نعمة الإسلام

الدرس في نعمة الإسلام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بعد صلاة الظهر من يوم الأحد 12 جمادى الآخر 1432هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وكثرة دخولها الجنة

تتميز أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها تشكل ثلثي أهل الجنة، حيث ورد في الأحاديث الصحيحة أنها ثمانون صفاً من مئة وعشرين. ويوم القيامة ينادي آدم بـ«بعث النار» مما يبرز عظمة هذا الفضل وشدة الحساب.

شهادة الناس على مصير الميت وثمرتها في الآخرة

من أثنى عليه الناس خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنوا عليه شراً وجبت له النار، والمؤمنون شهداء الله في الأرض. ويظهر ذلك في حديث الجنازتين وقصة المرأة الصابرة التي بشّرها النبي بالجنة.

التوبة من كبائر الجاهلية وإمكانية المغفرة

كانت الجاهلية ترتكب كبائر كشرك بالله ووأد البنات والسرقة، ومع ذلك تفتح باب التوبة لمن ارتكب جميع هذه الفواحش. ويؤكد الشرع أن التوبة النصوح تمحو ما قبلها وتقبلها الله.

  • 15 جمادى الآخرة 1432هـ - 18/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا أن وفقنا لزيارة إخواننا في هذا المسجد المبارك. أيها الإخوة في الله، إننا في الليل والنهار نتقلب في نعم كثيرة من نعم الله عز وجل، وأعظم نعمة يعطِيها العبد في هذه الحياة الدنيا هي نعمة الإسلام، وأن يكون من هذه الأمة المباركة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم. هذه الأمة التي أعطى الله سبحانه وتعالى نبيها وأعطاها ما لم يعطِ أحداً من الأمم السابقة، فهذه الأمة أكثر الناس دخولاً الجنة يوم القيامة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة»، قال: فكبرنا، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة»، قال: وماذا؟ لماذا أنتم شطر أهل الجنة؟ ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود. فهذه الأمة أعطاها الله عز وجل هذه الخصيصة أن يكونوا أكثر أهل الجنة. بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث بريدة، وهو في السنن، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أهل الجنة مئة وعشرون صفاً، ثمانون من هذه الأمة، ثمانون صفاً، يعني ثلثي أهل الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم». ولا تعارض مع الحديث الأول، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن الله عز وجل أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم من أمته أن يكونوا أولاً شطر أهل الجنة، ثم زاده سدساً، فكانوا ثلثين، كانوا ثلثين، والثلث الآخر من الأمم الأخرى. فهذه نعمة عظيمة لمن اعتنق دين الإسلام وشهد شهادة الحق. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: يقول الله تعالى في يوم القيامة: «يا آدم، أخرج بعث النار». والحديث في الصحيحين، حديث أبي سعيد: «يا آدم، أخرج بعث النار»، يعني: بعثني إلى النار. فقال آدم عليه السلام: وما بعث النار؟ قال: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة». قال: فحينها ﴿يَشِيبُ الْوِلْدَانُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. تخيل أخي هذا الموقف العظيم: الناس قبل أن يدخلوا الجنة أو لم يعلموا مصيرهم إلى جنة أو إلى نار، ينادى مناد: يا آدم، أخرج بعث النار. البعث هذا إلى النار، أولاً تسعمائة وتسع وتسعون من بني آدم، من ذرية آدم عليه السلام. ربما الواحد يظن أنه من ضمن هؤلاء، لكن رحمة الله عز وجل بأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكون التسعمائة والتسع وتسعون من يأجوج ومأجوج، وواحد من هذه الأمة. انظر يا عبد الله إلى هذه الفضيلة العظيمة، حينما تكون من المسلمين، من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتشهد شهادة الحق، وتكون متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تنجو يوم القيامة في ذلكم الموقف العظيم، حينما ينادي المنادي: بعث النار. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا وإياكم، وأن يجعلنا من أهل دار كرامته والجنة. إخواني في الله، تحتاجون إلى عمل، تحتاجون منا إلى صبر في هذه الحياة الدنيا على طاعة الله والتزام شرع الله جل وعلا. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما مرت به جنازة وأثنوا عليها خيراً، قال: «وجبت، وجبت، وجبت». جنازة تمشي والناس يقولون: هذا فلان، ويعطرون ذكره بالثناء الحسن، كانت أفعاله طيبة وأفعاله خيرة، والناس مرتاحون منه، لا يؤذيهم لا بلسانه ولا بيده ولا بغير ذلك من الأفعال، وإنما كان يبدل الخير حيثما استطاع، فعطر ذكره في الملأ بين الناس، لا يشهد له واحد ولا اثنان ولا ثلاثة، وإنما الناس أثنوا عليه، أثنوا عليه خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت، وجبت، وجبت». ثم مر بجنازة أخرى، انظروا يا عباد الله إلى الأعمال الصالحة التي تزكي صاحبها، والناس يشهدون له بالخير، والله سبحانه وتعالى يجعل ذلكم الشخص الذي عطر ذكره بالخير والثناء الجميل من أهل الجنة. فأثنوا عليها شراً، أفعاله والعياذ بالله سيئة، الناس يشمئزون من لقياه ومن رؤيته ومن ذكره، فلما أثنوا عليه شراً وارتاح العباد منه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وجبت، وجبت، وجبت». فقال عمر رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا رسول الله، مررت بالجنازة الأولى فأثنوا عليها خيراً فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومررت بالجنازة الثانية فأثنوا عليها شراً فقلت: وجبت، وجبت، وجبت. قال: «نعم، أما الجنازة الأولى فأثنيتم عليها خيراً فوجبت له الجنة، وأما الآخر فأثنيتم عليه شراً فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض». أنتم، أي المؤمنون، هم الذين يشهدون على هذا العبد بالأعمال الصالحة أو بالأعمال السيئة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار». قيل: بالثناء الحسن وبالثناء السيئ. والحديث صححه الألباني رحمه الله. يعني: الناس إذا أثنوا على هذا الشخص، ولا يثنون إلا بأعمال صالحة، يعني أن هذا الشخص داع إلى الله، نعتبره من الدعاة إلى الله، نعتبره من أهل البذر والإحسان والخير، نعتبره من أهل الأخلاق الحسنة التي يعامل بها الناس، نعتبره من أهل البر، نعتبره من أهل الصلة، وقس على ذلك يا عبد الله من الأعمال الصالحة التي لا حصر لها ولا عد. هذا العبد كان في الدنيا يعمل بما استطاع من الأعمال الصالحة التي أنزلت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالناس شهدوا له بأعماله. وذاك الآخر لا يعمل شيئاً، ليس مبالِياً بالأعمال الصالحة، ليس من أهل صلة الأرحام، ليس من أهل البر، ليس من أهل الخير والبذر والإحسان، وإنما بخلاف ذلك من الأعمال السيئة، فشهد له الناس، وهذه الأعمال السيئة تقود وتجر والعياذ بالله إلى نار جهنم، فأثنوا عليه شراً فوجبت له النار. وهكذا عباد الله، من الأعمال الصالحة: الصبر على ما يقدره الله عز وجل على العبد من المصائب والبلايا والأمراض. قد تبتلى يا عبد الله بشيء من الأمراض التي لا شفاء لها، التي لا يوجد لها دواء في ذلك المجتمع الذي أنت فيه، تبتلى بمرض من الأمراض، إن صبرت لعل الله عز وجل يجازيك بصبرك الجنة. يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: جاءت امرأة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وبها لمم، يعني بها مرض، والحديث بمعنى في الصحيحين من حديث ابن عباس: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها لمم، فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يشفيني. فقال لها عليه الصلاة والسلام: «إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك». وفي حديث ابن عباس أنها قالت: «بل أصبر ولا أدع الجنة خطراً»، يعني تصبر على المرض من أجل الجنة. فهذه رحمة الله سبحانه وتعالى بهذا العبد، أن الله عز وجل يبلغه تلكم الجنان العاليات بسبب عمل ربما الواحد منا اليوم لا يقدر على مَذَلّه، لكن هذا الصبر العظيم على البلوى من هذه المرأة جعلها من أهل الجنة، كما قال ابن عباس لعطاء. وهكذا أيضاً عباد الله، ربما يكون عمل من الأعمال الصالحة وهو أعظمها: حسنة التوحيد، حينما يشهد ذلكم العبد تلكم الشهادتين العظيمتين، وهي شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أبو طويل، واسمه شطب الممدود، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً عمل أعمالاً في الجاهلية، ما ترك عملاً إلا وفعله، ولم يسمِ ما هي الأعمال، ما ترك عملاً إلا وفعله. تخيل في الجاهلية ماذا كان يفعل، أعظمها الشرك بالله سبحانه وتعالى، وهكذا ربما الدناء، وربما وأد البنات، وربما السرقة، وغير ذلك من الأعمال، كبائر وعظائم للذنوب. قال: ما ترك عملاً إلا فعله، ولا حاجة ولا فاحشة إلا ارتكبها، فهل له من توبة؟ قال له: هل له من توبة