تعظيم حرمات الله والحذر من انتهاكها

المحاضرة بعنوان تعظيم حرمات الله والحذر من انتهاكها، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

فضل العشر من ذي الحجة وحرمة الأشهر الحرم وتحريم الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض

تناولت الخطبة فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة وحثت على الإكثار من الطاعات فيها، مع التنبيه إلى حرمة الأشهر الحرم وتحريم الظلم والاعتداء على الدماء والأموال والأعراض مستدلاً بالآيات والأحاديث. وحذرت من استباحة المحرمات بحجة الفوضى أو الثورة.

تحريم انتهاك حقوق العباد في الأشهر الحرم وقصة صلح أبي بكر وعمر

أكد المقطع حرمة الاعتداء على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم خاصة في الأشهر الحرم، مبيناً أن ظالم الناس تُؤخذ حسناته يوم القيامة لتعويض المظلومين وقد يُطرح في النار. وضرب مثلاً بصلح أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كقدوة في المبادرة بالتوبة والصفح.

خصومة أبي بكر وربيعة الأسلمي وعفو الصحابة وصفاء قلوبهم

وقع خلاف بين أبي بكر الصديق وربيعة الأسلمي في نخلة، فتكلم أبو بكر بكلمة ندم عليها وأصر على القصاص في الدنيا، فرفض ربيعة احتراماً لمكانته، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول ربيعة: غفر الله لك يا أبا بكر، فبكى أبو بكر. وتبرز القصة حرص الصحابة على المبادرة بالصلح وخوفهم من غضب الله ورسوله.

