شرح كتاب الطهارة  1

شرح كتاب الطهارة 1

الدرس في شرح كتاب الطهارة 1، الدرس الأول (كتاب الطهارة ... وهي في الاصطلاح ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تعريف الطهارة وأقسامها

يشرح الدرس معنى الطهارة لغة واصطلاحًا، ويقسمها إلى ثلاثة أقسام: طهارة من الأعيان النجسة، وطهارة من الأعمال الخبيثة، وطهارة من الأعمار المانعة. يُبين أن الطهارة تشمل الجانب الحسي والمعنوي.

تفصيل معاني الطهارة وأنواعها

يتناول الدرس شرح معاني الطهارة المختلفة، حيث قسمها إلى طهارة معنوية وحسية. الطهارة الحسية تنقسم إلى طهارة من الحدث وطهارة من الخبث، مع توضيح واجبات الصلاة وأدلتها من القرآن والسنة.

الطهارة من الحدث وكيفية إزالتها

يناقش الدرس الطهارة من الحدث بأنواعها، وهي الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ويوضح كيفية إزالة الحدث بالوضوء أو الاغتسال أو التيمم، مع التركيز على تعريف الفقهاء لها.

ختام الدرس وتوجيهات للدرس القادم

تم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإشارة إلى أن باقي الموضوع سيتم تناوله في درس لاحق وتوجيه الشكر للسامعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنبتدئ في هذه الليلة، ليلة الاثنين، الحادي عشر من شهر صفر لعام 1429 للهجرة، القراءة في هذا الكتاب لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، رحمة واسعة، وجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين. في هذا الكتاب الذي سماه بكتاب الطهارة، وهو مطبوع ضمن مجموعة الشيخ، رحمه الله تعالى، مجموعة مؤلفات الشيخ في المجلد الثالث منه. قال رحمه الله تعالى: كتاب الطهارة. قوله رحمه الله: كتاب الطهارة، يبتدأ العلماء كتب الفقه غالبًا بكتاب الطهارة، وذلك لأن الطهارة شرط من شروط الصلاة. فلما كانت الصلاة هي الركن الأول بعد الشهادتين من الأركان العملية، كان أول الفقه هو الابتداء بمعرفة أحكامها. ولما كانت الطهارة من شروط هذه الصلاة التي أمرنا بالاعتناء بها، كما في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام المشهور العظيم الذي رواه الإمام مسلم من حديث ابن عمر عن أبيه، بل جاء في الصحيحين من حديث ابن هريرة، وهكذا كذلك حديث ابن عمر الآخر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة»، وغيره من الأحاديث. لما كانت الصلاة هي من أعظم مباني الدين بعد الشهادتين، وكانت الطهارة من شروطها وأول شروطها، ابتدأ العلماء كتب الفقه بكتاب الطهارة؛ لأنها كما قلنا شرط من شروطها. وهذه المناسبة للابتداء بكتاب الطهارة في كتب الفقه، كحديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». فإذن الطهارة شرط من شروط الصلاة، وهذه المناسبة في البدء بها في كتب الفقه. وقوله رحمه الله تعالى: كتاب الطهارة، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الطهارة. فالكتاب لغة هنا بمعنى مكتوب، وهذا كثير في اللغة أن «فعال» يأتي بمعنى «مفعول»، مثل «فراش» بمعنى «مفروش»، و«كساء» بمعنى «مكسو»، وهكذا. والكتاب في اللغة مأخوذ من معنى الجمع، تقول: «كتب فلان الرسالة»، أي جمع مباحث الرسالة. ومسمى الكتاب لغة ما خط على القرطاس لحفظه، وهو باستعمال أهل العلم، مجموعة متشابهة من العلم، محتوية على أبواب وفصول. ثم قال رحمه الله تعالى: الطهارة. فقال رحمه الله: الطهارة تارة تكون من الأعيان النجسة، وتارة تكون من الأعمال الخبيثة، وتارة من الأعمار المانعة. والصواب باللام، قالها من الأول. قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد الأقوال. