ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله

المحاضرة بعنوان ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

الخشوع لذكر الله وعتاب المؤمنين في سورة الحديد

يشرح المقطع آية سورة الحديد التي يعاتب الله فيها المؤمنين على تأخر خشوع قلوبهم لذكره، مستشهداً بتعجيل العتاب للصحابة بعد أربع سنوات فقط من إسلامهم. ويبين معنى الخشوع بوصفه ذلاً وسكينة وخوفاً وليناً للقلب، محذراً من طول الأمد الذي يقسي القلوب كما حدث لأهل الكتاب، ومؤكداً أن الخشوع في الصلاة علامة الفلاح.

سير السلف في الخشوع وآية الإنابة

يحذر النص من قسوة القلوب عن ذكر الله وآياته، ويستعرض بكاء النبي ﷺ والصحابة عند سماع القرآن تأثرًا وتدبرًا. ويذكر قصة هداية ابن المبارك والفضيل بن عياض بآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، داعيًا إلى الخشوع لكتاب الله وترك اللهو.

توبة الفضيل بن عياض وأثر القرآن في رمضان

تحكي القصة كيف تاب الفضيل بن عياض من قطع الطريق والمعاصي بعد سماعه آية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم تأكيده على التوبة حين سمع الناس يخافون منه. ويؤكد المتحدث على ضرورة تدبر القرآن والإكثار من تلاوته في رمضان اقتداءً بالسلف كمالك والشافعي، محذراً من التقصير في حق القرآن.