الإكثار من الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله

حث المتحدث على كثرة الاستغفار والتوبة وطلب العفو والمسامحة لكي يعود العبد إلى الله وهو على خير عظيم. كما دعا الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من النار. عباد الله، كلنا يعلم أننا في مثل هذه الأيام المباركة، أيام العشر ولياليها، يستكثر كثير من الناس فيها من الطاعات والعبادات المشروعة، كل ذلك ابتغاء الأجر والثواب من الله جل وعلا، اقتداءً بأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وانقيادًا لسنته عليه الصلاة والسلام. كثير من الناس يعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم القائل: «ما من أيام العمل الصالح أحب فيهن إلى الله من هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء». والناس في هذه العشر منهم من يتقرب إلى الله بالصيام، ومنهم بالأضحية، ومنهم من يذهب إلى ذلك المكان الطاهر إلى حج بيت الله الحرام، ويقف في تلك المشاعر العظيمة التي وقف فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أعمال صالحة كثيرة في هذه العشر المباركة التي رغب فيها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمة أن تعمل وتستزيد فيها من الصالحات. ولكن هناك -عباد الله- أمرًا ينبغي لكل مسلم أن يتنبه له وأن يضعه نصب عينيه، فلا يكفي فقط يا عبد الله أنك تعمل صالحًا، أنك تعمل صالحًا فحسب، بل كذلك ينبغي أن تجتنب ما نهى الله عز وجل عنه من المحرمات والمنكرات، خاصة في أيام فاضلة وأشهر جعلها الله عز وجل أشهرًا حرامًا. فنحن في شهر ذي الحجة، وشهر ذي الحجة من أشهر الحرم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾. فحذر ربنا جل وعلا من الظلم في الأشهر الحرم، لأن الخطيئة والسيئة عظيمة عند الله، خاصة إذا ارتكبت في أشهر حرام. انظروا -عباد الله- إلى العرب، ما عدم إيمانهم بالله سبحانه وتعالى ورسوله، إلا أنهم كانوا في الجاهلية يعظمون من الأشهر الحرم، حيث أنهم لا يقاتلون فيها، لا يتقاتلون في الأشهر الحرم، لا يسفكون الدم في الأشهر الحرم، لا يعتدون على الأراضي في الأشهر الحرم، لا يعتدون على الغير لا بالغصب ولا بالنهب ولا بالسلب ولا بغير ذلك في الأشهر الحرم، يعظمونها. جاء الإسلام مؤيدًا ومقرًا لما كانت عليه العرب من تعظيم الأشهر الحرم، وزاد حرمة -عباد الله- حيث أن نبينا صلى الله عليه وسلم وقف في ذلك الموقف العظيم أيام النحر، في يوم النحر، وقف النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته العظيمة بين ذلك الجمع المبارك، وهو يقول لهم ويسألهم عليه الصلاة والسلام، في حديث أبي بكر في الصحيحين، وجاء عند أحمد من حديث رجل من الصحابة رضي الله عنه مجمعين، وهو يقول لهم: «أي يوم هذا؟». في حديث أبي بكر: قالوا: الله ورسوله أعلم، الله ورسوله أعلم، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وسكت الصحابة حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. وفي حديث رجل من الصحابة أنهم قالوا: يوم النحر. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لما سألهم عن هذا اليوم العظيم: هذا يوم النحر. قال: «نعم، صدقتم، هذا يوم الحج الأكبر». ثم سألهم عليه الصلاة والسلام: «أي شهر هذا؟». في حديث أبي بكر: قالوا: الله ورسوله أعلم. وفي حديث رجل من الصحابة أنهم قالوا: شهر ذي الحجة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقتم، شهر الله الحرام»، يعني تأكيدًا لحرمته، شهر الله الحرام الذي علمتموه من قبل. ثم سألهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أي بلد هذا؟» فقالوا: هذا البلد الحرام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقتم، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء بتحريم هذه الأمور المذكورة في هذا الحديث من الدماء والأموال والأعراض، فلا ينبغي للمسلم أن ينتهك دمًا ويسفك دمًا حرامًا في شهر حرام، لأن ذلك أعظم حرمة عند الله تبارك وتعالى. كما أنه أيضًا لا ينبغي له أن يعتدي على أموال الغير، لا يعتدي بالسرقة ولا بالنهب، ولا كذلك يعتدي على أموال الغير بالتكسير والتخريب والتدمير، لا يعتدي على سيارات ولا على محلات تجارية ولا على نحو ذلك، لا يجوز له. كما أنه لا يجوز له سائر الدهر أن يعتدي بغير حق على دم امرئ مسلم أو ماله، كذلك يكون آكد عندما يكون في شهر الحرام. ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه. الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾. يعني هذه الأمور من حرمات الله، لا تنتهكها يا عبد الله، لا تجعل لنفسك مسوغًا بأن تقول: ثورة، أو نحو ذلك، هذا يجوز، هذا للزوال، أو نحو ذلك مما قد يفعله الناس في هذه الأيام، كما يسمع أو كما يرى أو كما يشاهد في كثير من البلاد التي عمت فيها الفوضى والعياذ بالله، فلا يعظمون شهرًا حرامًا، كم تسفك من دماء، يتقاتل المسلم مع أخيه المسلم، ويصوب سلاحه ويشهره فيه والعياذ بالله، وكم كذلك أخذت من أموال وسلبت من أموال وقطعت ودمرت من أموال. لا يجد -عباد الله- هذا، فنحن مسلمون ندين بدين الإسلام، والإسلام حرم هذا -عباد الله-، وخاصة في مثل هذه الأيام المباركة، لا يكفي فقط أن تستزيد من الأعمال الصالحة ثم تذهب والعياذ بالله وتنتهك مال غيرك أو تسفك دم غيرك أو كذلك تنتهك عرض غيرك في أشهر حرام، تتكلم عليه بما لا يحق وتنتهك عرضه، فلا يجوز هذا -عباد الله-. على المسلم أن يرجع ويتوب إذا حصل منه شيء من ذلك، أن يتذكر وقوفه بين يدي ربه سبحانه وتعالى يوم القيامة، وأنه سائله عن هذه الأمور العظام من الأعراض والأموال، ماذا فعل فيها؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري وغيره: «من كان له عنده مظلمة من عرض أو نحو ذلك، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار». يعني يوم القيامة ما في درهم ولا دينار، قال: «وإنما هي الحسنات والسيئات، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له عمل صالح أخذت من سيئات صاحبه فحملت عليه». وهكذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الآخر: «تدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من أتى بحسنات كبيرة كثيرة أمثال الجبال، ربما يفعل خيرات من حج ومن صيام ومن صدقة ومن بر ونحو ذلك، يفعلها في أيام مباركة تستزاد فيها وتضاعف فيها الحسنات وترفع فيها الدرجات، لكن بالمقابل يخلط هذا المسكين، يخلط العمل الصالح بعمل سيء، فيحاسب يوم القيامة على حسابه». فقال عليه الصلاة والسلام: «من أتى بحسنات عظيمة كثيرة، ولكنه شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا». هذه عظائم، فكيف لو فعلت في شهر حرام وفي أيام مباركة؟ انظروا -عباد الله-، فإذا كان هذا لا يجوز في سائر الأيام، فكيف إذا فعلت في مثل هذه الأيام؟ يعمل عملًا صالحًا، لكنه لا يتورع أن يأخذ أموال الناس، لا يتورع أن يتكلم في أعراض الناس. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث: «فيأخذون من حسناته». هؤلاء لهم ظالم، حقوق العباد كما قال أهل العلم مبنية على المشاحة، أي لا تسامح فيها يوم القيامة، لابد كل واحد يأخذ حقه ممن ظلمه، إن كان ظلمه بسفك دم، إن كان ظلمه بانتهاك عرض، إن كان ظلمه بأخذ مال، لابد أن يأخذ حقه، ومما سيأخذه يوم القيامة إنما سيأخذه من حسناتك يا عبد الله. لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيأخذون من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذت من سيئات فطرحت عليه، ثم طرح في النار». أصبح صفرًا، ما عنده شيء من الحسنات، أخذت حسناته التي عملها طول حياته الدنيا من الأعمال الصالحة، لكنه ما حفظ لسانه ولا حفظ يده ولا حفظ جوارحه عن إخوانه المسلمين. المبادرة، المبادرة -عباد الله-، صحابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يضربون لنا أمثلة رائعة جدًا، والله لو تأملناها في حياتنا الدنيا لطرنا على خير عظيم، تأملناها وعملنا بها، يضربون أمثلة رائعة في العفو والصفح والتسامح والندم والتوبة والرجوع إلى الله بسرعة، ما يؤخرون. يعني لو حصل منه شيء في حال مثلا أنه غضب، حصل بينه وبين أخيه شيء من كلام ونحو ذلك، بشر يا عباد الله، والعصمة لمن عصم الله سبحانه وتعالى. يقول أبو الدرداء: «كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجاء أبو بكر وهو رافع ذؤابته حتى بلغ إلى ركبته، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما صاحبكم فقد غامر، يعني حصل شيء عظيم، أما صاحبكم فقد غامر. فجاء فسلم، فقال: يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء». وهذا من تلطف العبارة، ابن الخطاب غير موجود، لكنه قال: «يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، وإني أسرعت إليه ثم ندمت، فطلبت منه أن يغفر لي فأبى عليه، فجئتك يا رسول الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر»، قالها ثلاثًا، عليه الصلاة والسلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». وما دام أن أخاك المسلم ندم على ما حصل منه، فينبغي أن تقبل منه إذا استسمح وطلب منك العفو والمسامحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غفر الله لك يا أبا بكر». ثم إن عمر رضي الله تعالى عنه ندم، ندم على ماذا؟ عمر على أنه لم يقبل في الحال ما قال له أبو بكر، وهو أنه طلب منه المغفرة والمسامحة، فذهب مسرعًا إلى بيت أبي بكر، فقال: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فذهب مسرعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام تمعر وجهه حتى أشفق أبو بكر على عمر، تغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام من ماذا؟ من عمر رضي الله تعالى عنه، حتى أشفق أبو بكر على عمر أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة في عمر. والأخوة عندما تتوغل في الصدور بين الناس أو بين الإخوان، فإنه لا شك أن المسلم يرحم أخاه، وأبو بكر في هذه اللحظة أشفق على عمر، قال: حتى أشفق أبو بكر على عمر، فجثى على ركبتيه وقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، والله أنا كنت أظلم، والله أنا كنت أظلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينها لما رأى هذا الأمر العظيم من عمر وأنه في هذه الحال صفت القلوب، صفت القلوب، قال: «أيها الناس، إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبتم، وقال أبو بكر: صدقت». هذا هو الواقع، والنبي صلى الله عليه وسلم أراد في المجلس أن يعرف الناس فضيلة أبي بكر ومنزلة أبي بكر عنده، «فقلتم كذبتم، وقال أبو بكر: صدقت، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» قال: فما أوذي بعدها رضي الله تعالى عنه وأرضاه. هذا منقبة من المناقب العظيمة عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي ينبغي للمسلم أن يتخذها منهجًا له في حياته، كيف يتعامل الصحابة، حتى لو حصل بينهم كلام أو مشادة أو مخالفة، سرعان ما يتصافحون ويتسامحون، ويعرف كل واحد منهم للآخر منزلته وفضله عليه. وهكذا أيضًا حصل بين أبي بكر رضي الله تعالى عنه وربيعة الأسلمي شيء من الخصومة، كما يحصل بين عامة الناس، ويحكي هذه القصة ربيعة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، يحكي هذه القصة بنفسه، ما وقع بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والحديث في الصحيحة للعلامة الألباني. يقول ربيعة: «جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأعطاني أرضًا وأعطى أبا بكر أرضًا، فاختلفت أنا وأبو بكر في عذق نخلة، يعني في نخلة، فقال أبو بكر: هي في حد أرضي، وقلت أنا: هي في حد أرضي، فصار بيني وبين أبي بكر كلام، يعني زاد الكلام بينهم، فقال أبو بكر لي كلمة كرهتها، يعني لما كانوا يتكلمون، يقول: هذا في أرضي وهذا في أرضي، فقال أبو بكر لي يا ربيعة كلمة، لكن ربيعة لم يذكرها، قال: كلمة كرهتها، قال: ثم ندم، فقال: يا ربيعة، والله لتقولنني كما قلت لك، حتى يكون قصاصًا في الحال، لتقولنني كما قلت لك، حتى يطيب خاطرك، أنت الآن غضبان مني، والكلمة التي قلتها لك كرهتها، فينبغي أن تقول لي تلك الكلمة التي كرهتها، حتى يكون بيني وبينك قصاص، ما تؤاخذني بها يوم القيامة. قال: فأبيت، فقال أبو بكر: والله لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: ما أنا بفاعل». قال ربيعة: «ما أنا بفاعل، ما سأرد لك الكلمة اليوم». يا عباد الله، لو واحد قال لك كلمة، ستقول له، قبل أن يقول لك: قل لي كلمة نفسها التي قلتها، ستقول له عشرين بأبشع منها، لكن ربيعة يعلم من هو الذي يخاطبه، إنه الصديق، قال: «والله ما أنا بفاعل». قال: «فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبعته أتلوه، فتبعته أتلوه، فجاء رهط من أسلم، وأسلم قوم ربيعة الأسلمي، فقالوا: يرحم الله أبا بكر، يرحم الله أبا بكر، على أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لك ما قال؟». أحيانًا في مثل هذه الموقف يأتي أناس آخرون، الآن حصل بينك وبين أخيك كلام ومشادة كلامية، فيأتي آخرون يقولون: هذا الذي تكلم فيك، وهذا الذي قال لك كذا وكذا، وفي نفس الوقت يذهب ويستعدي. هل سمع ربيعة الأسلمي كلام أهله وقومه وعشيرته من أسلم؟ لا، قال لهم: «أتدرون من هذا الذي تكلمون فيه؟ أتدرون من هذا؟ إنه أبو بكر الصديق، ثاني اثنين، يعرفهم منزلته، ثاني اثنين إذ هما في الغار، ثاني اثنين، وهو ذو شيبة المسلمين، فإياكم أن يراكم تنصروني، فيغضب، فيذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبه، فيهلك ربيعة». الله أكبر، يهلك ربيعة، ما يريد أن يغضب أبو بكر، فضلًا عن أن يغضب رسول الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم لغضب أبي بكر، فضلًا عن أن يغضب الله سبحانه وتعالى لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغضب أبي بكر، فيهلك ربيعة. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ارجعوا. قال: «فانطلقت خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجاء فذكر الحديث كما كان، يعني ما زاد، قال: حصل بيني وبين ربيعة كذا وكذا، ما زاد، قال: فما زاد، وربيعة يسمع الكلام موجود عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلي وقال: ما لك وللصديق يا ربيعة، ما لك وللصديق؟ فقلت: يا رسول الله، إني اختلفت أنا وأبو بكر في عذق نخلة، وذكر الحديث، فقال: هي في أرضي، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، فقال: قل لي كما قلت لك حتى يكون قصاصًا، فقلت: لا، لا أرد عليك، ما أنا بفاعل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، غفر الله لك يا أبا بكر. قال: فولى أبو بكر رضي الله تعالى عنه يبكي». مواقف عظيمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما يحصل بينهم شيء، مباشرة ما يجعلون الأمر يتطور ويكبر، ويدخل عائلة هذا وعائلة هذا، وقبيلة هذا وقبيلة هذا، وقوم هذا وقوم هذا، وشعب هذا وشعب هذا، حتى تصير مقتلة عظيمة، لا، كلمة تحصل بين كثير من الناس، ولكن الصحابة لما عندهم من الحب والإيمان بالله سبحانه وتعالى جعلهم يقفون هذه المواقف العظيمة. لما جاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى سلمان والصهيب وبلال، كما يروي ذلك عائذ بن عمر، الحديث في مسلم، ماذا قالوا؟ وعندهم أبو سفيان واقف، وكان لم يسلم بعد، قالوا: «والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله، ما أخذت سيوف الله من عدو الله»، يقولون: من لأبي سفيان، لأجل أن يغيظ غيظًا، وكان مشركًا قبل أن يسلم. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: «أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟» قولون هذا الكلام لشيخ قريش وسيدها، هل هذا الكلام فيه شيء مما يكون في النفوس؟ لا، ومع ذلك أبو بكر رضي الله تعالى عنه ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقص عليه الموقف وما قاله لبلال وسلمان وصهيب، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، ولئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك». لعل هذه الكلمة التي قلتها وقع شيء في صدورهم فغضبوا عليك. فذهب، فذهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى من؟ إلى هؤلاء الصحابة الأخيار، فقال لهم: «يا إخوتي، هل أغضبتكم؟» قالوا: «لا، يغفر الله لك، لا، ما أغضبتنا، هذه الكلمة ليست بشيء، ما دخلت في نفوسنا وما أزعلتنا، على قولنا، وإنما يغفر الله لك يا أبا بكر». أبو بكر ما اطمأن أنه ذهب مسرعًا إلى هؤلاء الذين قال هذه الكلمة لهم، ولعله أغضبهم، ولهذا ينبغي على المسلم في هذه الأيام الفاضلة العظيمة أنه إذا كان متشاحنًا متخاصمًا مع أهله وجيرانه ومجتمعه، أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الله، خاصة إذا كان ذلك منه هو، ووقع منه ذلك، ووقع منه ذلك الاعتداء على الأنفس أو الأموال أو الأعراض، عليه أن يبادر قبل أن لا يكون هناك ساعة ندم، لأننا ما ندري يا عباد الله ونحن في هذه الدنيا، يؤجل لنا أو لا، كذلك نعيش إلى غد أو بعد غد، فالمسلم يجعل دائمًا نصب عينيه أنه راجع إلى الله سبحانه وتعالى في كل لحظة وفي كل حين، لهذا يكثر من الاستغفار ومن التوبة وطلب العفو والمسامحة، حتى يرجع إلى الله سبحانه وتعالى وهو على خير عظيم. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضى، والحمد لله رب العالمين.