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾. ومن الثالث قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾. بين رحمه الله تعالى في هذا الموضع أقسام الطهارة ليبين معنى الطهارة. ومعنى الطهارة في اللغة هو التنقية، وهو معنى قريب من معنى التنظيف. إلا أن الأصل والقاعدة عند أهل العربية أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فكما أن معنى الطهارة أي تركيب كلمة الطهارة: الطاء والهاء والراء، ليس كتركيب معنى النظافة. وهكذا كذلك الإزالة، فكذلك المعنى مختلف، لكنه معنى مقارب منه. فبين رحمه الله أن الطهارة ثلاثة أنواع: طهارة من الأعيان النجسة، وطهارة من الأعمال الخبيثة، وطهارة من الأعمال المانعة. يريد رحمه الله تعالى بهذا التقسيم أن يبين لنا أولًا أن مدلول الطهارة ينقسم إلى قسمين: وهو معنى حسي وآخر معنوي. أما المعنوي فهو الذي يذكر في كتب العقائد والرقائق، وهو قوله: «وتارة من الأعمال الخبيثة»، كالشرك والنفاق والكفر والبدعة والكبائر والصغائر وغيرها من المخالفات الشرعية. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿إنما المشركون نجس﴾. ومثل له هنا بقوله: ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾، أي يطهركم تطهيرًا معنويًا. فالمراد بالرجس هو الأعمال الخبيثة من كفر وشرك ونفاق وبدعة وكبيرة وصغيرة وغير ذلك من الأعمال الخبيثة التي تنافي الإيمان والإسلام. وهذا هو قوله رحمه الله: «وتارة أي يراد بالطهارة الطهارة من الأعمال الخبيثة»، كما مثل. وفي هذه الآية تزكية لأهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، والمراد بهم أهل بيته الذين نزل فيهم القرآن، والذين ذكرهم نبينا عليه الصلاة والسلام، لا من انتسب إلى نسبه ولم يعمل بعمله عليه الصلاة والسلام. فهذا ليس له حظ ولا نصيب في هذه التزكية. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يسرع به عمله لم ينفعه نسبه. قال رحمه الله: فمن الأول قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد الأقوال. ومعنى قوله: فمن الأول، أي من معاني الطهارة التي هي طهارة من الأعيان النجسة. ﴿وثيابك فطهر﴾ يعني فيه الأمر بالطهارة الحسية، وهي الطهارة من النجس. ومراده رحمه الله أن يبين أن الطهارة الحسية تنقسم إلى قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من الخبث. فأما الطهارة من الخبث فهي الطهارة من النجاسات عن الجسد وعن المكان الذي يصلي فيه المصلي. ويستدل العلماء أو جمهور العلماء بهذه الآية: ﴿وثيابك فطهر﴾؛ لأنه فسر في أحد معاني تفسيرها أي: طهر ثيابك من النجاسات. ولهذا قال رحمه الله تعالى: في أحد الأقوال. وبهذه اللفتة من المؤلف رحمه الله تعالى تدرك أولًا غزارة علم هذا الإمام وسعة اطلاعه وإلمامه واستحضاره رحمه الله تعالى لمباحث العلوم. فقلنا هذا يدل على جلالة هذا الشيخ والإمام وسعة علمه وغزارته واطلاعه وإلمامه بالعلوم. وهكذا كذلك على تحقيقه رحمه الله تعالى وإنصافه في العلم. وهكذا حال الراسخين في العلم، فرسوخهم مع صدقهم يعطيهم التحقيق والتدقيق في المسائل العلمية، حتى في التعبير بالألفاظ. فإنه