شرج كتاب الإيمان من صحيح البخاري 3

الدرس في شرج كتاب الإيمان من صحيح البخاري 3، الدرس الثالث:من ( 22- باب المعاصي من أمر الجاهلية ... 34- باب الزكاة من الإسلام ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم المعاصي والفرق بينها وبين الشرك

يبيّن المقطع أن المعاصي من صفات الجاهلية ولا تكفر صاحبها إلا إذا كانت شركاً أكبر، موضحاً موقف أهل السنة من مرتكب الكبيرة مقابل الخوارج والمعتزلة. كما يفسر حديث «إذا التقى المسلمان بسيفيهما» بأنه عام في المتقاتلين ظُلماً، مستثنياً الفئة الباغية التي أمر الله بقتالها حتى تفيء لأمره، مستشهداً بموقعة الجمل وآية الإصلاح بين الطائفتين المؤمنتين.

شرح أبواب من صحيح البخاري في الظلم والنفاق وفضل العبادات

يتناول المقطع شرح عدة أبواب من صحيح البخاري، مبيناً أن الظلم المذكور في آية الأنعام المراد به الشرك الأكبر كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً علامات النفاق العملي الخمس. ويوضح فضل قيام ليلة القدر ورمضان والجهاد والصيام بشرط الإيمان والاحتساب، مع التنبيه على أن الدين يسر وأن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.

شرح حديث الدين يسر وبداية باب الصلاة وتحويل القبلة

يشرح المقطع حديث «الدين يسر» مستدلاً بآيات وأحاديث على أن الشريعة مبنية على اليسر ورفع الحرج، مع ذكر فوائد الحديث كالحث على المداومة على العمل القليل وعدم التشديد. ثم ينتقل إلى باب «الصلاة من الإيمان» مبيناً قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة والأحكام المستفادة منها كنسخ السنة بالقرآن وقبول خبر الواحد.

أصول الإسلام والإيمان: ثواب الأعمال والاعتدال وكمال الدين

يشرح المقطع أحاديث تبين أن حسن الإسلام يكفر السيئات السابقة ويضاعف الحسنات، ويحث على الاعتدال في العبادة والمداومة عليها. ويوضح أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، مع بيان كمال الدين يوم عرفة، وأن الزكاة ركن من أركان الإسلام.

الإسلام الدين الوحيد الصحيح وبطلان نسبة اليهودية والنصرانية

يقرر المؤلف أن جميع القربات الشرعية داخلة في الإسلام، وأن الله لم يشرع للعباد غير دين الإسلام الذي جاء به جميع الأنبياء من نوح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم. ويبين أن اليهودية والنصرانية ليستا ديانتين سماويتين، بل هما محرفتان مشركتان، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ﴾، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بن كعب.

التفريغ النصي الكامل

وعلى رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنه عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام المطارِيُّ عليه رحمه الله: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال عليه رحمة الله: عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، قال: عن المعرُوف، قال: ناقيتُ أباك، فقال: إني سابقت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إن فيك جاهلية. إخوانكم خولكم، جعل الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم». والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذه الترجمة تتضمن أموراً عدة يجب على المسلم، لا سيما من يتصدى لتعليم الناس ويتصدى إلى الدعوة، أن يثبتها. الأمر الأول: كون المعاصي من أمر الجاهلية، وذلك لأن صاحبها يجهل عن طاعة الله عز وجل، وينحرف عما أمره الله إلى ما نهى، وهذا جهل وظلم. الأمر الثاني: التنبيه إلى أن المعاصي لا يكفر صاحبها بمجرد ركوبها، وإن كانت تنقص الإيمان وتنافي كماله. ويمكن أن يقال: إن راكب المعصية التي هي من كبائر الذنوب له حالتان: إحداهما: أن يأتي ما يأتي من معاصي الله عز وجل وكبائر الذنوب معتقداً تحريمها، وأنه مخطئ ومخالف أمر الله وراكب النهي، فهذا فاسق من الفساق، لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، وإنما ينفى عنه كماله. الحالة الثانية: أن يستحل ما يأتيه من كبائر الذنوب، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، عالماً عامداً، اجتمعت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع، فهذا