التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 2

التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 2

الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

منهج الإمام مسلم في تصنيف الأحاديث

يشرح الإمام مسلم منهجه في تصنيف الأحاديث وتقسيمها إلى أقسام وطبقات مع التركيز على شروط قبول الروايات وتصنيف الرواة. يوضح المنهج أهمية معرفة منازل الرواة وإعطاء كل ذي حق حقه.

تفاوت الأقران في العلم وضبط الرواية

يتحدث عن تفاوت الأقران في العلم والإتقان، حيث يبين أن بعضهم أفضل من الآخرين في الحفظ وضبط الرواية، ويقدم أمثلة على ذلك من أهل الحديث. يشير إلى أهمية معرفة منازلهم وإعطاء كل ذي حق حقه.

شروط قبول رواية المحدثين ومسألة الاختصار والتقطيع

يتناول شروط قبول رواية المحدثين، حيث يشترط أن يكون الراوي ثقة ومشاركاً للرواة الثقات، ويذكر أمثلة للرواة الذين لا تقبل روايتهم بسبب ضعفهم أو اتهامهم بوضع الأحاديث. كما يتناول مسألة اختصار الحديث وتقطيعه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن ولاها. ما بعد، وقفنا عند قول الإمام مسلم رحمه الله، وهو أن نعمد إلى جملة من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس. والطبقة هم القوم المتشابهون من أهل العصر، كما قال الإمام النووي رحمه الله: «القوم المتشابهون من أهل العصر يقال هؤلاء طبقة». قال: على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلابد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة. يعني يقول: أنه سيذكر من غير تكرار لهذه الأحاديث، إلا إذا وجد موضع يحتاج إلى تكرار الحديث لوجود فائدة من زيادة معنى، أو وجود إسناد آخر إلى جانب الإسناد الأول، فهنا يكرر ذكر الحديث. قال: «أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته، فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلم». فأما ما وجدنا بدا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه، فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى. يعني يقول: إذا احتجنا إلى ذكر الحديث وإعادته، فإننا نذكره بتمامه، وإن أمّ كان فصله من أصل الحديث، وذكر الشاهد من متن الحديث والمقصود من تلك اللفظة. وأمّ كان فصلها، فإننا نذكرها وحدها. وأما أن يذكر الحديث ويكرر لغير فائدة ولغير مقصد، فهذا لا يقع منه رحمه الله. وقوله: «أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره»، هذه المسألة وهي اختصار الحديث، اختلف فيها أهل الحديث: هل يجوز أن يختصر الحديث، أو أن يفصل بمن يقطع فيذكر جملة من الحديث دون بقية الحديث؟ فهل هذا يجوز أو لا يجوز؟ من أهل الحديث من منع، ومنهم من أجاز. والصحيح الذي عليه جماهير العلماء هو الجواز لمن كان عالما بما يحيل المعاني، من كان عالما بما يحيل المعنى ويغير المعنى، فهذا يجوز له أن يفصل الحديث ويقسم الحديث، فيذكر جملة من الحديث ويذكرها وحدها. وهذه القطع من الحديث ليس لها تعلق بما قبلها، فمثل هذا جائز. وهذا الذي عمله العلماء واستعمله أهل الحديث في كتبهم. أما إن كان لهذه القطع من الحديث تعلق بما قبلها، فهذا لا يجوز أن تفصل هذه اللفظة وأن تذكر وحدها دون ما قبلها. إذن، كما سمعنا، يجوز اختصار الحديث أو تقطيع الحديث إذا كان من يفعل ذلك عالما بما تتصل به المعاني وما يغير المعنى. فما كان فيه تغيير للمعنى فلا يجوز، وما لم يكن فيه تغيير للمعنى بأن كانت جمل بعض الحديث منفصلة عما قبلها في المعنى، فيجوز فصلها. قال: «فأما القسم الأول، فإن نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها». ومعنى نتوخى: أي نقصد أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها، يعني أصح من غيرها من الأخبار التي فيها