التفكر والنظر في نعمة المطر

الخطبة بعنوان التفكر والنظر في نعمة المطر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 ذو القعدة 1445هـ الموافق 17 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التفكر في آية المطر والماء ودعوة الشكر وإفراد الله بالعبادة

تستعرض الخطبة آيات الله الكونية في نزول المطر وإحياء الأرض، وتأمر بالتفكر في هذه النعم كما أمر القرآن. تبين أن الماء نعمة عظيمة تستوجب الشكر لله وحده وتقرير توحيده في العبادة مع النهي عن جعل الأنداد له.

التوحيد ونعمة الماء ومثل الحق والباطل

يحث الخطيب على إخلاص العبادة لله وحده وتجنب الشرك مستدلاً بآيات الرزق والماء. يتفكر في نعمة إنزال الماء بقدر وحفظه، ويوضح مثل القرآن للزبد والماء الدال على زوال الباطل وبقاء الحق.

مثل الغيث في إحياء القلوب بالهدى والعلم وسنن نزول المطر

استعرض الخطيب مثل النبي صلى الله عليه وسلم للغيث الذي يصيب أرضاً طيبة وأرضاً تمسك الماء وأرضاً قاحلة، مشبهاً ذلك بقلوب الناس في قبول الهدى. استشهد بآيات سورة الحديد عن إحياء الأرض الميتة بالغيث وإحياء القلوب بذكر الله، وختم بسنن نزول المطر من الدعاء ونسب النعمة لله.

