الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحور أهمية الفهم الصحيح لشهادة "لا إله إلا الله" باعتبارها توحيد العبادة لا مجرد توحيد الربوبية أو الحاكمية، مستدلاً بآية الإسراء لبيان شرك الدعاء وآية التوبة لبيان شرك الطاعة. يؤكد أن مجرد النطق بالشهادة دون إفراد الله بالعبادة لا يحقق التوحيد المطلوب.
يبين المحور أن طاعة العلماء أو الرهبان في معصية الله تُعد شرك طاعة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّمُشْرِكُونَ ﴾، ويفسر الشهادة بالنفي والإثبات والبراءة كما فعل إبراهيم. يذكر القسمين الأولين من أقسام المحبة: محبة الله وحده وهي توحيد، ومحبة غيره كحبه وهي شرك.
يقرر المحور أن مجرد النطق بالشهادتين أو معرفة معناها لا يكفي لحفظ الدم والمال، بل لا بد من الكفر بما يعبد من دون الله والبراءة من المشركين وأعمالهم مستدلاً بآيات إبراهيم وقومه. يوضح أن الإسلام الحق هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد بالطاعة والبراءة من الشرك والبدع وأهلهما.
يعلن المحور الانتهاء من الباب الحالي المتعلق بتفسير التوحيد وشروطه، ويشير إلى الانتقال في الدروس القادمة إلى الأبواب التالية في الكتاب. يختم بالتأكيد على علم الله بالغيب والمآل.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قول شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي ذكر المسائل عند باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. وتقدم معنا أن المراد بالمسائل: الشرح، وكذلك الخلاصة لما أراده المؤلف رحمه الله تعالى. قال فيه: "أكبر المسائل وأهمها وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة"، وبيّنها بأمور واضحة. وقوله: "أكبر المسائل وأهمها"؛ لأن كثيراً من أهل زمانه، بل ومن أهل هذا الزمان، فهموا تفسير "لا إله إلا الله" تفسيراً خاطئاً، فظلوا في هذا الباب، باب توحيد الألوهية. فبعضهم يفسر "لا إله إلا الله" أي: لا خالق إلا الله، وبعضهم يفسرها أي: لا صانع إلا الله، وهكذا. لربما في هذا الزمان من بعض الخوارج فسر "لا إله إلا الله" أي: لا حاكم إلا الله. وهذه التفاسير ليست هي تفسير "لا إله إلا الله"، فالخلق والصنع إنما هو من توحيد الربوبية، والحاكمية إنما هي شيء من توحيد الألوهية، يعني أن يحكم العباد بما شرع الله فهو من أفعالهم، فهو داخل تحت توحيد الألوهية، وليس هو كل الألوهية، وليس هو كل الألوهية. فظل الطوائف في تفسير "لا إله إلا الله"، فأراد المؤلف من هذا الباب أن يبين التفسير الصحيح لـ "لا إله إلا الله"، وكل هذه التفاسير التي جاءت في الأدلة التي أوردها في هذا الباب تصب في توحيد العبادة وإفراده سبحانه وتعالى بها. وسيأتي معنا في هذه المسائل التنبيه على هذه المعاني التي فسرها أو فسر بها المؤلف معنى "لا إله إلا الله". قال: منها آية الإسراء، وآية الإسراء قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ [الإسراء: 57]. ففيه آية الإسراء بيّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين. من أي وجه الرد؟ الرد أن هؤلاء الصالحين الذين تدعونهم هم يدعون الله ويتضرعون إلى الله، فهم بحاجة إلى الله عز وجل، وليس أحد من الخلق بحاجة إليهم. فهذا فيه إفراد الله عز وجل بالدعاء الذي هو من أهم أنواع العبادات، الدعاء هو العبادة. ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾، تقدم معنا تفسيرها، وأن معناها: هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله يدعون الله. ﴿ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ أي: يتقربون إلى الله، يتقربون إلى الله بالرغبة والرهبة، ولذلك قال: ﴿ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾. فكيف أنتم تدعونهم من دون الله وتتوسلون بهم، وكذلك تطلبون منهم، وهم يتقربون إلى الله وهم كذلك يدعون الله سبحانه وتعالى؟ فمن تفسير التوحيد كما في هذه الآية: فيه بيان أن هذا هو الشرك الأكبر، أي دعاء غير الله سبحانه وتعالى، فهذا الشرك في الدعاء. فمن قال "لا إله إلا الله" ودعا غير الله فلم يحقق "لا إله إلا الله" وإن قالها بلسانه. قال: ومنها آية براءة، والمراد بآية براءة قوله سبحانه وتعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 31]. قال فيها: أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبينا أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً. مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم. وهذا ما يسمى بماذا؟ بشرك الطاعة. أي أن الله عز وجل في هذه الآية جعل هؤلاء اتخذوا أرباباً من دون الله، ومعنى "أرباباً من دون الله" يعني: عبدوا غير الله، عبدوا غير الله. والأنداد هم النظراء، وكذلك الكفو ونحو ذلك، فهذا ند. ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]. فهؤلاء: هل دعوا غير الله؟ هل سجدوا لغير الله؟ لا، وإنما لماذا حكم الله عز وجل عليهم بأنهم اتخذوا من دون الله أنداداً، وأنهم أشركوا بالله عز وجل؟ لأنهم أطاعوا العلماء والأمراء، أو أطاعوا الرهبان العباد في معصية الله سبحانه وتعالى. فمن تفسير "لا إله إلا الله": ألا يطاع إلا الله سبحانه وتعالى فيما أمر وفيما نهى، فيؤتى بالأمر ويجتنب النهي، ويجتنب النهي. فمن أطاع غير الله، فاتبع علماء السوء وأطاعهم في معصية الله، فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى، على تفصيل في الحكم عليهم بحسب تلك الطاعة، بحسب تلك الطاعة. وهذا ما يسمى بشرك الطاعة، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّمُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 121]، ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّمُشْرِكُونَ ﴾. فهذا ما يسمى بشرك الطاعة. قال: ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ [الزخرف: 26-27]. فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: 28]. نعم، ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. فإذا من تفسير "لا إله إلا الله": البراء من الشرك وأهله، ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾. فيكون معنى "لا إله إلا الله": النفي والإثبات، نفي جميع ما يعبد من دون الله، وإثبات العبادة لله عز وجل. هذا من تفسير "لا إله إلا الله"، وهي الكلمة المراد بها ها هنا، ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً ﴾ قال: ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 167]. ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام. وهذا فيه رد على من يقول: هؤلاء عباد القبور يحبون الله، ولذلك يصلون ويزكون، وكذلك يتعبدون، يصومون ونحو ذلك، فهم يحبون الله. ونقول: لكن أحبوا غير الله في عبادتهم لهؤلاء الصالحين، أحبوهم من دون الله محبة ليست محبة لله وفي الله كما مر معنا، بل هي محبة شركية، فأعطوا هؤلاء الصالحين من خصائص الإله سبحانه وتعالى، فدعوهم من دون الله واستغاثوا بهم، وذبحوا لهم وعظموهم وتذللوا بين أيديهم ونحو ذلك. فهذا أيضاً مما يدل على شركهم. فالمحبة لله عز وجل يجب أن تكون خالصة له وحده سبحانه وتعالى. فقال هنا: ﴿ كَمَا يُحِبُّ اللَّهَ ﴾ [البقرة: 165]، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ كما تقدم معنا في قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 165]. يساوونهم بمحبة الله، فهم يحبون الله، ونفس هذه المحبة يساوون بها محبة الأنداد من الأولياء أو الصالحين أو نحو ذلك. فهنا ساووا هؤلاء الصالحين في المحبة، أي في محبة الله عز وجل. فكيف بمن أحب غير الله أكثر من محبته لله؟ هذا لاشك أنه أعظم شركاً من الأول الذي ساوى محبته بمحبة الصالحين بمحبة الله عز وجل. هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ كيف بمن لم يحب إلا الند وحده، يعني ما عنده محبة لله، بل عنده محبة لهذا الند فقط، وليس في قلبه أدنى محبة لله عز وجل؟ فهذا لاشك أنه أعظم، وكذلك أكبر شركاً. قال: "ولم يحب الله". قال الشيخ العثيمين ملخصاً لما تقدم من هذه الفائدة: قال: "فالأقسام أربعة: الأول: أن يحب الله حباً أشد من غيره، وهذا هو التوحيد، أنك تحب الله عز وجل وحده ولا تشرك مع الله عز وجل في المحبة أحداً، أي محبة العبادة والطاعة. الثاني: أن يحب غير الله كمحبة الله، وهذا شرك، وهو ما ورد في الآية المتقدمة. الثالث: أن يحب غير الله أشد حباً من الله، وهذا أعظم مما قبله؛ لأنه أحب الند أكبر وأكثر من محبته لله. الرابع: أن يحب غير الله وليس في قلبه محبة الله تعالى، وهذا أعظم وأطم، وهذا أعظم وأطم". قال: قال ومنها من هذه المسائل: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حُرِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ». قال: وهذا من أعظم ما يبين معنى "لا إله إلا الله"، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً، أو عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. هذه مسألة دقيقة، ربما يقع فيها حتى بعض من يزعم أنه من أهل التوحيد. ما معنى كلامه هذا؟ يعني: أنت موحد لله، "لا إله إلا الله" عندك، لا معبود بحق إلا الله، فترى أنه لا يجوز أن يعبد غير الله، لا يدعى غير الله، وتعتقد هذه العقيدة السليمة، لكن ما عندك الولاء والبراء لمن خالف هذه الكلمة ووقع فيما يناقضها. ما عندك ولاء وبراء، فتقول: "لا تنكرون على هؤلاء، اتركوهم"، أو مثلاً تحضر معهم وتواد أهل الشرك، ولا تنكر عليهم، ولا تدعو بدعوة التوحيد. فهذا لا ينفعك هذا التوحيد الذي لربما تعتقده في قلبك، لكن لم تتبرأ من أهله، لم تتبرأ من أهله. هذا معنى قول المؤلف ها هنا. نعم، وهذا من أعظم ما يبين معه الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال. أنت تقول "لا إله إلا الله" لكنك ما تتبرأ من أهل الكفر والشرك، هذا لا ينفعك هذا التلفظ. بل ولا معرفة معناها مع لفظها، يعني: أنت تعلم أن معنى "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله، أنت ما تدعو القبور ولا تستغيث بها، ما عندك هذه العقيدة، عندك عقيدة صحيحة، لكنك لم تتبرأ، ما ينفعك هذه المعرفة ما تنفعك. بل ولا الإقرار بذلك، تقر بمعناها ولكن لم تتبرأ من أهلها، فهذا أيضاً لا ينفعك. ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، تقول: "أنا ما أدعو غير الله، ما أدعو غير الله، وأنا أعتبر هذا شرك"، لكن لم تنكر على أهله، ولم تتبرأ من أهله، ولم تدعُ إلى هذا التوحيد وتحذر من ضده وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى. فهذه الكلمة لا تنفعك، وهذا الاعتقاد لا ينفعك. ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾، أي: من هذه الآلهة ومنكم أيضاً من عبادها، كما جاء صريحاً في قول إبراهيم: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾، وقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم: ﴿ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ [الممتحنة: 4]. يعني: تبرؤوا من المشركين، وتبرؤوا من آلهة المشركين التي كانوا يعبدونها. وبهذا يتم إيمان العبد ويكمل توحيده، مع اعتقاده بمعنى هذه الكلمة، أن يتبرأ من الشرك وأهله. وهذا هو الإسلام: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة أو الخلوص والبراءة من الشرك والبدع وأهلهما. هذا هو الإسلام الحق، والذي جاء صريحاً في هذا الحديث. قال: «فَإِنْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ لَمْ يُحَرَّمْ مَالُهُ وَدَمُهُ». ومعنى أنه ماذا؟ أنه غير مؤمن، كافر. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضح، وحجة ما أقطعها للمنازع! يتكلم عن واقع أهل زمان، وهم ينكرون على الشيخ: كيف ينكر عليهم وكيف يتبرأ منهم، وهم يقولون "لا إله إلا الله"؟ وربما بعضهم يقول: "أنا ما أعتقد في هذه الأشياء التي يعملونها"، لكن يصحح ما هم عليه بسكوته وعدم الإنكار عليهم، وعدم كذلك التبرؤ من فعلهم. فهذا أيضاً مما يفسر به التوحيد. وبهذا نكون قد أتممنا هذا الباب، وفي الدروس القادمة إن شاء الله ندخل إلى الأبواب التي تلي. إلى هنا، والله تعالى أعلم.