الدرس في اللقاء الختامي المفتوح، اللقاء الختامي المفتوح في الدورة العلمية العاشرة بدار الحديث بالشحر ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
افتتح المتحدث الجلسة بالترحيب بالشيخ عبيد بن عبد الله الجابري وإلقاء قصيدة في مدح علماء السلف، ثم شرع في شرح كتاب «تنبيه ذوي العقول السليمة» مستهلاً بذكر حقوق الإمام العشر على رعيته وأولها الطاعة والنصيحة والنصرة والتعظيم والإيقاظ عند الغفلة.
استعرض المقطع عشرة حقوق للحاكم على الرعية مستمدة من كلام الأئمة كابن جماعة تشمل النصيحة السرية والذب عنه وإعانته ورد القلوب إليه، محذراً من التشهير بالحكام على المنابر بوصفه منهج خوارج، كما بيّن حقوق الرعية العشر على الإمام كحماية بيضة الإسلام وإقامة الحدود والجهاد، مؤكداً وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية والوقوف معهم ضد البغاة.
أعاد المقطع عرض حقوق الحكام العشرة على الرعية، ووضح المنهج الشرعي الواجب اتباعه عند ظلم الحاكم أو بخسه حقوق الرعية مؤكداً على الصبر والطاعة والدعاء بدلاً من الخروج أو تشكيل الأحزاب، كما أوضح مفهوم النصيحة للولاة وأدلتها من السنة النبوية.
استعرض المقطع أدلة شرعية من السنة النبوية تؤكد وجوب النصيحة للمسلمين عامة ولولاة الأمور خاصة، مبيناً أن النصيحة للحاكم تكون سراً بين الناصح والمنصوح دون إعلان مستدلاً بحديث «من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يبدها علانية»، وناقش شبهات المخالفين ورد عليها بالوقوف عند النصوص الشرعية.
حلل المقطع حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في إنكاره على مروان بن الحكم لتقديمه الخطبة على صلاة العيد مخالفاً للسنة، مبيناً معنى المخاصرة في الرواية وأن الراوي عياض بن عبد الله بن سعد نقل القصة عن أبي سعيد مباشرة، مبرزاً منهج أبي سعيد في النصح: التنبيه على السنة سراً، والصلاة خلف الإمام المخالف، وعدم التشهير به أو الخروج عليه، موافقاً بذلك منهج السلف في إنكار المنكر على الولاة بالحكمة والموعظة الحسنة دون مواجهة علنية.
أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فإن زيارة أهل العلم والفضل نعمة ومنة من الله سبحانه وتعالى، وإن من دواعي الشرف والسرور أن يزورنا شيخنا الفاضل أبا عبد العزيز عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري، عفاه الله تعالى، في هذه الأيام. ولكن، وإن كانت الزيارة قصيرة، إلا أنها ستبقى في النفس باقية، وكما قيل: ما أصعب الفراق! فإنه في هذا اليوم هو آخر يوم هاهنا، ونحن والله نقول: إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا بوداع وفراق شيخنا لمحزونون. ولكن كما قال المتنبي نقول: يا من يعز علينا أن نفارقهم، وجدنا كل شيء بعدكم عدم. إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم، فالراحلون هم. وهذه قصيدة متواضعة سميتها «وميض من البحر المديد في زيارة الشيخ عبيد حفظه الله تعالى»، وهي قصيدة متواضعة أمام عظمة شيخنا حفظه الله تعالى، وفيها أقول: بسم الله الرحمن الرحيم أيها الشعر لا تلذ بالفرار *** أو تحد عن قصائد الأذكار واقتدِ بابن ثابت وبكعب *** هم شعاري وأسيتي ودثاري إن حسانًا في القريض إمام *** بل هو الأصل ليس كالمستعار مدح المصطفى بشعر الرزين *** ثم يبكيه بالدموع الغزار سله مثل شعرة من عجين *** وهجا غيره بدون انتظار فهو برد مع الهدى وسلام *** وهو للحاق للكفور كنار وكذا ابن رواحة ثم كعب *** فهو ما في أشعارهم كالدّرار فله مني المديح تترى *** صحب خير الورى كريم النجار ربّ صلّ عليه ما فاح عطر *** إن ربي بما أقول لدار بعد هذا إليك شعرًا فصيحًا *** معجبًا مطربًا إلى كل قار خذ من