كافر مرتد عن دين الله عز وجل. وطريق الحكم عليه بذلك هو تصريحه بالاستحلال نصاً منه. أما إن كان يخفي ذلك في نفسه فهو منافق، ولا سبيل لنا إلى الحكم عليه بالكفر. الأمر الثالث: أن الشرك هو الذي ينقل عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر، والشرك هنا هو الأكبر، وليس الأصغر. الأمر الرابع: أن الشرك لا يغفر لمن مات عليه، ويستوي في هذا أكبر الشرك وأصغره، إلا أن بينهما فروقاً: أحدها: الشرك الأكبر ناقل عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر، والأصغر ليس كذلك. الثاني: الشرك الأكبر موجب الخلود في النار أبداً، لا يخرج من مات عليه منها، أما الشرك الأصغر فليس كذلك، ولكنه أكبر من الكبائر، وذلك أنه لا يدخل تحت المشيئة. الأمر الخامس -أو السادس-: الأمر الخامس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، شاهد لأهل السنة في الفاسق الملي، وهو عاصي الموحدين، بأنه إن مات مصراً على كبيرته فهو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، وإن عذبه لم يخلده في النار. نعم، هذا ما تضمنته الترجمة في مجال الاعتقاد. فماذا في مجال المعاملة؟ من جعلهم الله مع من جعلهم الله تحت الأيدي من الخدم: أولاً: أن هؤلاء إذا كانوا من المسلمين فهم إخواننا وحشمنا، يخدموننا ويقومون بمعاونتنا، ولهذا قال: «إخوانكم خولكم»، أي حشمكم. ثانياً: أنهم لا يكلفون من العمل فوق طاقتهم، وهذا من الرحمة بهم وهو واجب. الأمر الثالث: إكرامهم، ومن إكرامهم أن يلبس المخدوم خادمه مما يلبس، ويطعمه مما يطعم. وفي الحديث منقبة لأبي ذر رضي الله عنه، وهو أنه طبق أمر نبيه صلى الله عليه وسلم. نعم، في هذا الباب وهو رضي الله عنه من خيار الصحابة وفقهائهم وزهادهم. نعم، قال: باب: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما». عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه». أولاً: آية الترجمة فيها شاهد لما ذهب إليه أهل السنة من أن المعاصي لا تسلب صاحبها الإيمان بالكلية، وإنما تسلب كمال الإيمان. وهذا نظائره في الكتاب والسنة مستفيضة، إن لم تكن متواترة. ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى سمى كلتا الطائفتين الباغية والمبغى عليها مؤمنة، مع أن إحداهما ظالمة والأخرى مظلومة. فالباغية ظالمة، والمبغى عليها مظلومة، وكلتا الطائفتين مؤمنة بنص القرآن. وهذا هو ما استنبطه البخاري رحمه الله، وهو مجمع عليه بين أئمة السنة، لم يخالف فيه أحد. وبهذا تعلمون أنه يرد على من كفر مسلماً بركوبه بمجرد ركوبه المعصية، وهم الخوارج، فإنهم يحكمون على راكب الكبيرة في الدنيا بأنه كافر حلال الدم والمال، ويسمون ذريتهم. وأما حكمهم في الآخرة عندهم: إن لم يتب فهو خالد مخلد في النار. ووافقتهم المعتزلة على الحكم الأخروي، وقابلوا وحكموا عليه في الدنيا بأنه في منزلة بين المنزلتين. فهدى الله سبحانه وتعالى أهل السنة إلى القول العدل والحكم الفصل. وأهل السنة ولله الحمد دائماً هم على الحق، لأنهم مع الكتاب والسنة والإجماع يمشون حيث أمشاهم النص، ويقفون حيث أوقفهم النص، لا ينحرفون قيد أنملة يمنة ولا يسرة. وأما أهل الأهواء فإنهم يأخذون بعض النصوص ويدعون بعضها. وأما حديث أبي بكرة، ففيه أولاً: أن الواقعة المشار إليها بقول الأحنف بن قيس «لأنصر هذا الرجل» فهي موقعة الجمل فيما يظهر لي. موقعة الجمل نشبت فيها المعركة بين علي رضي الله عنه وبين الصديقة بنت الصديق ومن معها من الصحابة الأخيار رضي الله عنهم أجمعين. وما كانوا يريدون القتال، وإنما كانوا يطلبون إلى الخليفة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن يقتص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وهم السبئية. فأدرك السبئية الخطر، وعلموا أنه إذا اصطلح الخليفة مع الطرف الآخر دارت الدائرة عليهم، فأصبحوا مقتولين أو شردين، فاندسوا بين الفريقين تحت جنح الظلام، فأطلقوا النار، فنشبت المعركة. ثانياً: استنباط أبي بكرة رضي الله عنه من الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما» إلى آخره، هذا اجتهاد منه، لأن الحديث نص صريح في وجوب وعيد كل من المتقاتلين بالنار، ظلم منهما، فالكل