رحمه الله لو قال: وثيابك فطهر وسكت، لأجزأه ذلك. فهذا قول جمهور أهل العلم. لكن لأن هذا ليس على طريقته في تحقيقه وتدقيقه وأمانته رحمه الله، قال رحمه الله: على أحد الأقوال، يشير إلى أن قولًا آخر فسرت به الآية، وأن المراد بها الطهارة المعنوية، ليس الطهارة الحسية. وكل المعنيين لا يمنعه عموم اللفظ، كلا المعنيين لا يمنعه عموم اللفظ. فعموم اللفظ يصلح لهذا وهذا، كما يقول علماء التفسير وأصوله وقواعده: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا من النوع الأول الذي هو الطهارة من الخبث، وهو أحد نوعي الطهارة الحسية، هذه الآية، وهو طهارة الثياب من النجاسات. ومنه كذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحقق من طهوره». وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء، يعني سطلًا، فأهريق عليه، يعني صب فوق الموضع الذي بال فيه هذا الأعرابي؛ لجهله بأنه لا يجوز فعل ذلك في المسجد. فأفاد هذا أن طهارة المكان من واجبات الصلاة. والمؤلف رحمه الله يلمح إلى هذا؛ لأن هذا من مقدمات ما ينبغي العلم به. وهل طهارة الثياب والمكان شرط من شروط الصلاة أو واجب من واجباتها؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والقول الصحيح والله تعالى أعلم، وهو قول عدد من المحققين من أهل العلم: أنه واجب من واجبات الصلاة. ولا يعني ذلك أنه يجوز تركه، لا بل من تركه عامدًا وأهمله بطلت صلاته؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها. لكن من فعله ناسيًا أو جاهلًا أو مخطئًا، أي صلى في مكان نجس أو صلى بثوب نجس جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا، فهو معذور وصلاته صحيحة على القول الصحيح. ويدل عليه قصة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بنعلين عليهما أذى، فلما أخبره جبريل عليه الصلاة والسلام خلعهما. فلو كانت طهارة الثياب والنعال منها على القول الصحيح من شروط الصلاة، لما كان يكفي أن يخلعهما، بل لا بد أن يعيد الصلاة من جديد؛ لأن الشرط ما لا يتم الشيء إلا به، وهو يتقدم الشيء. علمنا مما سبق أنه رحمه الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع أو ثلاثة معاني من معاني الطهارة، وقلنا أنها تتمحور في قسمين: القسم الأول الطهارة المعنوية، وهي التي سماها رحمه الله بالطهارة من الأعمال الخبيثة. والقسم الثاني الطهارة الحسية، وهي على نوعين: النوع الأول الذي سماه الطهارة من الأعيان النجسة، وهي الطهارة من الخبث. والنوع الثاني وهو الذي جعله في الثالث، وهي الطهارة من الأعمال المانعة. وعندنا خطأ مكتوب: الأعمار، وصوابه: الأعمال. وهذا هو المقصود من هذا الدرس، وهو المسمى بالطهارة من الحدث، سواء كان حدثًا أكبر أو حدثًا أصغر. فقال رحمه الله: ومن الثالث قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾. وليس معناه حصر هذا النوع الثالث في الحدث الأكبر، لا. فالطهارة من الحدث تشمل الحدث الأكبر، وهو الأمر بالجنابة. والمراد بالجنابة هو حصول معنى الحدث الأكبر. والحدث الأكبر في الشرع له أسباب، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. من أسبابه: إنزال الرجل أو المرأة المني بشهوة، ولا فرق بين المرأة والرجل. والثاني هو الإيلاج، أي حصول الجماع بتغييب الحشفة في الفرج. والثالث هو نزول دم الحيض أو النفاس للمرأة، وسيأتي تفصيله إن شاء الله في موضعه. والحدث الأصغر هو حصول ناقض من نواقض الوضوء، وهو في الشرع له أسباب كثيرة، من أهمها: خروج الغائط أو البول أو الريح، وسواء أو ضراط، ونحو ذلك مما سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. وهذا هو الطهارة من الحدث، وهو الذي عرفه رحمه الله بقوله: وهو في الاصطلاح، أي في اصطلاح الفقهاء، تعريف الطهارة: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث. عرفه رحمه الله كما عرفه غير واحد من الفقهاء قبله، وهذا مشهور عند الحنابلة. أي التعريف في اصطلاح الفقهاء أنه ارتفاع الحدث. وعلمنا معنى الحدث أن يشمل الحدث الأصغر والأكبر. ومعنى ارتفاعه أي زواله وإزالة هذا الحدث. نعم، في إشكال. وزوال هذا الحدث، سواء كان أصغر أو أكبر، يكون بالطهارة. وهذه الطهارة في الشرع إما بالوضوء، كما سيأتي وصفه وذكره، أو بالاغتسال، كما سيأتي وصفه وذكره إن شاء الله في موضعه، أو ما يقوم مقامهما، وهو التيمم. فقوله: ارتفاع الحدث، أي الطهارة إزالة هذا الحدث. بماذا يزول؟ يزول بما سمعنا. وقوله رحمه الله: وما في معناه؛ لأنه أحيانًا ليس هناك شيء نعلمه يزول، ولكنه أمر تعبدي، أمرنا به شرعًا، نقوم فيه بمعنى الطهارة. فهو بمعنى تلك الطهارة، أي الحدث الأكبر والأصغر بالنسبة لمن وجدت فيه. ولكنه في الحقيقة يختلف. فلهذا قال العلماء: أو ما في معناه. مثل الميت الذي يطهر، فإنه يغسل. وقبل الغسل يوضأ ويغسل، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. هذا الآن ليس هو عين التطهر الذي يقوم به الحي، لكنه في معه في معنى. لأن الميت لن يصلي، لكن سيصلى عليه. ولهذا قيل: أو ما في معناه. كذلك المرأة الحائض أو النفساء التي تتوضأ وتتطهر لأجل الإحرام في الحج، كما في قصة أسماء بنت عميس حين نفست في ذي الحليفة، سألت النبي عليه الصلاة والسلام ماذا تصنع؟ أمرها أن تغتسل. وهذا الاغتسال سنة للمحرم، ولو كانت المحرمة نفساء. مع أنها ما تستفيد ما يستفيده من يغتسل ويتوضأ ممن يريد الصلاة، فإنه يكتسب طهارة. لكن هي ما اكتسبت الطهارة. ولهذا قيل: أو ما في معناه، يعني في معنى التطهر، وليس معنى هذا أن الميت نجس، لا. بل صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «أن المؤمن لا ينجس»، أي ولو كان ميتًا على القول الصحيح. وأما قوله: وزوال الخبث، فمراده رحمه الله أي أن الطهارة ليس فقط في رفع الحدث وما في معناه كما تقدم، بل كذلك بإزالة النجاسة عن الثوب والبدن والمكان. ومن ذلك الاستنجاء، فهو من أحكام الطهارة. ولهذا يذكر له فصل خاص في كتاب الطهارة، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. وبعضهم عرف الطهارة بتعريف آخر، وقال: هو أحسن. فقال: الطهارة هو التعبد لله باستعمال الماء في جميع البدن أو بعض الأعضاء على صفة مخصوصة شرعًا، أو ما ينوبه. ومعنى التعبد لله هو أن هذه الأفعال تفعل على وجه التعبد، وضوء أو غسل، ليخرج ما إذا كان فعل على وجه العادة. وجميع البدن المراد به الغسل، أو بعض الأعضاء المراد به الوضوء. وبصفة مخصوصة يعني صفة الوضوء مخصوصة معروفة، وهكذا الغسل. وقوله: أو ما ينوبه، المراد ما ينوبه، أي التيمم ينوب الوضوء وينوب الغسل، إذا فقد الماء. والتراب فيصلي على هيئته، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. والباقي نتركه إن شاء الله إلى درس لاحق. وإلى هنا، وجزاكم الله خيرًا.