الشعر ما تقر به العين *** وما يهتدي به كل سار ليس شعري لمدح قيس وليلى *** أو طلول به النخلع العذار أو صبابات عاشق مستهام *** كل حيل يقول قف بالديار يتغنى بوصفه لخدود *** ونهود ووصفه للعقار إن شعري عن مثل هذا نزيه *** فهو في مدح مسلم والبخاري وهو في مدح مالك والنساء *** وابن حبان من ذوي الاقتدار وهو في مدح ناصر وابن باز *** والعثيمين والشيوخ الكبار وهو في مدح مقبل وربيع *** من أزاح عن نار كام الغبار هم شيوخي وذكرهم في لساني *** كل حين بالليل أو بالنهار وهو أيضًا في مدح ضيف كريم *** عالي القدر فائق الاشتهار وهو شيخنا الشيخ عبيد حفظه الله *** إنه الجابري شيخ عبيد من له نحن هاهنا بانتظار *** فرحة تغمر القلوب ابتهاجا حين تم استقباله في المطار *** وأتانا من المدينة يدعو للكتاب والاكتفاء الآثار أيها الشيخ مرحبا بك أهلا *** والوفا في اللقاء هذا شعار أيها الشيخ مرحبا بك أهلا *** والوفا في اللقاء هذا شعار ما نسيناك ما نسينا دروسا *** يا نعات وفيها حسن الثمار هن أحلى عند المحب وأشهى *** من فتاة مثل المهى في الجوار كيف لا والدروس فيها فنون *** من علوم نحن لها بافتقار فيها إرشاد جاهل وبيان *** ثم نصح إلى الهدى باختصار هذه دعوة النبي تجلت *** فهي في الأرض مثل ضو النهار هل ذرى الربع هل ذرى ساكنوه *** بالذي حل في ربوع الديار إنه عالم شهير كبير *** ذائع الصيت زاهد في العقار لو سمعت الدروس منه بفيه *** قلت عنه مقالة باختيار إن هذا ورب شيخ جليل *** إن هذا ورب شيخ جليل ثم ناديت بالبدار البدار *** أيها الشحر رحبي بالكبار من ذوي الفضل والتقى والوقار *** من لهم في العلوم باع طويل حاز منه الوسام عند الفخار *** نهلوا من معينه فاستناروا فأناروا العقول في كل دار *** واستزادوا منه فكانوا دعاة ينشرون الهدى بكل افتخار *** ذهبوا في البلاد شرقا وغربا ثم ساروا لما وراء البحار *** ينشرون الحديث غضا طريا دابهم ذا بالليل أو بالنهار *** هذا بعض الذي يكن فؤادي أيها الشيخ قلته باختصاري *** مهما نظمت من قلائد حمد فأنا عاجز بلوغ الدراري *** والذي قلته فهو جهد مقل ماذا تغني السواق عند البحاري *** وختام القريض هذا شعوري نحو شيخي وذا القرار قراري *** والحمد لله رب العالمين شكر الله لك، بارك الله فيك، بصر الله، يجعلنا عند الظن الحسن. أبدأ على بركة الله، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخنا عبيد بن عبد الله الجابري حفظه الله ورعاه في كتابه «تنبيه ذوي العقول السليمة إلى فوائد مستنبطة من الستة الأصول العظيمة» لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله رحمة واسعة: وها هنا ثلاثة أسئلة جديرة بالعناية، فتفطن إليها، وأصغ سمعك إلى جوابها. السؤال الأول: ما حق الإمام على رعيته؟ السؤال الثاني: ما حق الرعية على إمامها وولي أمرها؟ السؤال الثالث: كيف تصنع الرعية إذا بخسها الإمام حقها أو منعها إياه بالكلية؟ فللجواب على السؤال الأول نقول: اعلم أن حقوق الإمام على رعيته عشرة: أولها: بذل الطاعة له ظاهرا وباطنا في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، إلا أن يكون معصية، وقد أوجب الله ورسوله طاعة ولي الأمر، ولم يستثن منه سوى المعصية، فبقي ما عداه على الامتثال. ثانيها: بذل النصيحة له سرا وعلانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». قلت: ويوضح نصيحة الحاكم ما رواه ابن أبي عاصم وغيره عن عياض بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يبدها علانية، وليأخذ بيده وليخل به، فإن قبلها قبلها، وإن ردها كان قد أدى الذي عليه». فلا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل قول خالف قوله فهو مردود. وثالثها: القيام بنصرته باطنا وظاهرا، ببذل المجهود في ذلك، لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكفاية المعتدين. ورابعها: أن يعرف له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى له من التعظيم. ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم، مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم. وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة. قلت: فلا تغتر بما يرويه بعض أهل الأهواء من تصرفات العز بن عبد السلام مع الحكام المنافية لهذا. وخامسها: إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظا لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه. وسادسها: تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى، أو خارجي يخاف عليه منه، ومن كل شيء يخاف عليه منه على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه، فإن ذلك من آكد حقوقه وأوجبها. وسابعها: إعلامه بسيرة أعماله، أو بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته. قلت: وذلك متواتر من فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه، فقال: «لأنها صفة الرحمن عز وجل، فأنا أحب أن أقرأ بها»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله تعالى يحبه». ومن ذلك قصة عمرو بن العاص حين صلى بأصحابه الصبح وهو جنب، ولم يغتسل خشية البرد، وهي في السنن. وثامنها: إعانته على ما يتحمله من أعباء الأمة، ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمر. وتاسعها: رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه، لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة. وعاشرها: الذب عنه بالقول والفعل، وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن، والسر والعلانية. وإذا وفت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها، صفت القلوب، وأخلصت، واجتمعت الكلمة، وانتصرت. انتهى ملخصا من «تحرير الأحكام» بتصرف. أقول: أولا، ما سمعتم من كلمة «قلت» هو تعقيب مني على ما نقلته عن بدر الدين بن جماعة، وذلك حينما يكون في عبارة الشيخ بدر الدين رحمه الله من الإجمال والاحتمال، وحتى لا ينسل إلينا أهل الأهواء فيحملوا كلامنا ما لم يحتمل، فهذه عادتهم، فأحببنا قطع الطريق عليهم. ومن ذلكم أنكم لحظتم إيرادنا حديث عياض بن غنم رحمه الله: «من كانت عنده نصيحة لذي السلطان فلا يبليها علانية...» إلى آخره، وهذا الحديث صحيح بمجموع طرقه، وله شواهد كثيرة، اختصرتها، ومنها حديث أسامة رضي الله عنه حين حدثت الفتنة بحصار عثمان رضي الله عنه، وهي تدبير من السبئية أخزاهم الله، قالوا: ألا تكلمه؟ قال: «يريدون أن أكلمه جهرة» أو كما قال رضي الله عنه. وغير ذلك. وبهذا تعلمون أن ما يطلقه كثير من الخطباء والوعاظ والمحاضرين من التشهير بأخطاء الحكام، وإعلان معائبهم ومساوئهم على المنابر، وفي المحافل العامة، وفي وسائل الإعلام، ليس من مسلك أهل السنة والجماعة، بل هو من مسلك الخوارج، القاعدية أو القاعدية. ثانيا، يتأكد لكم أن ما نقلته، هو أن ما دونته من حقوق الحاكم المسلم ليس من عندي، بل هو من كلام الأئمة. نعم، قال شيخنا حفظه الله: أما الجواب على السؤال الثاني فنذكركم بأن حقوق الرعية على إمامها عشرة حقوق، وهي: الأول: حماية بيضة الإسلام والذب عنها، إما في كل إقليم إن كان خليفة، أو في القطر المختص به إن كان مفوضا إليه، أو في القطر... إلى قطر، فيقوم بجهاد المشركين. أقول: أهل الأهواء لا يدينون بولاية لأحد، ولا إمام عندهم إلا الخليفة، وهذا خلاف ما أجمع عليه المسلمون، فإنه لما تفككت دولة بني العباس أصبحت الأمة الإسلامية دولا متفرقة، فكل أمير يعني انتزع قطرا أو أقطارا غلب عليها ونفذت كلمته فيها، فلم يثرب المسلمون عليه، ولم يشكلوا عصابات لحربهم. والخليفة عند هؤلاء أهل الأهواء في عصر اليوم - وأقولها ولا أجد غضابهم - والإخوان المسلمون، الخليفة من يرتضونهم، والله أعلم أين هو، ولهذا يبايعون على مجهول في الظلمة، في شدة الظلام، لهم بيعة يبايعون لمجهول، من هو على الشرع، والله أعلم به من هو. نعم، فهم يشابهون الرافضة في انتظار المهدي المنتظر. نعم. قالوا: في القطر المختص به إن كان مفوضا إليه، فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين، وتدبير الجيوش، وتجهيز الجنود، وتحصين الثغور بالعدة المانعة والعدة الدافعة، وبالنظر في ترتيب الأجناد في الجهات على حسب الحاجات، وتقدير إقطاعهم وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم. انظروا قوله: «والباغين»، هذا ضمن موقف الحاكم من البغاة، وهم الذين يعلنون الحرب عليه ويشكلون قوة ضاربة، فالإمام يتصدى لهم لقهرهم وزجرهم وكسر شوكتهم وتخليص الأمة من شرهم، فيجب على الأمة أن تقف معه ولا تخذله، وإذا استنفرهم نفروا معه، ويجب على من هيأهم للتصدي لهذا الغشوم الظلوم الجهول الذي يريد أن يفرق كلمة الأمة ويعيث فيها الفساد، يجب على الجنود ومن هم في مواجهة الإمام... في مواجهة الباغي هذا بأمر الإمام أن يؤدوا الأمانة، وأن يحتسبوا ذلك عند الله، فمن خذل المسلمين عن حرب البغاة المعاندين الثائرين المبتغين الإفساد في الأرض وفي العباد والبلاد، فهو إما جاهل، أو صاحب هوى، جاهل بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، جاهل بالسنة، أو صاحب هوى يريد الفتنة، يريد الفتنة وتفريق الكلمة، فهو ممالئ لهذا الباغي الظلوم الغشوم الجهول، وإن فذلك عن نفسه. نعم، قال حفظه الله: الحق الثاني: حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، ورد البدع والمبتدعين، وإقامة حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحلّه، ومخالطة العلماء الأعلام النصحاء لدين الإسلام، ومشاورتهم في موارد الأحكام ومصادر النقل والإبرام. الحق الثالث: إقامة شعائر الإسلام، كفروض الصلوات والجمع والجماعات، والأذان والإقامة، والخطابة والإمامة، ومنه النظر في أمر الصيام والفطر وأهلته، وحج البيت الحرام وعمرته، ومنه الاعتناء بالأعياد، وتيسير الحجيج من نواحي البلاد، وإصلاح طرقها وأمنها في مسيرهم، وانتخاب من ينظر... ينظر أمورهم. الحق الرابع: فصل القضايا والأحكام، بتقليد الولاة والحكام، لقطع المنازعات بين الخصوم، وكف الظالم عن المظلوم، ولا يولي ذلك إلا من يثق بديانته وأمانته وصيانته من العلماء والصلحاء والكفاة النصحاء، ولا يدع السؤال عن أخبارهم والبحث عن أحوالهم، ليعلم حال الولاة مع الرعية، فإنه مسؤول عنهم، مطالب بالجناية منهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». الحق الخامس: إقامة فرض الجهاد بنفسه وجيوشه، أو سراياه وبعوثه. الحق السادس: إقامة الحدود، والمقصود بالجهاد هنا جهاد الطلب، وبهذا يعلم أنه موكول إليه، وكذلك جهاد دفع الصائل، جهاد دفع الصائل على الأمة، فمتى صال صائل باغ ظلوم جهول غشوم، تصد له بما لديه من قوة، ووقف أهل الإسلام معه. نعم، قال حفظه الله: الحق السادس: إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية، صيانة لمحارم الله عن التجرؤ عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها، ويسوي في الحدود بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف. وبهذا يعلم أن إقامة الحد لا يملكه أحد إلا هو، المسؤول عنها، وما ينبري له بعض الأشخاص في بعض البلدان من جلد بعض الناس، هذا خطأ فاحش، وإن احتج منهم أحد بفعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من