التعليق المبين على حديث مراتب الدين

المحاضرة بعنوان التعليق المبين على حديث مراتب الدين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأربعاء 8 ذو القعدة 1443هـ الموافق 8 يونيو 2022م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

افتتاح صحيح مسلم بحديث القدر ولقاء عبد الله بن عمر

يستهل الشيخ الدرس بذكر أن الإمام مسلم افتتح صحيحه بحديث عظيم عن القدر، حيث روى أن أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني. فخرج رجلان حاجّان يبحثان عن صحابي ليسألاه عن المنكرين للقدر، فوفقا لعبد الله بن عمر في المسجد فسألاه عن قولهم "لا قدر"، مشيراً إلى وجوب الرجوع إلى أهل العلم كما أمر الله.

خطر نشر البدع ووجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة وأهل العلم

يبيّن المقطع أن سبب الفوضى والفتن هو ترك الرجوع إلى القرآن والسنة والعلماء الراسخين، مستشهداً بظهور بدعة القدر في البصرة وكيف تصدى لها الصحابة والتابعون. ويؤكد أن علم الله سابق لكل شيء وأن منكر القدر يكفر إن جحد.

حديث جبريل وبيان ركن الشهادتين وآداب مجالس العلم

يسرد الشيخ حديث ابن عمر في البراءة من القدرية، ثم يستعرض حديث جبريل عليه السلام حين جاء للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل غريب ليسأله عن الإسلام. ويوضح آداب الجلوس في مجالس العلم، مبيناً أن الشهادتين ركن واحد لأنهما لا تقبلان إلا معاً.

إقامة الصلاة الصحيحة لا مجرد أدائها

تؤكد النصوص الشرعية الأمر بـ «إقامة الصلاة» لا مجرد «الصلاة»، مما يعني العناية بأركانها وواجباتها وهيئاتها كما علمها النبي ﷺ. ويوضح حديث المسيء في صلاته (خلاد بن رافع) أن الصلاة الصحيحة هي التي تُؤدى على هدي النبي ﷺ بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، حديثنا في هذه الليلة حول حديث عظيم من أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث قد جمع قواعد عظيمة وفوائد جليلة، حديث اجتمل على جوانب كثيرة وعظيمة من هذا الدين. وقد استفتح الإمام مسلم رحمه الله تعالى صحيحه بهذا الحديث بعد المقدمة، فبعد أن أورد تلكم المقدمة النافعة العظيمة، بدأ الصحيح بكتاب الإيمان، وبدأ بهذا الحديث العظيم، فقال رحمه الله تعالى: قال: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثنا وكيع، عن همام، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر. قال: وحدثنا - وهذا حديثه - عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا همام، عن ابن بريدة، وهو عبد الله، قال: عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني. قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، حاجين أو معتمرين، جاء في بعض الروايات الأخرى أنهما حاجين. قال: فقلنا - فقلنا - لو لقينا، أو لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر. قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخل المسجد. قال: فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. قال: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن - وهذه كنية الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما -. قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم - أي مما يدل على اغترار الناس بهم وإحسان الظن بهم -. قال: وذكر من شأنهم، قال: وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، وأن الأمر أنف. وهذا يا إخوان فيه أهمية الرجوع إلى أهل العلم، فربنا عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بالبينات والزبر. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ما سبب الفوضى يا إخوان؟ ما سبب هذه الثورات وهذه الفتن التي تحصد المئات بل الألوف من البشر؟ ما سبب سفك الدماء ونهب الأموال وانتهاك الأعراض إلا حين انقطع الرجوع إلى الكتاب والسنة؟ وهكذا الرجوع إلى أهل العلم الراسخين في العلم الذين يستنبطونه منهم. لما نطق الرويبضة السفيه يتكلم في أمر العامة، حصلت الفوضى، وهكذا عظمت الفتن، عظمت الفتن. وهكذا فيه أن البدع، وهكذا الفرق ظهرت في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذه بدعة القدر ظهرت وانتشرت في أرض البصرة، والبصرة تعتبر من مدن العراق التي كانت حاضرة من حواضر العالم الإسلامي، كان فيها العلم والعلماء، وكان يرحل إليها المحدثون وغيرهم، مثلها مثل بغداد، وهكذا الكوفة، وهكذا دمشق، وهكذا صنعاء، وهكذا غيرها من البلاد التي كانت يكثر فيها العلم والعلماء. يحيى - أو ماذا - هذان التابعيان انطلقا من البصرة: يحيى بن يعمر، ومعه صاحبه، ألا وهو حميد بن عبد الرحمن الحميري، انطلقا من البصرة إلى مكة، لعلهما أن يجدا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرضان عليه هذا الأمر. فوفق لهما عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو من علماء الصحابة، فعرض عليه هذا الأمر، وظهور هذه البدعة. وهؤلاء القوم الذين يقولون: إنه لا قدر، وأن الأمر أنف، يقولون: إن الله عز وجل لا يعلم بالشيء إلا إذا وقع، إلا إذا وقع. وربنا تبارك وتعالى في آيات كثيرة يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، وربنا عز وجل يقول أيضاً: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». وهكذا في حديث عبادة: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، قَالَ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ يَا رَبُّ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ». الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: «نَاظِرُوا الْقَدَرِيَّةَ بِالْعِلْمِ، نَاظِرُوا الْقَدَرِيَّةَ بِالْعِلْمِ، فَإِنْ أَقَرُّوا فَإِنْ أَقَرُّوا خَصِمُوا، وَإِنْ جَحَدُوا كَفَرُوا». هكذا كان يقول رحمه الله تعالى. بل حسن بعض أهل العلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ». ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان جوابه عظيماً، قال للسائلين: «فَإِذَا لَقِيتُمْ أُولَئِكَ فَأَخْبِرُوهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَاءَ مِنِّي، أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَاءَ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَيْ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ». ثم قال: «حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ، بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ». لاحظ في هذه الجمل وهذه الكلمات التي تدل على أن هذا الرجل الذي طلع عليهم هو رجل غريب، وأمره عجيب، وأمره عجيب. قال عمر رضي الله تعالى عنه: قال: حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، قيل: على فخذي نفسه، وقيل: على فخذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا يستفاد منه أن المسلم في مجالس العلم وحلق الذكر، عند الاستماع لخطبة الجمعة وغيرها، ينبغي أن يكون جالساً في حالة طيبة، في حالة طيبة، فيعظم هذه المجالس وهذه الحلق، وما يلقى فيها من كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا كان من العلماء السابقين من إذا أراد أن يحدث اغتسل، ومنهم من لبس أحسن الثياب، ومنهم إلى غير ذلك من الحالات التي تدل على تعظيمهم لهذه المجالس وما يلقى فيها من الذكر. قال: ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد. وهذا مما يثير تعجبهم، رجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، لكن الرجل أمره غريب، وكذلك أيضاً حاله عجيب. قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. أخبرني عن الإسلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وهذا يا إخوان ركن واحد، ولماذا كان الشهادتان ركناً واحداً؟ لأنه لا يقبل أحد الشهادتين إلا مع الآخر. «وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ»، والناظر في آيات القرآن وكثير من أحاديث السنة يجد أن الأمر بالصلاة ما قال: صلي، وإنما الأمر بإقامة الصلاة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ليس الشأن كل الشأن أن تصلي فقط، وإنما الشأن كل الشأن أن تصلي صلاة صحيحة، صلاة صحيحة: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، في قصة ذلكم الرجل المسيء في صلاته، خلاد بن رافع، قال له النبي