البيان في شرح حديث ماذئبان جائعان

الخطبة بعنوان البيان في شرح حديث ماذئبان جائعان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 13 محرم 1446هـ الموافق 19 يوليو 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

خطر الحرص على المال والجاه على الدين

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشبه حرص المرء على المال والشرف بذئبين جائعين يفسدان الغنم، مبيناً أن هذا الحرص أشد إفساداً للدين. ويقسم الحرص على المال إلى نوعين، محذراً من إضاعة الطاعات والانشغال بالدنيا عن الآخرة، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.

تحذير من الشح وجمع المال الحرام وطلب المناصب

يحذر الخطيب من الشح وجمع المال من طرق محرمة، مبيناً أن المال لا ينفع إلا ما صُرف في طاعة أو حاجة، وأن الشح مهلك للأمم. كما ينهى عن الحرص على الإمارة والمناصب، مستدلاً بأحاديث نبوية تفيد أن طلبها سبب للندامة وحرمان رفعة الآخرة.

خطر طلب الإمارة والرياء في العلم والعمل الصالح

يحذر المقطع من طلب المناصب والإمارة لكونها فتنة ومسؤولية عظيمة، ومن طلب العلم أو العمل الصالح لغير وجه الله كالسمعة والجاه، مستدلاً بأحاديث النبوي في الثلاثة الذين تسعر بهم النار أولًا بسبب نياتهم الفاسدة، ويختم بنصيحة الإمام الشاطبي بخطورة حب التصدر على الصالحين.