إقامة الحدود، فالجواب أن هذا بين يدي السلطان، والسلطان قد أقره، نعم، فلا حجة لكم إذن فيه. قال حفظه الله: الحق السابع: جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها، وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك، وتفويضه إلى الثقات من العلماء. الحق الثامن: أقول: الزكاة أو الأموال الزكوية قسمان: قسم جبايته إلى الحاكم المسلم، وذلك أنه يبعث بعثا يتتبعون أماكن إقامة الناس ويأخذونها منهم، وهذه الأموال الزكوية هي: أولا: السائمة من بهيمة الأنعام. ثانيا: الحبوب والثمار، الحبوب والثمار التي تخرج من النخيل وغيرها من الأشجار، هذه موكولة إلى الإمام. ثالثا: الخارج من الأرض معدن، إذا كان الإنسان يخرج من أرضه معدن. الصنف الثاني من الأموال الزكوية: ما هو موكول إلى ربه، ما هو موكول إلى ربه، وهذا منه عروض التجارة، عروض التجارة هذه موكولة إلى ربها. والسؤال: وهو هنا سؤال، إذا كان الإمام لا يهتم بجباية الزكاة، فالجواب: يخرجها ربها ويصرفها في المصارف الثمانية. ثم سؤال آخر: إذا كان... إذا طلب الإمام زكاة ما هو موكول إلى ربه أو إلى أربابه من الأموال، نقول: نؤديها إليه، ولا يكن في نفوسنا حرج من ذلك. نعم، قال حفظه الله: الحق الثامن: النظر في أوقاف البر والقربات، وصرفها في ما هي له من الجهات، وعمارة القناطر، وتسهيل سبل الخيرات. الحق التاسع: النظر في قسم الغنائم وتقسيمها، وصرف أخماسها إلى مستحقيها. الحق العاشر: العدل في السلطنة، وسلوك موارده في جميع شأنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾. انتهى ملخصا من «تحرير الأحكام» بتصرف. «تحرير الأحكام» هذا هو تصنيف بدر الدين بن جماعة. علمتم أن حقوقنا على حكامنا عشرة، نسأل الله أن يعينهم، ويشد أزرهم، ويقوي عزيمتهم، ويجعلهم أنصارا للسنة وأهلها، وحربا على البدعة والفسق والفجور وأهلها. لكن قد يبخس الإمام الرعية حقها أو بعضها، إما أن يبخسها حقها بالكلية فلا يهمه إلا كرسيه، أو يوفي بعضا ويبخس بعضا، فماذا تصنع الرعية؟ هل تشكل أحزابا يعملون مظاهرات ويرفعون شعارات للضغط على الحكومات؟ أو يشكلون عصابات ثورية تضرب سرا وعلانية؟ أو ماذا يصنعون؟ أو يظهرون على القنوات مطالبين بحقوقهم؟ أو يشكلون حزب معارضة للضغط على الحاكم؟ ماذا تصنع الرعية؟ أهل السنة لا يفصلون في القضايا معاشر السامعين والسامعات من المسلمين من تلقاء أنفسهم، بل يقتفون الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح. والآن بين يدينا الحل، الحل الشرعي: الرعية إذا بخس... بخس الحاكم الرعية حقها بالكلية أو بخس بعضه، فتفضل، بارك الله فيكم، تفضل. قال حفظه الله ورعاه: وأما جوابنا على السؤال الثالث، وهو: كيف تصنع الرعية إذا بخسها الإمام حقها؟ فنقول: لا عليك، فقد كفيت البيان ممن جعله الله معدن البيان. فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها»، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». قال النووي رحمه الله في شرحه على هذا الحديث كما في صحيح مسلم: هذا من معجزات النبوة، وقد وقع هذا الإخبار متكررا، ووجد مخبره متكررا، وفيه الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالما عسوفا، فيعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه، ولا يفلع، بل يتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه ودفع شره وإصلاحه. وأخرج الإمام مسلم في باب «يصبر على أذاهم وتؤدى...» يصبر... وأخرج الإمام مسلم في باب «يصبر على أذاهم وتؤدى حقوقهم» من كتاب الإمارة والبيعة، عن وائل بن حجر رضي الله عنه، سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا، فماذا تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض، ثم سأله في الثانية أو الثالثة، فقال له الأشعث بن قيس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم». قال القرطبي رحمه الله في المفهم: يعني أن الله تعالى كلف الولاة العدل، وحسن الرعاية، وكلف المولى عليهم الطاعة وحسن النصيحة، فأراد أنه إن عصى الأمراء الله فيكم ولم يقوموا بحقوقكم، فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مجاز كل واحد من الفريقين بما عمل. المبحث الرابع: في نصيحة الحاكم. أقول: السنة رحمة ونعمة، وهي جمع للكلمة وانتظام للأمور. تلخص لكم أن الحاكم المسلم لا يواجه، يصبر المحكومون على تصرفاته، على جوره، وعلى ظلمه وعسفه، إلا أن يأتي... أن يأتي كفرا بواحا عندهم فيه من الله برهان، ويحكم قضاة المسلمين على الحاكم حينئذ بالكفر، وكان عند المسلمين قوة قاهرة غالبة على خلعه، يخلعه أهل الحل والعقد. أما الفوضى بتشكيل العصابات، سواء كانت عصابات محاربة بالسيف أو محاربة بالكلام، فهذا هو مسلك الخوارج. السنة رحمة، تشيع العدل وتنشر الأمن، ولكن الهوى نقمة وإفساد في العباد والبلاد. نعم، قال حفظه الله: المبحث الرابع في نصيحة الحاكم. هنا سؤال يطلقه أهل الأهواء دائما: كيف نصنع؟ شاع المنكرات، وانتشرت، وعمت، وطمت، وبهر الفسق والفجور، وارتكبت المحرمات، إلى غير ذلك من النعرات التحريضية. كيف ينصح الحاكم في هذه الحالة؟ نعم، قال حفظه الله: وإنه مما يجب بيانه تتمة للبحث في هذا: نصيحة ولاة الأمور، ونصيحة ولاة الأمور تتضمن عدة مسائل: المسألة الأولى: ما ورد من الأحاديث النبوية الصحيحة الموجبة للنصيحة. المسألة الثانية: في كيفية النصيحة لولاة الأمور. المسألة الثالثة: إيراد شبهات لأهل الشطط والجواب عنها. المسألة الأولى: وهي الأحاديث... يتبين له بوضوح... بوضوح وجلاء أن الأحاديث الواردة في إيجاب النصيحة لولي الأمر مستفيضة، إن لم تكن متواترة، ونظرا لكثرتها فقد اخترنا بعضها: الحديث الأول: حديث تميم الداري رضي الله عنه المعروف المشهور، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». والذي يتمعن في هذا الحديث يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب النصيحة لخمسة: وهم الله جل جلاله، وكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين، وعامتهم. فمن نصح لأئمة المسلمين، ومن هم؟ فالمراد بأئمة المسلمين هم العلماء والحكام، سواء كانوا خلفاء أو أمراء أو نواب الخلفاء، وكل من ولي أمرا من أمور المسلمين فله حق في هذه النصيحة. ومعنى النصيحة لولاة الأمور: طاعتهم في طاعة الله، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والأثرة، والدعاء لهم، ومشاورتهم، وشد أزرهم، والتعاون معهم على البر والتقوى. وفي معنى هذا الحديث: الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». ومعنى «الدين النصيحة»: أي عماد الدين وقوامه على النصيحة، فقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» نظير قوله في الحج: «الحج عرفة»، أي عماد الحج، أعظم الحج. الحديث الثالث: حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، فلقنني: «ما استطعت، والنصح لكل مسلم». فأين النصيحة لولاة الأمور من هذا الحديث؟ هي في قوله: «والنصح لكل مسلم»، العموم، فولاة الأمور داخلون في هذا العموم، بل النصيحة لولاة الأمور أهم وأعظم من النصيحة لغيرهم من الأفراد، لأنه باستقامة ولاة الأمور يستقيم حال العباد والبلاد. الحديث الرابع: حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فأين النصيحة لولاة الأمور؟ هي في قوله: «حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، هذا نص في النصيحة، أليس الإنسان يحب لنفسه الاستقامة وصلاح الحال والمآل؟ إذن كذلك يجب أن يحب... أن يحب لأخيه ذلك، وولاة الأمور من المسلمين إخوة. الحديث الخامس: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له...» الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنصحك» أي طلب إليك النصيحة، فولي الأمر إذا طلب النصيحة وجب نصحه من باب أولى، لأنه داخل تحت قوله: «حق المسلم»، فالمسلم اسم جنس، وصيغة الاستغراق العموم لأنه معرف بأل لغير العهد. هذه بعض الأحاديث النبوية التي نصها الرسول صلى الله عليه وسلم على نصح المسلمين عامة وولاة الأمور خاصة. المسألة الثانية: كيفية النصيحة، كيف ينصح المسلم ولاة الأمور؟ نقدم بين هذه المسألة أمرين: أولهما: تعريف النصيحة، فالنصيحة في اللغة مأخوذة من «نصح الثوب» أي أصلحه وقوّمه، فيشبه فعل الناصح مع المنصوح له بفعل من يصلح ثوبه ويسد خلله، فالناصح يسد خللا في المنصوح. وقيل: مأخوذ من «نصح العسل» أو «نصح العسل» إذا صفاه من العوالق كالشمع، وهنا وجه الشبه: أن الناصح يحاول تصفية حال المنصوح برفع... وفي الاصطلاح: إرادة الخير للمنصوح بما يصلح حاله. هذا هو الأمر الأول. الأمر الثاني: الذي يجب على كل مسلم معرفته وقبوله، وعلى طلاب العلم خاصة، هو الوقوف عند السنة، سواء كانت عبادة أو معاملة، فما وردت فيه سنة لا يسوغ للمسلم أن يستعمل فيه العقل، بل يجب الوقوف عند السنة، حتى المعاملات، ما دامت السنة واردة فيها، فلا يسوغ للمسلم أن يجانب السنة ويطلب العقل. إذن الأمر الثاني هو الوقوف عند السنة، سواء كانت في عبادة أو معاملة، لأن بعض الناس قد يقول: هذه معاملات، والأصل في العبادة المنع إلا بنص، والأصل في المعاملة الإباحة إلا بنص، ولكن نقول: إذا ورد في المعاملة نص، فهل يجوز تجاوزه؟ لا، يعني هذا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا ضل من ضل، ووقع الشطط في معاملة ولاة أمور من المسلمين، لأن القوم غلب العقل على النقل، هذا من قديم، من عاد الخوارق. بقي الآن محور المسألة، وهو: كيف ينصح ولاة أمور من المسلمين؟ أقول: هذا الجانب، أعني نصيحة ولاة أمور المسلمين، هل الأمر فيه متروك لاجتهادنا وعقولنا، أم تولى بيانه الشارع؟ أم تولى بيانه الشارع؟ وإذا كان الشارع الحكيم قد تولى ذلك، فما بيانه؟ وكيف ينصح المسلم ولاة الأمور وفق الشرع؟ نقول: روى ابن أبي عاصم في السنة، والإمام أحمد في مسنده، وغيرهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يبدها علانية، وليأخذ بيده وليخل به، فإن قبلها قبلها، وإن ردها كان قد أدى الذي عليه». فالحديث دليل على ثلاثة أمور: أولا: السرية التامة في المناصحة للحاكم، حتى عن أقرب الناس إليه، إن أمكن. ثانيا: براءة الذمة بمجرد النصيحة على هذا الوجه الذي تضمنه الحديث. ثالثا: أنه لا تبعة على من لا يقدر على النصيحة للحاكم سرا، لأنه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولأن هذا الطريق هو ما جاء عن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فلو رضي الله للعباد والبلاد غيره لجاء بيانه في الكتاب أو في صحيح السنة، فكان لزاما على كل طالب للحق والهدى الوقوف على هذا النص. قال الإمام الشوكاني رحمه الله: أقول: المقصود إصلاح حال الحاكم بما يوقظه حال غفلته، ويرشده... ويرشده لما حدث من هفوة منه أو من بعض ولاته، فإن أمكن أن تكون سرا فبها، وإن لا فلم يكلفك الله شيئا. ثم إن مكنك الله من نصيحة ولي أمرك سرا، فلست مكلفا بقبول النصيحة... لست مكلفا، أنت مكلف إذا قدرت أن تنصحه سرا مشافها فيما بينك وبينه، فإن قبل النصيحة كان بها، وإلا فإن ذمتك قد برئت بنصحك إياه سرا على وفق ما تضمنه هذا الحديث. نعم، قال حفظه الله: قال