الدعاء عند نزول المطر وتحسين الألباني لأحاديثه

يوضح المقطع أن العلماء اختلفوا في بعض السنن ومنها الدعاء عند نزول المطر، وأن العلامة الألباني حسن مجموع أحاديثه بطرقها فيجوز العمل بها شكراً لله. يختم بالدعاء بطلب الثبات على الشكر والهداية والتقوى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتفكر في آياته، فإن مما يزيد الإيمان ويدل على قدرة وعظمة الرحمن التفكر في آياته، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ألا وإن من آيات الله الكونية، ومن مخلوقاته البديعة الدالة على عظمته وقدرته، نزول المطر من السماء، فقد أمرنا الله عز وجل بالتفكر في هذه الآية وسماها آية من آياته، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن هذه الآية لمن أعظم الآيات التي ينبغي للمسلم ألا يمررها مرور الكرام، بل يتمعن فيما بيّن الله عز وجل من منافعها، ومن كذلك رحمة الله عز وجل عباده بها. ولذلك فإن ربنا سبحانه وتعالى أمرنا بالتفكر في هذه النعمة وفي آثارها وفيما يعود بها علينا من النفع العظيم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. يصرفه الله عز وجل كيف يشاء، فينزل هذا الغيث في هذه البلد دون تلك، وفي هذه الأرض دون غيرها، ولربما تكون الأرضان متجاورتين، آية عظيمة فيها من التفكر ومن النظر ومن التأمل. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾. إذا قدم لك الطعام، أمرك ربك عز وجل أن تنظر إلى هذا الطعام نظرة تفكر وتأمل: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. كل ذلك كي تتمتعوا بخيراتي وتمراتي. هذه النعمة، ألا فلنشكر الله عز وجل عليها كما أمرنا الله عز وجل بذلك في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾. إذا رفعت الكأس تريد أن تشرب، أمرك الله عز وجل أن تتمعن وأنت تتفكر في هذا الماء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. لو شاء ربنا عز وجل الذي خلق هذا الماء وأوجده من العدم أن يجعله ملحا أجاجا لا يستساغ شربه، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعل لنا هذا الماء عذبا فراتا نتلذذ بشربه: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. فهذه الآيات يا عباد الله تدعونا إلى أن نشكر الله عز وجل، وأن نقيم على طاعته، وأن نحذر معصيته، وأن نعبده وحده سبحانه وتعالى، فإن ربنا عز وجل كثيرا ما يستدل بهذه الآية على تقرير إفراده وحده بالعبودية، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. لا تجعلوا لله شركا، لا تتعلقوا بغير الله عز وجل، لا تدعوا غير الله سبحانه وتعالى، ولا تستغيثون به، فالذي يرزق هو الذي يستحق العبادة. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. فهذه الآية تدعون جميعا عباد الله إلى أن نتوجه إليه بالعبادة والإنابة والتوبة والطاعة، وأن نحذر من غضبه وسخطه ومعصيته. أيها المسلمون، عباد الله، وإن مما ينبغي أن يتأمل في هذه الآية العظيمة أن الله عز وجل أنزلها وجعل لها في الأرض خزاء تمسك هذا الماء، فلا يذهب هذرا ولا يغور في الأرض، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾، من يأتيكم بماء تشربون منه وتشربون بهائمكم منه. فهذه نعمة عظيمة يا عباد الله ينبغي أن نعرف قدرها وأن نكثر من شكر الله عليها. وهكذا مما ينبغي أن يتفكر في هذه الآية أن الله عز وجل ينزل هذه النعمة بقدر، ينزلها قطرات قطرات، لا ينزلها دفعة واحدة، فإن الله سبحانه وتعالى قد عذب أمما وأهلك أقواما بهذه المطر عندما أنزلها عليهم دفعة واحدة، ولكن الله عز وجل رحيم بعباده المؤمنين، لطيف بهم، ينزل عليهم هذه النعمة بحسب حاجتهم إليها بقدر، كما سمعت في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾. وهكذا يجعل الينابيع تنبع من هذه الأرض، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ذكرى لنا يا عباد الله، يا أصحاب العقول النيرة المستنيرة، ألا فتفكروا في هذه الآيات العظيمة، فإن الله سبحانه وتعالى دعاكم إلى ذلك. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجعلنا من عباده المتفكرين في مخلوقاته، المنتفعين بآياته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول ما سمعتم، واستغفر الله. الحمد لله وحده، الصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ولقد ضرب الله عز وجل لنا أمثالا في كتابه الكريم، أمرنا أن نتفكر فيها وأن نأخذ منها العلم وأن نعقلها، فالله عز وجل يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. فمن هذه الأمثال التي ضربها في القرآن، والتي لك أن تشاهدها هذه الأيام مع نزول هذه الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى، قوله عز وجل: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. هذا مثل عظيم ضربه الله عز وجل يبين لنا سرعة تلاشي الباطل وبقاء، وكذلك بقاء الحق ودوامه في هذه الأرض. فضرب مثلا عظيما في هذه الآية بماء نزل من السماء فسال في الأودية، فكل واد بقدره، منها الصغير ومنها الكبير، ثم إن هذا الماء علا عليه الرغوة والغثاء، فلما سال هذا الماء انتفعت الأرض بالماء العذب الزلال، وأما الزبد فإنه لا قيمة له ولا ينتفع به. وهكذا ضرب مثلا آخر في هذه الآية بما يكون من صهر