دعاء للمستضعفين في فلسطين ونصرة للمظلومين

يتضمن المقطع دعاءً لله أن يرحم المستضعفين في فلسطين من نساء وأطفال ومرضى، وأن يجعل لهم فرجاً ومخرجاً، وأن ينزل السكينة عليهم. كما يدعو الله بأن ينزل بأسه على اليهود المجرمين الذين لا يعجزونه، ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وغيرهما من حديث كعب بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». هذا الحديث يا عباد الله حديثٌ عظيمٌ جليل، اعتنى العلماء بشرحه بل وأفردوه بالشرح والتأليف، فقد ألف الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى رسالةً لطيفة في شرح هذا الحديث سماها «ذم المال والجاه». ومعنى هذا الحديث عباد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما ذئبان جائعان»، أي: ليس ذئبان جائعان. والذئب يا عباد الله معلومٌ لدينا بأنه من أشد السباع إفسادًا وفتكًا بالفريسة، ولا يكتفي بفريسةٍ واحدة، بل إذا وجد أكثر من فريسة فإنه يفسدها كلها وإن احتاج إلى واحدةٍ منها. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم»، ليس ذئبًا واحدًا، فما ظنُّك إذا انضمَّ مع الذئب ذئبٌ آخر؟ وما ظنُّك إذا كان الذئبان جائعين؟ وما ظنُّك إذا تُرِك هذان الذئبان ولم يمنعهما أحدٌ من الإرسال إلى هذه الأغنام؟ وقوله: «في غنمٍ»، أي: في قطيعٍ من الغنم أو في زريبةٍ من الغنم. فهل تصورت يا عبد الله عظم الإفساد الذي سيُحدثه هذان الذئبان في هذه الزريبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». «لدينه» متعلقٌ بأفسد، أي: معنى الحديث أن إفساد المال والجاه لدين المرء أشد وأخطر من إفساد الذئبين الجائعين الضاريين لزريبة الغنم. فهذا يدلنا يا عباد الله على خطورة الحرص على المال والشرف. واعلموا عباد الله أن الحرص على المال على نوعين اثنين: النوع الأول: شدة محبة المال مع شدة طلبه والحرص على كسبه وتحصيله من وجوهه المباحة، والمبالغة في طلبه وكسبه بالمشقة والجهد، فيضيع الحريص عليهما أوقاته النفيسة ويخاطر بنفسه في أسفاره وهكذا وبركوبه كذلك الأخطار، ثم بعد ذلك يجمع هذا المال ليتركه لغيره. فكم ضيع من أوقات وكم فاته من طاعات وعبادات! ولذلك يا عباد الله فإن الحريص على المال يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له ثالث، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». فهذا أمر قد ذمه الشرع لما فيه من فوات الطاعات والقربات، ومن التزود بالأعمال الصالحات ليوم القيامة حين يرى الإنسان ما قدم في هذه الحياة. وهكذا يا عباد الله فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ألهاكم التكاثر»، أي: أشغلكم التكاثر بالأموال وجمعها والحرص عليها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي مالي»، أي: يفتخر بكثرة ماله وبحرصه على جمعه. ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وهل لك من مالك إلا ما تصدقت به فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت»؟ هذا الذي ينتفع به الجامع للمال في دينه أو في دنياه. هذا المال إما أن يقضي به حوائجه في هذه الدنيا من مطعم ومشرب، أو كذلك يستثمر هذا المال في عمل الصالحات بالتصدق والإنفاق في سبيل الله، فهذا الذي ينفع وهذا الذي يبقى. وأما غير ذلك فإنه يكون يوم القيامة حسابًا ومساءلةً لصاحبه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر من ذلك: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». عباد الله، والنوع الثاني من أنواع الحرص على المال: الحرص على جمع المال من وجوهه المحرمة بالغش والكذب، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل مال اليتيم، وأكل مال الورثة، ونحو ذلك من تلك الطرق والوجوه المحرمة. فهذا الذي أهلك دين العباد. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والشح، فإنما أهلك من كان قبلكم الشح». الشح، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». والشح يا عباد الله هو شدة الحرص على المال مع كسبه من الوجوه المحرمة. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فانظر كيف أضاف الله عز وجل الشح إلى النفس ليدل ذلك على شدة تمكن هذه الخصلة من النفس، وأنها متأصلة متعمقة فيها، فلا ينجو العبد منها إلا بتقوى الله، إلا بمراقبة الله، إلا بالرجاء بما عند الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، وأما المراد بالشرف فهو الجاه والمنزلة والرفعة بين الناس، بأن يتسلط عليهم وأن يسمع لقوله وأن يأمر وينهى. والشرف كذلك على قسمين اثنين، وعلى نوعين اثنين: النوع الأول: طلب الشرف بالرئاسة والولاية، وكذلك الإمارة والمسؤولية. فمن حرص على ذلك فقد أفسد دينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة». هذا الحديث يعد علمًا من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. فانظر اليوم إلى حرص كثير من الناس على الإمارة، على المسؤولية، على الوجاهة، على التسلط على رقاب الناس. ولذلك يا عباد الله، لذلك فإن من يطلب الرئاسة والوجاهة ويحرص عليها فالغالب أنه يحرم خير الآخرة من رفعتها ومن عزتها ومن شرفها. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فمن طلب الرفعة في الدنيا حرمها في الآخرة، فإن رفعة الآخرة لعباد الله المتقين، لعباد الله المؤمنين. وهكذا، وهكذا من طلب وحرص على الإمارة فإنه لا يوفق للقيام بها. أخرج الإمام البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالا: «أمرنا»، أي: اجعلنا أمراء. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنا لا نولي من سأل هذا، ومن حرص عليه». إنا لا نولي من سأل هذا ولا من حرص عليه. وهكذا أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها». فمن طلبها وحرص عليها يوكله الله عز وجل إلى هذه الإمارة، فمن يعينه ومن يوفقه ومن يسدده إذا تخلى الله سبحانه وتعالى عنه؟ وهكذا يا عباد الله، فإن من طلب الإمارة فإنه يفتن بأموالها، وهكذا برفعتها، وهكذا شرفه، من تمكن منها فلربما يكذب حتى لا تزول منه هذه الإمارة، ولربما يأخذ من الأموال العامة ويبددها ويصرفها في غير مصارفها، وكل ذلك مما سيسأل عنه هذا الذي وكل مثل تلك الإمارات. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أقوامًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار، فلهم النار، والعياذ بالله». فاحذر يا عبد الله أن تحرص على هذه الإمارات أو هذه الرئاسات أو هذه الوجاهات، فإنها حسرة وندامة يوم القيامة. وهكذا النوع الثاني من أنواع الشرف: الشرف عن طريق العلم، وعن طريق الأعمال الصالحة والزهد. فإن العبد لربما يطلب ذلك بهذه الوظائف الدينية، والعياذ بالله. أخرج الإمام الترمذي من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، فله النار»، أو قال: «أدخله الله النار». «ليصرف به وجوه الناس إليه»، ليقال: ذو علم، وذو عبادة، وذو إنفاق وجود وكرم، وذو زهد، ونحو ذلك، حتى يرجع إليه، وحتى تكون له المنزلة العليا في أوساط المجتمع. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر من ذلك. وتعلمون عباد الله حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، ما وعدوا بهذا الوعيد الشديد إلا بسبب حرصهم على الشرف، وعلى أن يشار إليهم بالبنان. وهؤلاء الثلاثة: عالم، ومتصدق، ومجاهد. فيؤتى بهم يوم القيامة فيعرفهم الله عز وجل نعمته عليهم فيعرفونها، ثم يقول للعالم: «ماذا عملت بعلمك؟» قال: يا رب، تعلمت فيك العلم وعلمته الناس. فقال الله عز وجل له: «إنما تعلمت العلم ليقال: عالم، وقد قيل». ثم يؤمر به إلى النار، والعياذ بالله. ثم يؤتى بذلك المتصدق الجواد الكريم، فيعرف بهذه النعمة، فيقال: «ماذا عملت بها؟» قال: يا رب، تصدقت فيك وأنفقت في سبيلك. فيقال له: «كذبت، وإنما فعلت ذلك ليقال: جواد، لتكون لك المكان والذكر الحسن بين الناس». ثم يؤمر به، والعياذ بالله، إلى النار. انظروا يا عباد الله إلى خطر طلب الحرص على الوجاهة وعلى الشرف. ثم يؤتى بالمجاهد فيقال له: «ماذا عملت؟» قال: يا رب، جاهدت في سبيلك. فيقال له: «إنما فعلت ذلك ليقال: مجاهد، ما قاتلت من أجل إعلاء كلمة الله، وإنما لتصرف وجوه الناس إليك». ثم يؤمر به، والعياذ بالله، إلى النار. فالحذر الحذر يا عباد الله من هذا الأمر، خصوصًا من أوتي علمًا، ومن أوتي مالًا، ومن أوتي شجاعةً، فليسخر ذلك في مرضات الله، وليخلص عبادته لله سبحانه وتعالى وحده. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى كما في كتابه «الاعتصام»: «آخر الأشياء نزولًا من قلوب الصالحين حب التصدر وحب السلطة والتصدر، آخر الأشياء خروجًا من قلوب الصالحين حب السلطة والتصدر». فاحذر يا عبد الله من هذا المسلك الخطير. فهذا الحديث يا عباد الله، حديث كعب بن مالك، حديث عظيم فيه التحذير الشديد من الحرص على المال وعلى الجاه والشرف. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجعلنا من عباده الصالحين. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم اعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين. اللهم الطف بإخواننا المستضعفين في فلسطين، اللهم ارحم النساء منهم والأطفال والضعفاء منهم، اللهم اجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، اللهم اجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، اللهم اشف مرضاهم وعاف مبتلاهم، اللهم اشف مرضاهم وعاف مبتلاهم، وأنزل السكينة عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم عليك باليهود المجرمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.