الإمام الشوكاني رحمه الله في «السيل الجرار»: «ولكنه ينبغي لكل من ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله». وقد قدمنا في أول كتاب السير... هذا السير... السير... من السير... من «السيل الجرار» يعني هنا: «وقد قدمنا في أول كتاب السير هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ، وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». انتهى كلامه رحمه الله. المسألة الثالثة: في الشبهات التي يعرضها أهل الشطط، وهي كثيرة جدا، لكن نقول: هكذا إذا غلب الهوى... هكذا إذا غلب الهوى يرد الناس إلا من رحم الله، سنة صحيحة. هكذا إذا غلب الهوى... غلب... هكذا إذا غلب الهوى يرد الناس إلا من رحم الله، سنة صحيحة صريحة، ويركبون البدع، ويكون الضلال. فمن الشبهات: إنكار أبي سعيد على أمير المدينة مروان بن الحكم حين قدم خطبة العيد على الصلاة، قالوا: فجذبه، وهذا إنكار علني. يقول: هذه القصة في صحيح مسلم وغيره. ولفظ الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم، قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم... في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: «تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا»، وكان أكثر من يتصدق النساء، ثم ينصرف. فلم يزل كذلك حتى كان مروان بن الحكم، فخرجت مع مروان حتى أتينا المصلى، فإذا كعب بن الصلت قد بنى منبرا من طين... والابن... فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرني نحو المنبر، وأنا أجره نحو الصلاة، فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد، قد ترك ما تعلم. قلت: كلا، والذي نفسي بيده، لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرات. ثم انصرفت. قلت: لا شك في صحة الحديث كما ترى، كما أنه لا شك في ظهور إنكار أبي سعيد على أمير المدينة مروان صنيعه في تقديم الخطبة على صلاة العيد. ولكن غفل القوم عن أمور في الحديث، لو عقلوها لأراحتهم من تلك الشبهة، وهي: أولا: ما معنى المخاصرة في قول أبي سعيد: «فخرجت مخاصرا مروان»؟ فالجواب: ما قال ابن الأثير في النهاية: «فخرج مخاصرا مروان»، المخاصرة: أن يأخذ الرجل بيد رجل آخر، يتماشيان، ويد كل واحد منهما عند خصر صاحبه. ثانيا: أن عياض بن عبد الله بن سعد راوية أبي سعيد، راوية أبي سعيد، قال كما في إسناد مسلم عن أبي سعيد، وهذا حكاية من عياض لصنيع أبي سعيد مع مروان، من قوله: أعني أن أبا سعيد حدثه تلك القصة. إذن راوية أبي سعيد لم يقل: رأيت أبا سعيد يصنع كذا وكذا، ولم يقل: سمعت أبا سعيد يقول لمروان، لم يقل من ذلك شيء، وإنما يروي القصة عن صاحبها، قال: عن أبي سعيد، أبو سعيد حدثه بما جرى بينه وبين مروان. نعم. ثالثا: اكتفى أبو سعيد بتنبيهه مروان على السنة، وإنكاره عليه مخالفتها فقط، بل وصلى معه، ولم يتخذ من مخالفة مروان مجالا للتشهير والتهديد، لعلمه أن ذلك مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني التشهير بنصح الولاة، ولأنه فهم من قول مروان، كما جاء في بعض طرق الحديث، أن الناس لا يجلسون لنا، أنه أي مروان، فعلى ذلك اجتهادا منه، أبغض... أبغض الناس أمراء بني أمية، فإذا قام الخطيب يخطب بعد صلاة العيد، خرجوا وتركوا، أو خرج أكثرهم، فأراد مروان أن ينظمهم بالخطبة، فقدمها على الصلاة، فأبو سعيد جلس واستمع إلى مروان، وصلى معه، ولم يثرب، ولم يشهر به. نعم. ولعل ما سقنا يظهر لك أمرين... ولعل مما سقنا... ولعل ما سقنا يظهر لك أمرين، ويظهر لك أمرين: أحدهما: اتفاق صنيع أبي سعيد في الحديث مع حديث ابن أبي عاصم المتقدم. وثانيهما: أنه ليس من منهج السلف الإنكار على الولاة على المنابر، ولا في المحافل العامة، بل