حريص على قتل صاحبه. وهذه قاعدة عامة: إذا أشهر شخصان أو طائفتان من المسلمين السيف في وجه الآخر ظماً وعدواناً، لا حق مع أحد منهما أبداً، وإنما يقصد كل منهما التشفي من الآخر. وهذا ليس في علي ولا في الطرف الآخر، حاشاهم رضي الله عنهم. وهذا الحديث عام: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، لكن خص منه الفئة الباغية بالقرآن: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. نعم، نعم. قال: باب: ظلم دون ظلم. عن عبد الله قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. هنا الحديث صريح الدلالة في أن سبب نزول آية لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، هو وجل الصحابة رضي الله عنهم، وشدة مخافتهم، وشدة وقع آية الأنعام على قلوبهم. في التفسير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس ذاك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». ولا معارضة، فهو محمول عندنا على التعدد، فيجوز أن ما تقدم من أن سبب نزول آية لقمان هو ما ذكره الصحابة رضي الله عنهم من حالهم وخوفهم حين نزلت آية الأنعام، وأنه نعم، ويجوز أن الآية، ويجوز أن الحال تكررت مرتين: مرة كان سبب نزول آية لقمان، ومرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد لهم الأمر بقوله: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح» إلى آخره. ويستفاد من الآية والحديث بمجموع طرقه أحكام: منها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على البعد عن كل ما يكدر إيمانهم، فضلاً عما ينافيه بالكلية. ثانياً: من فهم من النص حكماً يساعده عليه عموم النص أو ظاهره، فإنه يبين له خطؤه بنص آخر، ولا يعتب عليه ولا يشنع عليه. ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه رضي الله عنهم المراد من هذا الظلم، وأنه ليس العموم. ثالثاً: يتحصل لدينا من بيان النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم الذي ليس معه أمن في الآخرة ولا هداية في الدنيا هو الشرك بالله سبحانه وتعالى، وليس عموم الظلم. وبيان النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو من بيان القرآن بالقرآن، وهذا من أنواع البيان كما هو مقرر في الأصول. الخلاصة: أن الظلم على ثلاثة أضرب: أحدها: ظلم لا يغفره الله إلا بالتوبة، ومن مات عليه فهو خالد مخلد في النار، وهذا هو الشرك الأكبر. الثاني: ظلم صاحبه تحت مشيئة الله، إن مات عليه دون توبة، وهو ظلم العبد نفسه بركوبه المعاصي. الثالث: ظلم لا يترك منه شيء بل يقتص من راكبه يوم القيامة، وهذا ظلم العباد فيما بينهم. نعم. قال: باب: علامة المنافق. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». العلامة هي آية، أو الآية هي العلامة. الآية: آية الشيء علامته. وهذه الخصال المذكورة في هذا الحديث وهي: الكذب في الحديث، يعني فيما يجري بين الناس، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، هذه من خصال النفاق العملي. وتم خصلتان أخريان جاءت بهما السنة الصحيحة، وهما: الغدر في العهد، والفجور في الخصومة. فيتحصل لدينا أن النفاق العملي خمس خصال، وإن شئت فقل: خمسة أنواع: الكذب في الحديث، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر في العهد. سميت هذه نفاقاً عملياً لأنها فيما يجري بين الناس من التعامل، وذلك أن المتصف بهذه الأوصاف يظهر للناس حسن التعامل معهم، لكنه في العمل يخالف ذلك، فمن هذا الوجه سُمّي منافقاً. نعم، وهذه من أحاديث الوعيد التي يمر بها أهل السنة على التغليظ. نعم، وهذا الحديث ينظم إلى سابقه، وقد دخل شرحه ضمن شرح سابقه. نعم، قال: باب: قيام ليلة القدر من الإيمان. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». هاتف بابلئة ببعده، بمعنى: باب الجهاد. ها، باب الجهاد من الإيمان. طيب، إذن الإيمان هو: اعتقاد أن العمل الذي يتقرب به المسلم إلى الله حق، وأن شرعيته حق. والاحتساب هو: احتساب الأجر عند الله، طلب الأجر عند الله عز وجل. فالمؤمن يأتي ما يأتي من القرب، سواء كانت واجبة أو مستحبة، مستجمعاً هذين الأمرين. بخلاف المنافق، فالمنافق ليس مؤمناً بالقرب التي شرعها الله عز وجل إلا إيماناً ظاهرياً، أما في باطنه فهو لا يحتسب الأجر ولا يقر بشرعيتها. نعم، قال: باب: الجهاد من الإيمان. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة. ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولو وجدت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل». أقول: الجهاد من فرائض الله، ومن شعائر دينه التي لم يطرأ عليها نسخ. والمقصود هنا أن هذا الأجر أعده الله لمن كان مؤمناً. وهذا إذا أطلق فإنه ينصرف إلى جهاد الطلب. وقد مضى تفصيل القول في الدرس الماضي البارحة. نعم، قال: باب: قيام رمضان من الإيمان. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». قيام رمضان: الصلاة في الليل، سواء كان التهجد أو التراويح، فهذا من قيام رمضان. والقيام إذا أطلق فإنه يشمل الليل كله. لكن قد جاء الحديث: «من قام مع إمامه حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة»، أو قال: «كأنما قام الليل كله». والمقصود أن التطوع في رمضان بقيام الليل لا بد أن يكون فيه الإيمان والاحتساب. وها هنا سؤال: أيهما أفضل، قيام الليل مع الإمام، أو الصلاة في البيت؟ أقول: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بتفضيل صلاة النافلة في البيت على صلاتها في المسجد مع الإمام أو وحده. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة المرء في بيته خير له من صلاته في مسجده، إلا المكتوبة». فكيف يجمع بينه وبين الحديث السابق: «من قام مع إمامه حتى ينصرف» إلى آخره؟ والجمع والجواب: يمكن الجمع بينهما، وهو أن من وجد في نفسه حال الصلاة في البيت القوة والنشاط والخلو من الشواغل أو المشاغل، فصلاته في بيته أفضل، صلاته النافلة في بيته أفضل. ومن كان لا يجد النشاط والقوة والطمأنينة إلا مع الإمام، ففي هذه الحال صلاته مع إمامه أفضل، والله أعلم. قال: باب: صوم رمضان احتساباً من الإيمان. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». المعنى قد مضى، ولكن يظهر لي أن ذكر هذا الحديث هو من دقة فهم البخاري ودقة فقهه، فكرر الحديث هنا، وإن كان هو قطعة من سابقه كما جاء في بعض طرقه. فمراده رحمه الله أن يبين أن الإيمان والاحتساب ليسا مقتصرين على النافلة، بل هما كذلك مطلوبان في الفريضة، كما أنهما مطلوبان في النافلة، والله أعلم. قال: باب: الدين يسر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة». عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». الدين يسر، والمعنى: أن هذه الشريعة رفع فيها الحرج والمشقة، فما عجز عنه المرء من الواجبات عفي عنه فيه. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ومصداق هذا قول الحق جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وها هنا بيت جميل في منظومة ابن سعد رحمه الله قال: «ولا محرم مع الضرر، وليس واجب بلا اقتدار». وقال صلى الله عليه وسلم: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك». ومن أكبر الأدلة على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم -جعلنا الله وإياكم من خواصها في الدنيا والآخرة- مبنية على اليسر، الرخص: فالمسافر يرخص له في القصر، وفي الجمع عند الحاجة، كما يرخص له الفطر في رمضان ما دام مسافراً. ومن شق عليه الوضوء تيمم. فهي مبنية على اليسر ورفع الحرج ودفع المشقة. وفي الحديث فوائد: منها: الحث على استعمال المسلم نشاطه، ولهذا يقولون: «إن للنفس إقبالاً وإدباراً، فإن وجدتم منها إقبالاً فرغبوها في المستحبات، وإن وجدتم منها إدباراً فاقصرها»، أو قال: «فألزموها بالواجبات». اكتفِ بالواجب، ما عندك قدرة تصلي عشرين ركعة أو عشر ركعات وزيادة الوتر، فاجعلها نفلاً، أو اكتفِ إذا كنت تجد من نفسك كسلاً وثقلاً في العمل مع أنك تحبه، فدَعْ واكتِفِ بالفرض. ثانياً: حرصه صلى الله عليه وسلم، أو حثه صلى الله عليه وسلم المسلم على أن يداوم على العمل الذي يقدر عليه. ولهذا قال: «إن أحب العمل إلى الله أدومه». فمثلا: لو أن شخصاً مرّ يصلي ثلاث عشرة ركعة، ومرّ خمس عشرة ركعة، ومرّ تسع عشرة ركعة، ومرّ خمس ركعات، وشخص آخر مداوم على سبع ركعات أو تسع ركعات في قيام الليل، فهذا أفضل. لكن لا يحرم