شيء من الضعف أو من قلة الضبط والصحة. قال: «وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش». يعني أنه ينقل من الأحاديث ومن الأسانيد ما كان رواتها أهل إتقان وحفظ وضبط، ليس فيهم من عنده اختلاف شديد، بمعنى أن يكون هذا الراوي مخالفا للرواة الثقات في أكثر حديثه. فإن من كان كذلك يعتبر غير ضابط وعنده ضعف في ضبطه وفي حفظه، ومثل هذا يضعف. وأما إن كان الاختلاف مع المحدثين وبقية الرواة شيئا يسيرا، ليس في أكثر حديثه وفي أكثر رواياته، فمثل هذا يقبل حديثه. «ولا تخليط فاحش»، يعني يخلط في الأحاديث ما عنده ضبط، فيضطرب ويقدم ويؤخر ويغلط غلطا كثيرا، فمثل هذا كذلك يضعف. قال: «كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم». فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم. يعني ربما يذكر بعض الأحاديث التي رواتها أهل إتقان وحفظ، وربما يذكر بعد ذلك في نفس هذه الأحاديث أسانيد أخرى فيها بعض الرواة الذين تكلم فيهم. فإنه يذكرهم من باب المتابعة، أنهم قد توبعوا، ولهذا الحديث شواهد رواة ثقات، وهم دونهم في الحفظ والإتقان. هؤلاء الذين يذكرهم وفيهم كلام، ليسوا كمن تقدم ذكرهم من أهل الإتقان والحفظ، فإنما يذكرون من باب الشواهد والمتابعات. قال: «على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم»، يعني في الحفظ والإتقان، «فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم». يعني وإن كان هم دونهم في الحفظ والإتقان، إلا أن مثلهم قد يقبل حديثهم ويستشهد به، ويقبل في الشواهد والمتابعات. قال: «كعطاء ابن السائب، ويزيد ابن أبي زياد، وليث ابن أبي سليم». عطاء ابن السائب ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، كما أشار الإمام النووي رحمه الله أنه اختلط في آخر عمره. فمن سمع منه قديما فهو صحيح السماع، يعني من سمع منه قبل أن يختلط فروايته عنه مقبولة. ومن سمع منه متأخرا، أي بعد اختلاطه، فروايته مردودة. وذكر أن ممن سمع منه قبل الاختلاط سفيان الثوري، وشعبة. ومن سمع عنه بعد اختلاطه جرير ابن عبد الحميد، وخالد ابن عبد الله، واسماعيل، وعلي ابن عاصم. قال: هكذا قال أحمد ابن حنبل. ويزيد ابن أبي زياد، قال: يقال له أيضا يزيد ابن زياد. قال الحافظ: ضعيف. وقال يحيى بن معين: ليس هو بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الترمذي: ضعيف في الحديث. وليث ابن أبي سليم، ضعفه الجماهير من أهل العلم، وقالوا: اختلط واضطربت أحاديثه. فهؤلاء فيهم ضعف، ومع ذلك فإن أهل الحديث والعلماء يقبلون روايتهم على سبيل المتابعة، وعلى سبيل الشواهد. قال: «وأضرى بهم من حمال الآثار ونقال الأخبار فهم». فإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة. الأقران هم من اتفقوا في السن والأخذ عن المشايخ، من اتفقوا في السن أو تقاربا في السن والأخذ عن المشايخ، يقال: فلان قرين لفلان، يعني أخذ العلم من شيخ أو مشايخ متفقين. وهكذا تقاربا في السن، هؤلاء يسمون أقرانا. فأمثال هؤلاء لهم أقران، يعني من أهل الحديث، وهم أفضل منهم في الإتقان والحفظ وضبط الرواية، وأعلى منهم مرتبة ومنزلة. قال: «لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية». ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم: عطاء، ويزيد، وليثا، بمنصور ابن المعتمر، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، في إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهم متباينين لهم، لا يدانونهم. منصور ابن المعتمر من أتباع التابعين، والأعمش رأى أنس ابن مالك، من التابعين أو من الصحابة، رأى أنس ابن مالك من الصحابة. وإسماعيل بن أبي خالد، فإنه روى عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم من أهل الحفظ والإتقان. وكثير من أحدهم يقدمون منصور ابن المعتمر، كما أشار إلى ذلك الإمام النووي رحمه الله في شرحه. فهؤلاء الثلاثة: منصور، وسليمان، وإسماعيل، إذا قورنوا بالثلاثة الأول المذكورين، فإنهم يفضلون ويتقدمون عليهم لشرف منزلتهم، وقوة حفظهم، وضبطهم للحديث. قال: «وأنهم لم يعرفوا»، «ولا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك»، يعني في تقديمهم عليهم، «وأنهم يفارقونهم ويفاصلونهم في الدرجة والمنزلة والحفظ والإتقان». لما استفاض عندهم من صحة حفظ منصور، والأعمش، وإسماعيل، وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء، ويزيد، وليث. قال: «وفي مثله مجرى هؤلاء». إذا وازنت بين الأقران كابن عون، وأيوب السختياني، مع عوف ابن أبي جميلة، وأشعث الحمراني، وهما صاحبا الحسن وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل، وصحة النقل. وإن كان عوف، وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم. ابن عون: عبد الله ابن عون، وهو ثقة. السختياني: هو الإمام أيوب السختياني رحمه الله. وذكر من عبد البر رحمه الله أنه قيل له: السختياني، لأنه كان يبيع الجلود بالبصرة، كان يبيع الجلود بالبصرة، فقيل له: السختياني، وهو إمام في الحديث. وعوف ابن أبي جميلة يعرف بعوف الأعرابي، ولم يكن أعرابيا، لكن لقب بذلك. وعوفقه. وأشعث: أشعث الحمراني، هو ابن عبد الملك ابن عبد الملك الحمراني، نسبة إلى حمران، حمران مولى عثمان رضي الله تعالى عنه، وهو ثقة. وإن كان أنزلهم درجة، ويقال: ويقال اسمه أشعث ابن عبد الله الحداني. نعم، هذا آخر يقال له: أشعث ابن عبد الله الحداني. المهم أن إذا قورنا الآن بين ابن عون، وأيوب السختياني، مع عوف ابن أبي جميلة، وأشعث الحمراني، وكلاهما صاحب الحسن، وابن سيرين: الحسن البصري، وابن سيرين محمد ابن سيرين. إذا قورنا هؤلاء، هذان الاثنان أو هذان الاثنان: ابن عون، وأيوب، مع عوف ابن أبي جميلة، وأشعث، كان بينهما فرق، كان بينهما فرق واسع، وذلك لكمالي وإتقاني، وكذلك تقدم هذين الإمامين، وهما ابن عون، وأيوب، على عوف ابن أبي جميلة، وأشعث الحمراني. وإن كان يعني عوف، وأشعث غير المدفوعين، بمعنى غير مردودين الحديث، بل حديثهما مقبول، وهما ثقة، وعندهما صدق وأمانة. لكن المذكران أولان، أرفع منهما، وأحفظ منهما. قال: «ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم». وإنما مثلنا هؤلاء في التسمية، ليكون تمثيلهم سمة يصدر عن فهمها من غبي عليه طريق أهل العلم في ترتيب أهل الحديث، ومعرفة منازلهم. قال: «فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق فيه حقه، وينزل منزلته». وقد ذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم». هذا الحديث ذكره الإمام مسلم رحمه الله في هذه المقدمة على صيغة التمريض. قال: «وقد ذكر»، وهذا الحديث رواه أبو داود في سننه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو من طريق ميمون ابن أبي شبيب عن عائشة، ولم يدركها كما قال أبو داود رحمه الله. والحديث الذي في مقدمة صحيح مسلم ليست على شرط مسلم، ولهذا ينظر في أسانيدها، ويحكم عليها بما تستحق من الصحة والضعف. ومعنى الحديث صحيح: أن الإنسان يعطى منزلته، ويعطى قدره الذي يستحق. وفي مثل هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويحترم كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن من إجلال الله إكرام ذا الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ونحو ذلك من الأحاديث التي فيها الأمر بتقدير أهل الفضل، وأهل العلم، وأن يعطى الإنسان قدره ومنزلته. قال: «مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾». نعم، فالناس متفاوتون في المنزلة، وفي العلم، وفي الفضل، وهم على درجات، وعلى أقسام، وعلى أحوال. قال: «فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». نعم، عندي سؤال: من يقول: عندي ما في أحد شجاع؟ يقول: عندي الجواب عندك، ما شاء الله أنت بطل. قول القائل: «إن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء، وإنهما يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، ومن إساءة أهل السوء إحسانا»، حق أو باطل؟ حق أو باطل؟ وإن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء، وإنهما يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، ومن إساءة أهل السوء إحسانا. ها إيش حق أو باطل؟ صرح. صرح أو قول ما عندي جواب، عندك جواب، ما تعرف جزاك الله خير. ها سالم، ما الذي قال: الحق ها باطل، ليش باطل؟ يقول: «وإن قومي وإن كانوا ذوي حسب»، يعني أهل حسب وشرف ومنزلة، «ليسوا من الشر في شيء»، ما يفعلون شيئا من الشر، وإن كان شيء هين ويسير. «ومن ذلك يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة»، يعني إذا أحد ظلمهم يغفرون عنه. «ومن إساءة أهل السوء إحسانا»، إذا أساءوا إليهم أحسنوا إليه. أو نقول في السؤال على جهة الأصح: هل هذا مدح أو ذم؟ هل هذا مدح أو ذم؟ ها، ها عبد الرحمن، ذم، وجه الذم ما وجه الذم؟ لا يقول: ذوي حسب كيف ليسوا بحسب؟ يقول: إن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء. لا، لا، ليس هذا، ليس هذا وجه الذم. ها مجذم، مدح. ها يعفون عن الظالم، ويحسنون إلى المسيء، لكن هل أراد بهذا مدحهم أو ذمهم؟ مدحهم، مدحهم طيب. ها بسهل، مدحوا، ذم، ذم، وجه الذم ها يكفرون العدد، يكفرون العدد، ليس هذا وجه الذم، ليس هذا وجه الذم. ها أنهم ضعفاء، نعم، هو الآن يذمهم بأنهم جبناء وضعفاء، وإن كانوا عندهم يعني حسب، لكنهم ما عندهم قوة، ولا عندهم شجاعة. لهذا من ظلمهم ما يستطيعون أن يأخذوا حقهم منه فيعفون. وما أساء إليهم أحسنوا إليه لضعفهم وعجزهم، فأراد بهذا أن يذمهم، فهو ذم وليس بمدح. قال الإمام مسلم رحمه الله: «فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم». يعني من كان من الرواة متهما متهما بالكذب أو بالوضع أو نحو ذلك من الضعف الشديد، فأمثال هؤلاء لا يخرج حديثهم، ولا يذكر رواياتهم. قال: «لك عبد الله، وعبد الله بن مسور، والضائع أبي جعفر المدائني». قال: «وعمر بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب الذي صلب وقتل على الزندقة بسبب زندقته، وغياث، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمر أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار». يعني أنهم يضعون أحاديث ويخترعونها، ثم ينسبونها إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وتختلف مقاصدهم، منهم من يفعل ذلك لقصد الطعن في الدين، كحال أمثال هؤلاء من الزنادقة. ومنهم من يفعل ذلك لقصد ترغيب الناس في الخير. ومنهم من يفعل ذلك لقصد الشهرة. ومنهم من يفعل ذلك لقصد نيل شيء من متاع الدنيا. والمهم أنهم بهذا قد ارتكبوا أمرا عظيما، وأمرا محرما، وهو الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضا عن حديثهم». قال: «وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرغب، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها». فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله. يعني إذا قورنت روايته وقوبلت برواية الحفاظ، خالفت روايته روايتهم في الغالب والأكثر، ولم توافقها، فروايته مردودة وغير مقبولة، ولا يعمل بها. قال: «فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله ابن محرر، ويحيى ابن أبي أنيسة، والجراح ابن المنهال، أبو العطوف، وعباد ابن كثير، وحسين ابن عبد الله ابن ظميرة، وعمر ابن صهبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث». والمنكر