خطر الإعراض عن القرآن والاستبدال بالقوانين الوضعية

يتحدث المقطع عن خطورة إعراض الناس عن القرآن الكريم واستبداله بقوانين من صنع البشر، مما يؤدي إلى قسوة القلوب كما ورد في الآية الكريمة. ويختتم بدعاء بأن يرقق الله القلوب بالقرآن ويجعله شفاء للهموم والأحزان.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا أن وفقنا في هذا الشهر المبارك فيما مضى من صيام هذا الشهر وقيامه، فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا وأن يتمم لنا بالحسن والصالحات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. حديثي مع إخواني في هذه الدقائق عن آية من كتاب الله جل وعلا، هذه الآية الكريمة فيها عتاب من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، يعاتبهم الله جل وعلا إذا تأخروا عن الاستجابة لكتاب الله سبحانه وتعالى، وعن التفكر والتدبر في آياته، لأن هذا القرآن العظيم هدى ونور للناس أجمعين. هذه الآية الكريمة هي قوله جل وعلا في سورة الحديد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. تأمل أخي المسلم في هذه الآية العظيمة، حيث يخاطب الله عز وجل جميع المؤمنين، ويقول: ألم يأنِ أن يأتي ويجيء الوقت الذي تخشع فيه قلوب المؤمنين لذكر الله عز وجل؟ وهذه الآية الكريمة متى أنزلت؟ أنزلت في المدينة لأن السورة مدنية، قال بعض المفسرين: أنها بعد ثلاث عشرة سنة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد ثلاثة عشر عامًا والنبي عليه الصلاة والسلام يدعو الناس أولًا في مكة، ثم هاجر إلى المدينة، يعني في بداية الهجرة. جاء في صحيح الإمام مسلم حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله جل وعلا بهذه الآية إلا أربع سنين»، أربع سنوات من إسلامهم يعاتبهم الله عز وجل، الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم من هم، هم الذين جاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم الذين تحملوا الأذى، هم الذين جاءت أوصافهم في القرآن العظيم بأن قلوبهم لينة وأنها تخشع لذكر الله عز وجل، ومع ذلك يعاتب الله عز وجل المؤمنين. ذكر بعض المفسرين في نزول هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل استبطأ قلوبهم لما هاجروا إلى المدينة، وكان هناك في المدينة بعض الركود والهدوء والسكون، غير ما كان في مكة من الأذى والابتلاء، فربنا عز وجل عاتبهم: لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب، لا يطول عليكم الزمان فتقسوا قلوبكم عن ذكر الله عز وجل. وقد جاء أيضًا في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين لشيخنا مقبل رحمه الله تعالى حديث سعد بن أبي وقاص: أنهم أتوا -أي الصحابة رضي الله عنهم- إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، أقصص علينا، يعني: اذكر لنا شيئًا من القصص، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَلِفْ لَا مِرْيَةَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. فجاءوا مرة أخرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، ذكرنا، هنا يريدون التذكير والموعظة، قال: فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية المباركة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ففي هذه الآية إشارة، وفيها أيضًا تحذير أن أهل الإيمان يكونون مثل أهل الكتاب السابقين الذين كان فيهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكنهم يستعجلون ويريدون أن تظهر النتائج بسرعة، فيطول عليهم الزمان فيملون ويتركون كتاب الله الذي بين أيديهم، وربما يسعون في تحريفه وتبديله كما فعل أهل الكتاب، والله المستعان. فانظر يا عبد الله، هذه الآية الكريمة يقول ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وأن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين. لماذا؟ ما تخشع قلوبكم؟ والخشوع عباد الله يأتي بمعنى التذلل، لماذا لا تذلوا لله سبحانه وتعالى لآياته؟ ويأتي بمعنى السكون، وبمعنى اللين، وبمعنى الخوف، كل هذا في معنى الخشوع. ولا شك أن مكان الخشوع هو القلب، فإذا خشع القلب سكنت الجوارح، ولانت الجوارح، وذلت الجوارح، كل هذا إذا حصل خشوع في القلب. لكن إذا لم يحصل الخشوع في القلب لا تلين ولا تذل ولا تخضع ولا تخاف، والعياذ بالله. الله عز وجل أثنى على المؤمنين في سورة المؤمنون حيث قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، بماذا أفلحوا؟ قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، يعني: خائفون، ومع خوفهم أيضًا هم ساكنون، كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنه. تجد الواحد الآن إذا جاء إلى الصلاة ربما لا يتأثر بالقرآن، لا تدمع عينه لآيات الوعيد، ربما كثير الحركات في الصلاة، منشغلًا بثوبه والنظر هنا وهناك، ولا ينظر إلى مواضع السجود، ويفكر كثيرًا في الخارج وغير ذلك مما يشغل عن سماع القرآن وتدبر القرآن. يا أخي، جبل، جبل، كما أخبر الله عز وجل، هذا الجماد الذي نرى أنه لا يتحرك، ومع ذلك لو أنزل عليه هذا القرآن لخشع وتصدع من خشية الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا عز وجل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. فما بال قلوبنا عباد الله إذا جاءت إلى الصلاة وتليت عليها آيات الله عز وجل لا تتأثر ولا تتحرك إلا من رحم الله؟ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون. وجلت عند سماع القرآن: خافت عند سماع القرآن، تأثرت عند سماع القرآن، تأملت وتفكرت، وقل ما شئت من هذه العبارات التي فيها معنى أن هذا القلب يخشع ويلين لذكر الله عز وجل. لهذا قال بعض السلف: إذا قسى القلب جفت العين، إذا قسى القلب جفت العين، يعني: ما تدمع العين لو تليت عليها ما تليت من آيات الله عز وجل؟ لماذا؟ لأن القلوب قاسية. وقسوة القلوب لها أسباب، وليس هذا محل ذكرها، لكن الله عز وجل حذر المؤمنين في هذه الآية المباركة أن يكونوا مثل أهل الكتاب، أن تقسوا قلوبهم عن ذكر الله عز وجل، وما يتلى عليهم من الآيات وهم يسمعونها ولا يتأثرون بها ولا يعملون إذا سمعوها، لأن القرآن أنزل للتدبر وأنزل للعمل به: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وانظروا يا عباد الله حال السلف الصالح، نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء عنه في أكثر من حديث أنه عليه الصلاة والسلام كان يبكي لسماع القرآن. ذكر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «اقرأ علي القرآن»، قال: أقرأ عليك يا رسول الله وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، قال: فتلوت عليه من سورة النساء حتى إذا بلغت قول الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، قال: «حسبك»، قال: فالتفت فإذا عيناه تذرفان. رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثر بهذه الآية العظيمة حتى ذرفت عينه، وذكر أنه يوم القيامة يكون شهيدًا على أمته. وهكذا أيضًا جاء بسند حسن في قول الله عز وجل وهو قول عيسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، يقول الصحابي رضي الله تعالى عنه: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا هذه الآية، وجاء في بعض الروايات -الضعيف- أنه كان يكررها في صلاة الليل حتى أصبح، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية مرة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، هذا قول عيسى عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب الله جل وعلا، وأخبرنا الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه الكريم، قال: فبكى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: «أمتي، أمتي، أمتي، أمتي»، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام وسأله: أن الله عز وجل يقول له: ما يبكيك وربك أعلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمتي، أمتي»، هذا هو الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما تأمل في هذه الآية المباركة أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، قادر أن يعذب هؤلاء: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فنزل جبريل مرة أخرى وجاء الخبر من الله جل وعلا أنه قال له: «أن سنرضيك في أمتك ولا نسوءك». فانظروا يا رحمكم الله كيف خشوع النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن العظيم، وهكذا الصحابة. ألم يذكر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان رجلًا أسيفًا، لا يسمع الناس من البكاء، كما قالت عائشة لما قال عليه الصلاة والسلام في مرضه: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف لا يسمع الناس من البكاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، يريد النبي عليه الصلاة والسلام من هذا الرجل البكاء أن يبكي الناس، لماذا يبكيهم؟ لأن القلوب يا عباد الله تقسوا، القلوب إذا لم تلن وإذا لم تدمع من كلام الله جل وعلا الذي لو أنزل على الجبال لتصدعت وخشعت، ولقطعت الأرض به كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾، بل لله الأمر جميعًا، والجواب محذوف وهو جواب «لو»، أي: لكان هذا القرآن العظيم، لكان كتاب الله تسير به الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى، تنشق وتتصدع له الجبال، لكن قلوب بعض الناس، عياذًا بالله، لا تحرك ساكنًا، ما كأن يتلى عليها آيات الله سبحانه وتعالى، أبد الأمر عادي جدًا. يا أخي، هذا كلام الله سبحانه وتعالى ينبغي أن تتفكر وتتأمل فيه عندما تقرأ وحدك، وعندما كذلك يقرأ عليك، كما قرأ على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ذكر عن بعض السلف فيما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو زرارة بن أوفى، تابعي من التابعين، وكان قاضيًا في البصرة، أنه قرأ قول الله عز وجل في صلاة الفجر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، قالوا: شهق شهقة وسقط ميتًا، شهق شهقة، فإذا نقر في الناقور، أي: نفخ في الصور، فتذكر يوم القيامة، يوم العرض على الله سبحانه وتعالى، هكذا السلف. ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة، وهي قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، أنها كانت سببًا في هداية بعض العاصين، وهم بعد هذه الآيات بعدما سمعوها وتأملوا فيها تابوا إلى الله، فصاروا من أئمة الهدى، صاروا من العلماء الكبار المشهورين المذكورين في كتب الحديث والسنة، هذان الرجلان هما: ابن المبارك، والفضيل بن عياض. ما سبب هدايتهما؟ يحكي ابن المبارك قصته رحمه الله أنه كان ممن يحبون الغناء ويضربون بالعود، وكان يسمر مع أصحابه، في مرة من المرات خرجوا إلى بستان هو وأصحابه، قال: فأكلوا من ثمر ذلك البستان وشربوا حتى جاء الليل، قالوا: ننام قليلًا ثم نصحو بعد ذلك ونسمر، قال: فناموا قليلًا، فقام ابن المبارك ومعه العود، فأراد أن يضرب العود، وواحد من الآخرين يغني، فضرب العود فلم يضرب، ضرب العود فلم يضرب، ضرب العود فلم يضرب، قال: وسمع آية من كتاب الله، من أين سمعها لا يدري: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، قال: بلى، قد آن، يعني: الآن رجع إلى الله سبحانه وتعالى، آن يخشع هذا القلب لذكر الله، ولا يستمع للأغاني لأنها تفسد القلب وتقسي القلب. فهذا فيه ذكر للذين يستمعون اللهو والباطل، ويستبدلون كلام الله جل وعلا العظيم بمثل كلام البشر، بل عليهم أن يتوبوا إلى الله، ويقولوا: آن الأوان أن نكسر، إذا كانت معهم هذه الآلات، آلات اللهو، يضربون بها، أو أدخلوها إلى بيوتهم، آن الأوان أن لا نستمع إلا لكلام الله عز وجل الذي ترق له القلوب، قال: فكان سبب هدايته، وكان سبب زهده، وكان كذلك سبب رجوعه إلى الله جل وعلا. وهكذا الفضيل بن عياض فيما يحكى عنه أنه واعد جارية، واعد جارية فجاء إلى بيتها، فصعد الجدار وتسلق الجدار، فسمع قارئًا يقرأ، ولعله من ذلك البيت أحد يصلي في جوف الليل، قرأ بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، قال: بلى، قد آن، ورجع إلى الله سبحانه وتعالى، وقال: تبت إلى الله، رائح يعمل معصية، كم من شخص ما يتذكر؟ ربما يستمر في المعاصي، والعياذ بالله، لكن يأتيه النذير من الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فقال: تبت إلى الله، ورجع إلى الله، وذهب يريد أن يعبد الله، في الطريق دخل إلى خربة، يعني: خرابة، ووجد فيها أناسًا من أبناء السبيل الذين يمرون في الليل، وهم يتكلمون فيما بينهم لأن المكان ظلم، ولا يرون الفضيل بن عياض، وكان مشهورًا بقطع الطريق أيضًا، كان الناس يخافون من الفضيل بن عياض أنه يقطع الطريق، لا يترك أحدًا أبدًا، يأخذ ما معه، قالوا: كيف نبيت في هذا المكان، وربما الفضيل بن عياض يمر بنا وموجود؟ فسمع هذا الكلام، قال: سبحان الله، الناس يخافون مني، يعني: الناس ما حتى ينامون ويذوقون النوم خوفًا من أن يقطع طريقهم أو يهجم عليهم الفضيل بن عياض، قال: والله تبت إلى الله ولا أرجع إلى هذا العمل أبدًا، ولا أرجع إلى هذا العمل أبدًا، تاب من قطع الطريق، تاب من المعاصي، ورجع إلى الله بسبب آية من كتاب الله، لأنه تدبرها وتأملها. متى يا أخي يحين الوقت لكي تتوب إلى الله وترجع إلى الله عن ذنوبك وتخشع لكلام الله سبحانه وتعالى؟ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾، لك من الذي يقول لك ذلك؟ إنه الله عز وجل، أيها المؤمن، ليس أنا ولا أنت، ليس أمك ولا أبوك، ليس أميرك، إنما الذي يقول لك: ألم يأنِ لك يا عبد الله، هو ربك سبحانه وتعالى، ألا تسمع لمولاك؟ ألا تسمع لخالقك وهو يدعوك إليه، وأن تخشع لكلامه، وأن تسمع آياته وأنت تتدبرها وتتفكر فيها، ولا تكن كأولئك الذين يرون الحياة طويلة؟ كثير من الناس ربما يؤمل، يظن أن الحياة طويلة، الحياة ما هي طويلة يا أخي، الحياة قصيرة، وأمدها قصير، وأنت عمرك إذا لم تفنه في عبادة ربك وطاعته وتعمل بما أمرك الله عز وجل به خسرتها. في الدنيا كم ستعيش؟ ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، أوتوا يعني: عندهم كتاب، ليسوا من الناس الذين ما جاءهم شيء، أنت كذلك يا عبد الله عندك كتاب، عندك القرآن تتلوه آناء الليل وآناء النهار، خاصة في رمضان، كم نسمع يا عباد الله في صلاة التراويح، في صلاة القيام، آيات كثيرة، ربما بعضهم ختم القرآن في رمضان عدة مرات، وإن كنا يا عباد الله مقصرين في هذا الجانب، وهو جانب تلاوة القرآن في رمضان، كم ختمناها؟ ذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يختم ستين ختمة، ستين ختمة، اليوم خمسة أجزاء لو قرأها الواحد في هذا الوقت لكانت كثيرة، يعني: يراها كثيرة ويتعب منها، ما شبعنا من كلام الله عز وجل لأن قلوبنا ما سلمت، لو سلمت قلوبنا كما قال بعض السلف: لو سلمت القلوب ما شبعت من كلام الله أبدًا، والله ما تشبع، تقرأ وتقرأ وتقرأ وتستلذ بكلام الله سبحانه وتعالى وتطمئن، كما ذكر الله عز وجل عن حال أهل الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، وأعظم الذكر هو ماذا؟ هو القرآن العظيم، فالمؤمنون يرتاحون عند سماع القرآن. النبي عليه الصلاة والسلام ماذا كان يقول لبلال؟ «أرحنا بها يا بلال»، يعني: الصلاة، يريد أن يقرأ القرآن. كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم في رمضان يقرأون بالمئين، المئين، يعني: مئات الآيات، حتى كانوا يعتمدون على العصي في قيام الليل، يعتمدون على ماذا؟ على العصي، وهم شباب، ليسوا شيبة، يعني: أغلبهم شباب أو أقوياء رجال، مع ذلك من كثرة القراءة كانوا يعتمدون على العصي. نحن ما فعلنا مثله، ولا نستطيع أن نكون مثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد في العبادة، لكن أقل شيء واحد: عندما يأتي للقرآن يأخذ حاجته منه من القراءة والتدبر والتأمل، ويجعل حظه كثيرًا في هذا الشهر المبارك، فهذا شهر القرآن، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. السلف رضوان الله تعالى عليهم، ورحم الله الجميع، كانوا في شهر رمضان يكثرون من قراءة القرآن، حتى ما كانوا يجالسون الذكر، ما كانوا يكثرون منها. الإمام مالك كما جاء عنه أنه في رمضان ما كان يحدث، يقول: شهر القرآن، ليل ونهار، شهر القرآن. الشافعي كما سمعتم: ستين ختمة، هل هو جالس للدروس؟ لا، قرآن، صلاة، قرآن، ذكر لله سبحانه وتعالى، حتى يختم ستين ختمة. الوحي يسأل نفسه الآن: كم ختمت القرآن في رمضان؟ كم قرأته في اليوم؟ جزءًا، سيجد الحصيلة قليلة، أحسن واحد: خمسة، خمس مرات ختم القرآن، أو قل: عشر مرات، للمجتهد، أقل واحد يقول لك: ربما في اليوم جزء، وهو: «يلا نخلصه»، يعني: كم في شهر رمضان؟ ربما يخلص ختمة واحدة، وهذا لا شك أنه تقصير وتفريط في هذا الكتاب العظيم. القرآن العظيم يا أخي، لا تستبطئ الأجر والثواب، ولا تستبطئ كذلك وعد الله سبحانه وتعالى الذي وعد به عباده المؤمنين من العيش في هذه الحياة الدنيا العيش الطيب والنصر والتمكين، لكن الشأن كل الشأن: أين أنت وقربك من كلام الله عز وجل؟ أين أنت وتطبيقك لكلام الله عز وجل؟ انظروا الآن حال الناس في هذا الزمان، حالهم يرفى له، حالهم يرفى له، ثورات وانقلابات واعتصامات، وأكثر المجالس والجلوس هو عن الأوضاع السيئة التي تمر بها البلاد أو غيرها من البلاد، الأوضاع والأزمة والأزمة والأسعار وغلاء الأسعار، كل هذا حاصل وموجود، لماذا؟ لأنهم لجأوا إلى غير الله، أرادوا بالدنيا الأخرى، لما تركوا كتاب الله سبحانه وتعالى والعمل به، كان ما كان من أحوالهم، وأن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أهل الكتاب هكذا، عندهم رسولهم، عندهم كتاب ربهم الذي أنزل على رسولهم، لكن رأوا المدة، المسافة طويلة، إلى متى؟ إلى متى؟ إلى متى؟ تركوا الكتاب، حرفوا، بدلوا، غيروا، جاءوا بقوانين من عند أنفسهم وطرحوها، كما يفعل الآن الناس في بلاد الإسلام، يتركون كتاب الله الذي فيه الهدى والنور، الذي فيه الفصل، ويأتون بقوانين يضعونها من عندهم، من عند الغرب، يظنون أن فيها الحل الشافي والناجع، لكن كل هذا لا ينفع، فتقسو القلوب، كلما بعدت القلوب عن كتاب الله كلما قست القلوب، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرقق قلوبنا بكتابه، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وشكر الله لكم، والحمد لله رب العالمين.