الأجر، لكن هذا أفضل لأنه اتخذ ورداً يقدر عليه ولا يعجز عنه. ومن فوائد هذا الحديث: إثبات صفة المحبة لله سبحانه وتعالى، صفة حقيقية من الصفات الفعلية، فإن الله يحب أعمالاً ويحب أهلها، يحب المتقين ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المقسطين. نعم، سبحانه وتعالى. ومن فوائد هذا الحديث: حث المسلم على أن لا يشدد على نفسه، فإنه إن شدد على نفسه غلب. مثال ذلك: إنسان لا يتوضأ إلا بعسر ومشقة، ومع هذا لا يتيمم، يترك التيمم ويلزم نفسه بالوضوء، لا بد أن يأتي يوم يعجز ولا طاقة له، فيغلب. مثال آخر: إنسان يقول: أنا قوي، والسفر مريح، والوسائل والله الحمد ليست مثلها في السابق، ليست وسائل أسفارنا هي البعير والبغل والحمار أو المشي على الأرجل، سيارات وطائرات، فلا يأخذ بالرخصة، لا يقصر ولا يجمع ولا يفطر في رمضان إذا كان مسافراً، لا بد أن يغلب. هذه حكمة الله وهي مجربة، لا بد أن يغلب ويندم على ترك هذه الرخصة. وقد قاء، وكيف لا، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: «السفر قطعة من العذاب». فالسفر مهما كانت وسائله مريحة فإن المشقة موجودة فيه. فرخص الله عز وجل منوطة بالسفر لا بالمشقة. نعم. قال: باب: الصلاة من الإيمان، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، يعني: صلاتكم عند البيت. عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال: أقاربه من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت. وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: «أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة». فداروا كما هم قبل البيت. وكان فيمن مات قد أعجبه إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولي وجههم قبل البيت أنكروا ذلك. قال جبير: حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه. حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال، فكفلوا، فلم ندري ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. هذا الحديث فيه أحكام عدة: أحدها: نسخ السنة بالقرآن، وبيان ذلك: أن توجه النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلى بيت المقدس كان بالسنة، وأن توجهه إلى الكعبة كان بالقرآن، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. ثانيها: قبول خبر الواحد، وذلك أن القوم الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس استداروا حين قال لهم ذلكم القائل ما قال، وأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحول في صلاته إلى الكعبة، فلم يطلبوا عليه شاهداً آخر، ولم يجادلوا. وهذه القضية لها موضع آخر تبسط فيه إن شاء الله تعالى. ثالث الأحكام: جواز الحركة لمصلحة الصلاة، وهذا واضح من صنيع القوم، فإنهم استداروا في صلاتهم حين بلغهم صرف الله نبيه إلى الكعبة. رابعها: شفقة الصحابة وخوفهم على إخوانهم الذين ماتوا يوم كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، فطمأنهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، فسرت، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. فاطمأنوا رضي الله عنه. وها هنا تنبيهان: الأول: في حديث البراء هذا يفهم أن القوم الذين استداروا في صلاتهم كانوا يصلون صلاة العصر، لأن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة بعد توجهه إلى بيت المقدس هي صلاة العصر. وفي حديث ابن عمر وهو في الصحيح ذكر أن الذين استداروا في صلاتهم هم أهل قباء. وهذا محمول على التعدد، فكل من بلغه التوجه إلى بيت... توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة مصروفاً عن التوجه إلى بيت المقدس تحول في صلاته، أهل قباء وغيرهم. التنبيه الثاني: يجري على بعض السادة الخطباء والوعاظ والكتاب، وكثير من من ينتسب إلى أهل العلم، وصف بيت المقدس بأنه القبلة الأولى، وهذا خطأ. هذا خطأ ناشئ عن جهل أو عن أمر آخر. فإن القبلة هي الكعبة، قبلة الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام، هي الكعبة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، يعني: توجهك أو توجيهك إلى الكعبة. هذا متقرر في الشرائع السابقة، وأهل الكتاب