور الأخرى؟ لإنكار من البعث؛ لأنهم لم يقروا كذلك بالشهادتين؛ لأنهم كذلك فعلوا وفعلوا من الأمور والمخالفات لأجل هذه المعاني كفروا. أما اتخاذ الوصائط لوحدها فإنهم لم يكفروا بذلك. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: فما معنى الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب؟ باب حكم المرتد، إذا كنتم تقولون: إن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وصام وصلى، أنه لا يكفر -إذا كنتم تقولون: إن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وصام وصلى وأقام الأمور الظاهرة، وإن أتى بما أتى من النواقض أنه لا يكفر- لماذا؟ لأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأنه يقر بشرائع الإسلام. يقول الشيخ: فما هذا الباب الذي يذكره العلماء رحمهم الله تعالى؟ فيه جميع كتب الفقه في مسألة باب حكم هذا المرتد، من هو المرتد؟ المرتد: هو الذي كفر بعد ماذا؟ بعد إسلامه. فدل هذا على ماذا؟ دل هذا على أن من الناس من يكفر بعد إسلامه -بعد أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم إلى غير ذلك- يكفر بعد إسلامه، لماذا؟ بأن يأتي بشيء من نواقض ماذا؟ من نواقض الإسلام. إذن: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا تنفعه أبدًا إذا جاء بما ينقضها. وهذا هو المطلوب، وهذا هو المطلوب: من أن الشهادتين لا تنفع من أتى بماذا؟ بمن أتى أو لمن أتى بما ينقضها من أصلها ورأسها. قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو يذكرها على وجه المزح واللعب -على وجه المزح واللعب- رجل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، مصلي من المصلين، بل قد يكون في الصفوف الأولى، بل قد يكون إمامًا في مسجده، ويزكي ويصوم ويحج البيت إلى غير ذلك، إلا أنه ربما نطق بلسانه وقال كلمة بلسانه على سبيل ماذا؟ على سبيل المزح، فيكون كافرًا بسببها، يكون مرتدًا بسببها. كلمة واحدة وهو يقر من شهادتين، وهو يفعل الطاعات، كلمة واحدة توبق عليه ماذا؟ دنياه وأخرى. وكما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا فَتَهْوِي بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، كلمة يتكلم بها من سخط الله، كلمة واحدة فتهوي به في نار جهنم سبعين خريفًا. وفي بعض الألفاظ: ما بين المشرق والمغرب، فتهوي به في النار ما بين المشرق والمغرب، كلمة واحدة. قال أبو هريرة: في بعض الروايات قال: كلمة واحدة أوبقت عليه دنياه وأخرى، أوبقت عليه دنياه وأخرى، كلمة واحدة. رجل مصلي مؤمن، وتأمل حديث ذلك الرجل من بني إسرائيل الذي كان على طاعة، وكان على صلاح، وكان صاحبه أخوه على معاصي، وكان يعظه في كل مرة: يا فلان اتق الله، يا فلان دع المعاصي، ويقول: دعني وشأني؛ فإن لي ربًا يغفر الذنوب -أو كما قال- حتى رآه يومًا مغترفًا لمعصية من المعاصي، فقال له ماذا؟ قال: والله لا يغفر الله لك أبدًا، كلمة واحدة: والله لا يغفر الله لك أبدًا. فقال الله عز وجل: أين المتألي علي؟ فإني غفرت له، وماذا؟ وسخط عليه -أو كما قال- ﷺ. وكما قال الله عز وجل في الحديث: وضح هذا جليًا. أملاء كلمة واحدة: والله لا يغفر الله لك أبدًا، وهو من أهل الطاعة والصلاح، من آمر بالمعروف نهي عن المنكر، بل قال في هذا الباب: أمرًا بالمعروف، نهي عن المنكر. فلما يأثق له هذه الكلمة أوبقت عليه ماذا؟ دنياه وأخرى، أوبقت عليه دنياه وأخرى. فكيف في مثل هذا من يأتي بالشرك الصريح؟ يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو لا إله إلا الله، وهو يطوف بالقبر، وهو يذبح للقبر، وهو ينذر ويستغيث ويخشع ويتضرع ويتوكل ويعلق قلبه عز وجل بذلك القبر. هذا أشد شركًا والعياذ بالله، وأشد بعدًا من الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: ﴿يُحَرِّفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالَواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾، أثبت الله عز وجل لهم إسلامًا، وأثبت لهم أنهم كفروا بعد إسلام بماذا؟ بكلمة. واضح يا جماعة. قال الله: ﴿يُحَرِّفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالَواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾، ففي الآية صراحة في ماذا؟ في أن من الناس من يكفر بكلمة بعد ماذا؟ بعد إسلامه. قال: أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ، ويجاهدون معه، ويصلون معه، ويزكون، ويحجون، ويوحدون. وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، بعد ماذا؟ بعد إيمانكم. ووضح هذا يا جماعة. قال: هؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، قالوها على وجه ماذا؟ المزح. كما مر معنا: ميران أنهم قالوا ماذا؟ ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء على رسول الله ﷺ وأصحابه -ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء- أرغب بطونا -أو قالوا: أشبع بطونا- وأجبن عند ماذا؟ وأجبن عند اللقاء. قالوا على سبيل ماذا؟ على سبيل المزح. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، لا تعتذروا، انتهى الأمر، انتهى الأمر، قد كفرتم ماذا؟ بعد إيمانكم. قال الشيخ: فتأمل هذه الشبهة -وهي قوله: تكفرون من- وهي قوله: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون. ثم تأمل جوابًا؛ فإنه من أنفع ما فيه؛ فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. «إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».