عند أهل الحديث هو مخالفة الضعيف للثقة، إذا خالف في الحديث الضعيف فتسمى روايته منكرة، ويقال لهذا الحديث منكر. والمنكر الفرد به راو، غدا تعديله ليحمل التفرد، إذا خالف من لا ماذا يعني تقبل روايته إذا انفرد، فروايته منكرة. وأما إن كان المخالف ثقة أو مقبول الحديث كالصدوق لمن هو أوثق منه، فتسمى شاذة، تسمى روايته شاذة. قال: «فلسنا نعرج على حديثهم، ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث». أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم. فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبل زيادته. إذا وجد كذلك، بمعنى أنه شارك الثقات في رواية الحديث، ووافقهم ولم يخالفهم، فهذا يعتبر من الثقات والحفاظ الذين تقبل روايتهم. فإذا زاد شيئا عن غيره أو بقية الرواة، فلم يذكروها. فإنها تقبل زيادته، وهذا يسميه العلماء بقبول زيادة الثقة. وإن كان بعض أهل العلم يرى أنه إذا تفرد الراوي بزيادة وخالف بقية الرواة الذين شاركوه في الرواية في هذا الحديث، ولم يذكروا هذه الزيادة، فإنهم يعدونها شاذة، يعدونها زيادة شاذة. بخلاف ما لو تفرد برواية أو بحديث، ولم يشاركوه غيره في الرواية لهذا الحديث، وهو ثقة، فهنا تقبل روايته. لكن كونه يروي هذا الحديث ما عد من الرواة والمحدثين مثلا يروي هذا الحديث عشر من الرواة، يروون حديثا واحدا، ثم ينفرد واحد منهم، ينفرد واحد منهم فيذكر زيادة لم يذكرها غيره من هؤلاء العشرة، فهنا قد يقع يعني الظن أو يغلب على الظن أنه وهم بذكر هذه الزيادة، إذ أنه لم يذكرها بقية الرواة الذين شاركوه في رواية هذا الحديث. وحينئذ يحكم عليها العلماء بأنها بأن هذه الزيادة شاذة، لأنه خالف بقية رواته أو تفرد بذكر هذه الزيادة عن بقية الرواة. قال: «فأما من تراه يعمد لمثل الزهري»، وهو الإمام محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله الزهري. قال: «في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره». أو لمثله: هشام بن عروة، وحديثه ما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابه ما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره. فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم. فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم. يقول: رواية هؤلاء الأئمة كالزهري وهشام بن عروة رحمهم الله، قد ينقل أصحابهما أصحابهما عنهما حديثهما، يعني الرواية عنهما عن الزهري وعن هشام بن عروة، ويوافقونهم في أكثر الرواية، ثم يذكرون بعض الروايات عن أحدهما عن الزهري مثلا أو عن هشام بن عروة، وهذه الروايات لا يعرف أحد من أصحاب الزهري ولا من أصحاب هشام بن عروة. فمثل هذه الروايات لا تقبل، لأن هؤلاء الأئمة الثقات روى عنهم من روى عنهم من الثقات ممن قد حفظ حديثهم وأتقن حديثهم، فما لم يعلم من هذه الروايات التي تذكر شيئا يوافق ما رواه عنهم أصحابهما والرواة عنهم، فإنه لا يقبل. ويدل ذلك على عدم صحة هذه الروايات التي خالها فيها هؤلاء الرواة عن أصحاب هذين الإمامين. طيب، وعلنا نقف هنا، لأنه سيذكر بعد ذلك الكلام على وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين. ومما ينبه عليه أن الإمام مسلم رحمه الله لم يبوّب لصحيحه أبوابا كما فعل الإمام البخاري، الإمام البخاري رتب كتابه على الأبواب الفقهية. وأما الإمام مسلم، فإنه سرد الأحاديث سردا من غير أن يبصلها بأبواب. وإنما الذي فصلها وبوّبها الإمام النووي رحمه الله، الإمام النووي هو الذي بوّب لكتابه ورتبه على ترتيب الأبواب الفقهية. طيب، فالأبواب التي تمر معنا هي من وضع الإمام النووي رحمه الله. طيب، نقف هنا إن شاء الله. صلى الله وسلم عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.