من يهود ونصارى يعلمون ذلك، ولكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه. نعم. قال: باب: حسن إسلام المرء. عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه، كفر الله عنه كل سيئة كان أسلفها، وكان بعد ذلك القصاص: أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنه». هذا الحديث يتضمن فائدتين: إحداهما: أن حجاب الإسلام ما قبله من السيئات مشروط بأن يحسن المرء إسلامه ويجانب كل ما كان يقارفه في جاهليته. الثانية: الفائدة الثانية: سعة رحمة الله عز وجل وسعة فضله على عباده، سعة رحمته بعباده وسعة فضله عليهم، وذلك أنه يجازي من حسن إسلامه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ومن نزغه الشيطان فركب سيئة فهي بمثلها. فالحمد لله على جزيل أنعمه الظاهرة والباطنة. نعم. قال: قال على أبي هريرة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». وهذا مضى شرحه ضمن ما تقدم. نعم، قال: باب: أحب الدين إلى الله أدومه. عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: «من هذه؟» قالت: فلانة، تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه». هذا الحديث قد مضى في الباب قبل هذا، أو قبل هذا ببابين، مضى شرحه. وإنما التعليق هنا على قوله صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة: «مه». هذه تحتمل: «كف»، كف معناها: «كف»، أو «مه» استفهام، المعنى: ما هذا الصنيع؟ والخلاصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم يحض كل مسلم ومسلمة على أن لا يكلف نفسه فوق طاقته، وأن يداوم على ما يقدر من صالح الأعمال. نعم. قال: باب: زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزَدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزِيدُ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص. عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا ترك شيئاً من الكمال...» فإذا ترك شيئاً... كذا شيئاً، هذا خطأ مطبعي. «وإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص». عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير. ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير». قال أبي... [نص غير واضح في الأصل]. هذه الترجمة تتضمن شيئاً: أحدهما: أن الطاعات تزيد الإيمان. ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، ﴿لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. وسواء كانت الطاعات قلبية أو بدنية. الثاني: أن ما قبل الزيادة كان قبلها ناقصاً. ما قبل الزيادة كان قبلها ناقصاً. وهذا باتفاق العقلاء، فالإناء الممتلئ ما آن أو أي شيء، فإنه قبل امتلائه كان ناقصاً. ولم ينازع في هذا أحد أبداً من العقلاء. وإنما بعض المرجئة، قبحهم الله، قالوا: الإيمان يزيد ولا ينقص. وافقوا الخوارج في هذا. وثمة أمر ثالث: وهو أن أهل الإيمان... كم أن... وثمة أمر ثالث: وهو أنه لا بد أن يبقى في قلب المرء من خالص الاعتقاد شيء يدخل به الجنة، وأن الناس في هذا متفاضلون: وزن شعيرة، وزن ذرة، مثقال خردلة. وفي بعض حديث الشفاعة: مثقال دينار، نصف دينار، إلى غير ذلك. نعم، وأخرج الحميدي في عقيدته عن سفيان، أظنه ابن عيينة، قال: «ينقص حتى لا يبقى منه شيء». وهذا له عندي توجيهان: أحدهما: أنه اجتهاد من سفيان رحمه الله، والاجتهاد إذا خالف النص فليس له اعتبار، ولكن يؤجر صاحبه إن شاء الله تعالى أراد الحق فأخطأ. الثاني: أن الإمام سفيان رحمه الله أراد التحذير، التحذير من أن المرء قد يركب من عظائم الذنوب، من كفر ونفاق وشرك بالله، ما يذهب عليه إيمانه، لأن المرء إذا لم يبقَ فيه مع العبد شيء فليس بمؤمن، والله أعلم. قال: عن عمر بن الخطاب أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. قال عمر: قد علمنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم جمعة. في هذا الحديث من الفوائد ما يأتي: أولاً: فهم اليهود، وأنهم قد يصيبون الحق بفهمهم، ولكن ليس فهمهم معتمداً عندنا على الإطلاق، بل نقبل من فهمهم ما أصابوا فيه الحق الذي عندنا. وكذلك أهل البدع وأهل الأهواء قد يصيبون سنة، لكن ليسوا معتبرين عندنا، وليسوا حجة