الحديد وصهر المعادن حتى يخرج منها ما ليس منها من الصدى ومن الخبث، فيذهب هذا الصدى والخبث ولا ينتفع به، ويأخذ الناس تلك المعادن بعد صهرها وتنقيتها وتصفيتها. فشبه الله عز وجل الباطل في هذه الآية بالغثاء والزبد وبالصدى والخبث الذي يخرج من المعادن، وشبه الحق بالماء العذب الزلال الذي ينتفع به، وبالمعادن النقية الصافية التي لا غبار فيها ولا كذلك صدأ فيها. وهذا دليل يا عباد الله على أن الباطل مهما ارتفع في وقت من الأوقات أو ظهر في زمن من الأزمان، فسرعان ما يتلاشى وسرعان ما يذهب وينقضي، ولا يبقى إلا الحق: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. فلا تحزن أخي المسلم إن رأيت شوكة أو رأيت ارتفاعا للباطل، فسرعان ما يتلاشى ويضمحل بإذن الله سبحانه وتعالى. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضرب مثلا بهذا الغيث الذي ينزله الله سبحانه وتعالى من السماء، فنتفكر ونتمعن فيه ونأخذ منه العبرة والفائدة، وهو ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، ومنها طائفة أجادب قبلت الماء فانتفع الناس به فشربوا وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله فانتفع بما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي جئت به». هذا مثل عظيم يا عباد الله ضربه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الغيث الذي نراه في هذه الأيام، فإن نزوله على الأرض يكون على ثلاثة أقسام: أرض طيبة، أرض زراعية تقبل هذا الماء، فسرعان ما تنبت الكلأ والعشب الكثير الذي ينتفع منه الناس؛ وطائفة أخرى هي أقل منها نفعا، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء لكنها لا تنبت، فإذا أمسكت الماء جاء الناس وانتفعوا بهذا الماء بنزحه وشربه وسقي أراضيهم؛ وأما الأرض الثالثة فهي الأرض القاحلة الصبخة التي لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، فيغور فيها الماء ولا ينتفع بها أحد من الناس. وهكذا قلوب العباد يا عباد الله، كما أن الأرض تحيا بالغيث، فهكذا هذه القلوب تحيا بالعلم، وتحيا بالهدى الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه اللفتة قد جاءت في كتاب الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ثم قال سبحانه وتعالى بعد هذه الآية: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أي كما أن الأرض الميتة تحيا بهذا الغيث، فكذلك هذه القلوب تحيا بهذا العلم، تحيا بذكر الله، تحيا بالقرآن، تحيا بمجالس العلم، تحيا بطلب العلم النافع. فهذه أمثلة عظيمة ينبغي أن نتذكرها في مثل هذه المناسبة. وهكذا عباد الله، ختاما، ومن تمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة، نذكر بعض السنن، سنن نزول القطر من السماء، على وجه الاختصار: فمنها أولا: أن ندعو الله عز وجل أن يجعل هذا الغيث غيثا نافعا، وهذا ما جاء في حديث عائشة في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا نزل الغيث قال: «اللهم صيبا نافعا»، أي اللهم اجعله مطرا نافعا. وكما سمعت أن من المطر لربما يكون عقوبة لمن نزل عليهم، كما أخبرنا الله عز وجل في كتابه، فأنت تدعو أن يكون هذا المطر مطر رحمة ومطر بركة ومطر نفع، بهذا الدعاء النبوي. بل جاء في بعض الروايات أنه كان يقول: «رحمة، رحمة»، أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي اجعله رحمة. وهكذا من سنن نزول القطر من السماء إذا نزل: أن تحسر عن ثوبك وأن تمس من هذا الماء، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: «أصابنا مطر، فحسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثوبه وأصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله، لما فعلت ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنه حديث عهد بربه، إنه حديث عهد بربه»، أي أنه ما اختلط به شيء مما في الأرض، إنما هو مطر جديد حديث نزل من السماء، فأراد أن يمس هذا الماء عليه الصلاة والسلام. وهكذا من سنن نزول المطر إذا اشتد المطر وصار منها الضرر: فيدعو المسلم أن يصرفها الله عز وجل عنه، كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في حديث الأعرابي الذي جاءه يوم الجمعة ثم استمر المطر، فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». هكذا تدعو أن تذهب المطر إلى أطراف البلاد. وهكذا عباد الله، من سنن المطر إذا انقضى وانتهى هذا المطر: أن تقول: «مطرنا بفضل الله وبرحمته»، تنسب هذه النعمة إلى الله عز وجل، كما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني في مسلم رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ومن قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب». وهكذا عباد الله، هناك بعض السنن الأخرى التي اختلف العلماء فيها على حسب صحة الأحاديث، ومنها الدعاء عند نزول المطر، فقد حسن العلامة الألباني مجموع هذه الأحاديث بمجموع طرقها، فلا بأس أن يعمل بها اعتمادا على تحسين العلامة الألباني عليه رحمة الله لها. هذا من تمام شكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمة، وأن يعيننا على شكرها. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم إننا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.