لنا، وإنما نقبل ما عندهم من الحق، نقبل ما عندهم ونقول إنه حق بعد عرضه على ما عندنا من الكتاب والسنة، فإذا وافق قلنا حق، وإذا خالف قلنا باطل. وإنما يطلب الحق من المسلم صاحب السنة، هذا هو الأصل، يطلب الحق منه، لأن أهل السنة هم خاصة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أسعد الناس به حظاً في الدنيا والآخرة، بخلاف أهل الأهواء فإنهم مبتدعون ظلموا. الفائدة الثانية: فقه عمر رضي الله عنه، ولذلك أجاب اليهودي بما أجابه به. اليهودي يريد أن يحتفل بهذه الآية لو نزلت عليهم، وعمر رضي الله عنه بين أن يوم نزولها يوم عيد لأهل الإسلام، يوم جمعة ويوم عرفة. الثالث: أنه لا عيد في الإسلام إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، وما عدا ذلك من الأعياد الموسمية فهي مما أحدثه الناس من البدع في دين الله. نعم. قال: باب: الزكاة من الإسلام، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نَجْد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق». في حديث يكمله قوله رحمه الله: باب، أو باب الزكاة من الإسلام. هذا لا يقصد به الحصر، بل كل القربات التي جاءت مشروعيتها في الكتاب أو في السنة أو في كليهما هي من الإسلام، سواء كانت واجبة أو مندوبة. وأظن أن المصنف رحمه الله خص الزكاة بالذكر هنا لأنها محل تهاون وتكاسل، لما جبل عليه أكثر الناس من الشح، بالمعنى، والله أعلم. آية الترجمة صريحة الدلالة في أن جميع الخلق من هذه الأمة، ومن مضى قبلها من الأمم، مأمورون بهذه... مأمورون، وما أمروا... وما أمروا له الدين حنفاء، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. ومعنى قوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي: الملة المستقيمة. وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾، جمع حنيف، وهو شرعاً: المائل عن الشرك قصداً بالكلية إلى التوحيد. ومن هنا يجب التنبيه إلى أن الله سبحانه وتعالى ما شرع للعباد ديناً غير دين الإسلام، فهو الدين الذي جاءت به النبيون والمرسلون، من لدن نوح أولهم إلى محمد خاتمهم، صلى الله وسلم عليهم أجمعين. وبهذا تعلمون أن اليهودية والنصرانية ليست ديانات سماوية. فلم يأتِ موسى صلى الله عليه وسلم باليهودية، ما جاء إلا بالإسلام، ما أنزل الله عليه في كتابه إلا الإسلام. كما أن عيسى صلى الله عليه وسلم ما جاء بالنصرانية، فلم ينزل الله عليه في كتابه الإنجيل إلا الإسلام. وها هنا أمران: أحدهما: الدليل الشرعي على ما قررنا من بطلان القول إن اليهودية والنصرانية ديانات سماوية. والموغلون في هذا، والغُلاة من الدعاة إلى التقريب بين الإسلام دين الله الحق والديانات الباطلة، ومنها اليهودية والنصرانية، يقولون في مؤتمراتهم، وما يصدر من توصياتهم عن مؤتمراتهم الفاجرة: «يجب على الديانات الثلاثة: الإسلام واليهودية والنصرانية، الوقوف صفاً واحداً ضد الإلحاد والإباحية». يا أهل الحجا، يا أولي الألباب والنُّهى، بالله عليكم، هل عند اليهود والنصارى شيء غير الإباحية؟ أبداً، ليست لهم ثوابت غيرها، هي ثوابتهم، هي أصولهم، قائمة على هذا، مسلكهم على هذا: إباحية، زنا، خمر، أكبر من ذلك: الشرك. الحجة: اليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى تقول: المسيح ابن الله، ويقولون: الله ثالث ثلاثة، ويقولون: إن الله هو المسيح بن مريم. واتفقت اليهود والنصارى على هذه المقولة، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. وهاكم بعد هذا الدليل: نص، لا لاجتهاد. أخرج أحمد وغيره عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبي، إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن». قال: وسماني لك يا رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فذكرت عند رب العالمين؟ قال: «نعم». فبكى أبي رضي الله عنه. فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، وفيها: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ﴾، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المشركية، إلى آخر السورة. وإن قال قائل متحذلق، جدل بالباطل، وخصم بالبهتان والزور والهوى: هذه الآيات منسوخة من سورة البينة. نقول: