شرح كشف الشبهات 12

الدرس في شرح كشف الشبهات 12، ألقاها

انتقاد تأويل المتأخرين لآيات الصفات وتأكيد مذهب السلف

يناقش الشيخ آراء المتأخرين في صرف آيات الصفات عن ظاهرها ويؤكد على اتباع مذهب السلف في إثبات الصفات لله مع التنزيه عن مشابهة المخلوقات.

مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته وتأصيله

يشرح المقطع مذهب أهل السنة في إثبات الصفات لله مع التنزيه، ويبرز تحول أبو الحسن الأشعري إلى هذا المذهب وأهمية اتباع السلف الصالح.

ضوابط التعامل مع أقوال العلماء وتحذير الناس من المخطئين

يحدد المقطع معيار قبول أقوال العلماء بموافقتها للكتاب والسنة، ويحذر من الأشخاص بسوء النية وأهمية بيان أخطائهم لحماية الناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد، فقد طاب لنا أن نواصل قراءة ما قاله الشيخ رحمه الله تعالى. قال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسير «أضواء البيان» عند تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه التي في سورة الأعراف: اعلم أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرتهم من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق للفهم من معنى الاستواء -مثلا في الآيات القرآنية- مشابها لصفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا. ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق للفهم: الكفر بالله تعالى، والقول فيه بما يليق به جل وعلا، والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ لم يبين حرفا واحدا من ذلك، مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم لا يقصر في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، لا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين. حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصفة بما ظاهره المتبادر منه ما لا يليق بالله، وما لا يليق، والنبي صلى الله عليه وسلم كتم أن ذلك الظاهر المتبادر: كفر وضلال يجب الصرف عنه. وكل هذا من تلقاء أنفسهم، من غير اعتماد على كتاب أو سنة. «سبحانك هذا بهتان عظيم». ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلالات، ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله. حاصل كلام الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: أن هؤلاء المتأخرين الذين ما قدر الله عز وجل حق قدره، ولا قدر رسوله صلى الله عليه وسلم حق قدره، قالوا ما قالوا. فقالوا: إن ظاهر الكتاب والسنة هو الكفر، وهو الضلال. فقالوا: إن ظاهر القرآن -مثلا- يفهم منه معنى التشبيه. قالوا: التشبيه في حق الله عز وجل لا يجوز، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر. إذن: القرآن ظاهره الكفر. واضح هذا. إذا قال الله عز وجل في كتابه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ قالوا: إثبات الوجه ظاهره إثبات الوجه، وإثبات الوجه لله عز وجل يستلزم تشبيه الخلق بالمخلوق، وتشبيه الخلق بالمخلوق كفر. إذن: ظاهر الآية كفر. قد صرح بعض بهذا من الأشاعرة، فقال: «إن ظاهر كتاب الله عز وجل الكفر والتشبيه»، «إن ظاهر الكتاب الكفر والتشبيه». وقال آخرون: عبارة أخرى مقاربة، فقالوا: «إن ظاهر القرآن يجب أن يؤول»، «إن ظاهر القرآن يجب أن يؤول» تنزيها لله عز وجل عما لا يليق به. واضح هذا الأمر. ما معنى «يجب أن يؤول»؟ معناه هو: أن ظاهره الكفر والتشبيه والضلال، والعياذ بالله. فقالوا: «يجب أن يؤول». وواضح هذا الأمر. وهذا الوجوب الذي وضعوه من تلقاء أنفسهم هو الذي أرداهم، فجعلهم على حالهم من الضلال والتأويل والبعد عن الله عز وجل. لأنهم أولا اعتقدوا أن ظاهر القرآن التشبيه والكفر والضلال، ثم انتقلوا ثانيا إلى تعطيل النصوص، بحجة أن الظاهر غير مراد، وأن الواجب صرفه إلى معنى يليق بالله عز وجل. المعنى الذي يصرف إليه ذلك الظاهر: هل هو من عند الله عز وجل؟ هل هو من عند أنفسهم؟ الجواب: أنه من عند أنفسهم. والنتيجة: أن كتاب الله عز وجل لا يستفاد منه هدى ولا نور، بل هو طريق للضلال والإبعاد عن الله عز وجل؛ لأن ظاهره -على زعم هؤلاء- الكفر والضلال والتشبيه. إذن: من هو المرشد إلى الله؟ ومن هو الموفق إلى الله؟ أو من هو الهادي إلى الله عز وجل؟ والذي يدل على الله: الجواب هو العقل. فالعقل هو الذي يثبت لله عز وجل ما شاء، وينفي عن الله عز وجل ما شاء. أما النقل، فإن ظاهره -على زعمهم- الكفر والضلال. وهذا هو حقيقة قول هؤلاء. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما ذكر: «سبحانك هذا بهتان عظيم»، «ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم». والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل: أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فالظاهر المتبادر منه السابق إلى الفهم: هو التنزيه التام من مشابهته شيء من صفات الحوادث. المؤمن بفطرته يجل الله عز وجل ويعظمه، ويعلم أنه ليس له مثيل وليس له نظير سبحانه وتعالى. وكذلك بإيمانه يعلم أن كتاب الله عز وجل ليس فيه الباطل لا من قريب ولا من بعيد. بل لو طرأ على قلبه أو فهمه أدنى شك في شيء، اتهم نفسه، وعلم أنه هو الذي به الجهل وعدم الفهم، وأن الحق في كتاب الله عز وجل. وأنه إنما وقع في القرآن إنما هو من سوء فهمه لا من كتاب الله عز وجل. أما كتاب الله عز وجل: فكل مؤمن وكل مسلم يعتقد أنه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. بل العبرة بالتدبر والتفهم والتعقل لكتاب الله عز وجل. كما قال ربنا عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فدل على أن الاختلاف الكثير إنما يكون إذا كان من عند غير الله. ولكن القرآن أنزل من عند الله عز وجل، فليس فيه اختلاف كثير، بل فيه الحق والنور والهداية والشفاء. قال رحمه الله: «فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان: هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث». وقول الشيخ رحمه الله: «الظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان» بمعنى: أن ظاهر النص -مثلا- ما يتبادر إلى الذهن بمجرد القراءة. بمجرد أن تقرأه يقع في نفسك هذا المعنى، يجمع بين الإثبات وبين التنزيه. يجمع بين الإثبات وبين التنزيه. إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، إذا قرأنا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾، إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، «بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ لِمَا خَلَقَ بِيَدَيْهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. المؤمن الحق أول ما يقرأ هذه الآيات: يثبت المعنى مع إثبات التنزيه لله عز وجل. يقول: نثبت لله عز وجل الوجه على الوجه اللائق فيه سبحانه وتعالى، وجها يليق به، لا يماثل وجوه المخلوقين. وكذلك في اليد، وكذلك في السمع، وكذلك في البصر، وكذلك في بقية الصفات. اقتداء وامتثالا لقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. هذه قاعدة أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله عز وجل وصفاته. قال رحمه الله: «هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث». والمراد بالحوادث: أي المخلوقات. قال: «وهل ينكر عاقل أن السابق -أي الفهم المتبادر- لكل عاقل: هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟» «لا والله، لا ينكر ذلك إلا مكابر». والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه كفر وتشبيه، إنما جره إلى ذلك: تنجيس قلبه بقدر التشبيه بين الخالق والمخلوق. فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها. مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه. فكان هذا الجاهل: مشبها أولا، ومعطلا ثانيا. كما تقدم معنا مرارا: أن كل مشبه معطل، وكل معطل مشبه. قال: «فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء». فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء: باعتقاد أن ظاهر النصوص التشبيه والكفر. «وانتهاء» بتعطيل ذلك الظاهر وتحريفه، دعما منه بأنه ينزه الله عز وجل بالتأويل. ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرا من أدناس التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام مشابهة بينه وبين صفات المخلوقين. فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: «والأشعري -أبو الحسن- رحمه الله كان في آخر عمره على مذهب أهل السنة والحديث، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل». كما تقدم في كتاب «الإبانة». وأشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى فقرات منه. قال: «ومذهب الإنسان ما قاله أخيرا إذا صرح بحصر قوله فيه». كما هي الحال في أبي الحسن. كما يعلم من كلامه في «الإبانة». الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب «الإبانة» -وهو من آخر كتبه إن لم يكن آخرها- صرح برفض واضح صريح: بأنه على مذهب السلف، وعلى مذهب الإمام أحمد، وعلى مذهب الإمام أحمد في باب العقائد. ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى معلوم معروف. قال: «وعلى هذا فتمام تقليده: اتباع ما كان عليه أخيرا». وهو التزام مذهب أهل الحديث والسنة؛ لأنه المذهب الصحيح الواجب الاتباع الذي التزم به أبو الحسن نفسه. فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: من يزعم أنه أشعري حقا، فعليه أن يتابع أبا الحسن الأشعري حقا في آخر مراحله. فإن الأعمال بالخواتيم. فإن الأعمال بالخواتيم. والرجل اختتم عمله ومذهبه على مذهب أهل السنة والجماعة. فلا يجوز لهم أن ينسبوه إلى غير ذلك، بل واجب عليهم أن ينسبوه إلى ما كان عليه آخرا. وإن كانوا مقتدين به متبعين له، فعليهم أن يقتدوا بآخر مراحله. هذا أمر من باب الإلزام. وإلا فإنه واجب على كل مسلم في باب العقائد، وفي باب العبادات، وفي باب المعاملات: أن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى مذهب السلف الصالح، إلى الخلفاء الراشدين، إلى الصحابة، إلى غير هؤلاء، إلى مثل هؤلاء من أصحاب القرون الثلاثة المفضلة الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. بل أثنى الله عز وجل على أصحاب القرن الأول بالثناء العظيم، بالرضوان منه سبحانه وتعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. في كل زمان ومكان: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. فمن أراد أن ينال هذه المزية، فعليه أن يتبع وأن يقتدي بهؤلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. هذا في باب العقائد. وفي باب العبادات. بعض أهل العلم -كما يعبرون عنه- في مسائل الفروع، يقولون: «لا بأس بأن ينتسب الإنسان إلى إمام من الأئمة في الفروع». وهذه المسألة: محل اجتهاد. محل اجتهاد: هل لإنسان أن ينتسب إلى الأئمة كما يقال: «فلان شافعي، وفلان حنبلي، وفلان حنفي» إلى غير ذلك؟ أم أن الأولى والأفضل: أن ينتسب إلى السلف الصالح -رضي الله عنهم وأرضاهم-؟ لا شك ولا ريب: أن الانتساب إلى السلف الصالح: الأولى والأجدر بكل إنسان. ولكن بعض الأئمة -رحمهم الله تعالى- ممن انتسب إلى أولئك: انتسب إليهم لا من باب التقليد والاتباع الأعمى، ولكن من باب أنهم يسيرون على قواعد ذلك الإمام؛ لأنهم يرون أن قواعده هي القواعد الصحيحة في ضبط الكتاب والسنة. فيسيرون على مقتضى قواعد ذلك الإمام. وإلا فعند التحقيق: كثير منهم -بحمد الله عز وجل- سيما من المحققين من أصحاب المذاهب، فإنهم يخرجون عن قول إمامهم إلى القول الآخر من قول الإمام الآخر إذا كان الدليل يدل على قول الآخر. وهذا في غاية العدل والإنصاف من أولئك الأئمة -رحمهم الله-. قال رحمه الله تعالى: «والجواب عن السؤال الثالث من وجهين: الأول...». وهذه المسألة تكلمنا عليها، وأشرنا إليها فيما كتبناه على «لمعة الاعتقاد» في كتابنا «فتح ربي العباد». قال: «والجواب عن السؤال الثالث من وجهين: الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال». أي: في قولهم: «إن الأشاعرة يمثلون 95%». لا. في قولهم: «إن الأشاعرة فيهم الأئمة الأفاضل الأجلة»، «فكيف بعد هذا يقال: إنما ذهبهم باطل؟». قال الشيخ رحمه الله: «الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق». بمعنى: أن كل قائل -إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم- فإن قوله يوزن بالحق، أي: بالكتاب والسنة. يوزن قوله بالكتاب والسنة. إن وافق الكتاب والسنة: أخذ به. وإن خالف الكتاب والسنة: رد ذلك القول. فالعبرة بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الحق. قال رحمه الله تعالى: «هذا هو الميزان الصحيح». وإن كان لمراتب الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم -كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق- لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال. فإن الإنسان بشر يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته. فقد يكون رجل: دينا وذا خلق، ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم، فيفوت من الصواب بقدر ما حصله من النقص والضعف. أو يكون قد نشأ على طريق معين... وهذا فيه إشارة إلى أعذار يذكرها الشيخ رحمه الله تعالى لهؤلاء الأئمة الذين زلت قدمهم في باب الاعتقاد. مع حرصهم على الحق ونصحهم لدين الله عز وجل: أن هؤلاء قد يكون رجل منهم: دينا وخلوقا، بل ومحبا لدين الله عز وجل، بل وداعيا إليه بكل ما يستطيعه من قوة وعلم وجهد. إلا أنه زلت قدمه لأمر أو لآخر من هذه الأسباب. أن يكون تربى هذا العالم من نعومة أظفاره على مذهب معين، فينشأ مشبها على مذهب معين، يعتقد أنه الحق. لذا نجد في بعض كلامهم -كالإمام النووي رحمه الله تعالى- يقول: «ومذهب أهل الحق، ومذهب أهل السنة...» ثم يذكر من أقوال الأشاعرة ما يذكر في باب صفات الله عز وجل. وهذا بسبب النشأة والبيئة التي عاشوا فيها. وإلا فهم نصحاء لدين الله عز وجل -فيما نحسبهم- والله حسيبهم. قال رحمه الله تعالى: «أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف: وجدنا في هذه الطريق من هو أجل وأعظم وأهدى وأقوم ممن على طريق الأشاعرة». فالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة جاءوا بعد زمن الإمام أحمد. جاءوا بعد زمن الإمام أحمد. فهؤلاء الأئمة كلهم كانوا على السنة. فإذا قس هؤلاء بغيرهم من الأشاعرة -أي: ميز- أي الكفتين ترجح؟ قسهم بأحمد بن حنبل، قسهم بالشافعي، قسهم بمالك... وهكذا. أي الكفتين ترجح؟ قال رحمه الله تعالى: «وإذا علت إلى عصب الصحابة والخلفاء الراشدين: لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته». غيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف. «لو وضع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه في كفة، ووضع الأشاعرة من يوم خلقوا -من يوم وجدوا- إلى آخر واحد منهم في كفة: لغلبت كفة من؟ أبو بكر رضي الله عنه وحده». «فكيف بمن معه من الراشدين من الصحابة الراشدين، والصحابة من المهاجرين والأنصار إلى غير ذلك؟». فأي الرجال أولى بالحق؟ هؤلاء أو هؤلاء؟ الجواب -كما يقال- لا يحتاج إلى جواب. ووضح هذا الأمر. لأنهم -كما سمعتم- عمرو بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يذكر، يقول: «لو وضع في كفة...» -في كلام له- معناه: «لو وضع أبو بكر في كفة، ووضعت أعمال الناس -أو قال: المسلمين- في كفة: قال: رجحت أعمال أبي بكر». أو كما قال رحمه الله تعالى. «فكيف بمن هو دونه؟» هذا رواية عن عمر رضي الله عنه وأرضاه. هذا المعنى. فالحاصل: أننا لو قلنا بالرجال، فالرجال أهل السنة والجماعة: أعلى وأعظم وأجل من رجال الأشاعرة. ولا شك. قال رحمه الله تعالى: «ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء من المنسوبين إلى الأشاعرة: قدم صدق في الإسلام، والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم». رواية: أي في الرواية، المعروف أنهم يرون الأحاديث بأسانيد، وما شابه ذلك. ودراية: أي من معرفة الأحاديث فهما وتفقه، وكذلك ضبطا لعلوم تلك الرواية. قال: «ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطأوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه». ولا يمنع من بيان خطئهم ورده؛ لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق. قال: «ولا ننكر أيضا أن لبعضهم قصدا حسنا فيما ذهب إليه، وحرصا عليه». ولكن لا يكفي لقبول الحق: حسن قصد قائله. بل لا بد أن يكون موافقا لشريعة الله عز وجل. فإن كان مخالفا لها: وجب رده على قائله -كان من كان- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» كما في صحيح مسلم، الحديث عائشة رضي الله عنها. قال: «ثم إن كان قائله معروفا بالنصيحة والصدق في طلب الحق: اعتذر عنه في هذه المخالفة». وإلا عمل بما يستحقه -بسوء قصده ومخالفته-. وهذه الكلمات: كلمات مفيدة جدا للمتعامل مع المخالف. فهذان السطران الأخيران من أحسن ما يذكر في باب المعاملة مع المخالف. فإن المخالف: إما أن يكون معروفا بالحق، معروفا بالنصيحة، معروفا بالصدق، معروفا بالذب عن دين الله عز وجل، والنصرة لدين الله عز وجل، وممن يبحث عن الحق وينصره ويتحراه. ولكن زلت قدمه في مسائل أو في مسألة أو ما شابه ذلك. فإن هذا الشخص: أولا ينظر إلى هذا القول من جهتين: ينظر إلى هذا القول من جهة القول، ومن جهة القائل. فأما القول: فالقول الباطل المخالف يرد على قائله -كائنا من كان-. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ومن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة». ومن باب قول الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فهذا من هذا الباب: من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في مسلم- الحديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». هذا باعتبار القول. وأما باعتبار القائل: فينظر إلى القائل. فإن كان من أهل النصح والصدق، وكذلك الذب عن دين الله عز وجل، والنصرة لدين الله عز وجل، وممن يبحث عن الحق وينصره ويتحراه. ولكن زلت قدمه في مسألة أو مسائل. فإنه يبين خطؤه، مع بيان قدره واحترامه وإجلاله. يقال: «العالم الجليل الفاضل أخطأ في مسألة كذا وكذا». فيبين الخطأ حتى لا يقلد، ولا يغتر به مغتر. وهذا أمر أم لا؟ وأما إذا كان معروفا بسوء قصده، وسوء نيته، ومعروف بأذيته لدين الله عز وجل. فإنه يبين القول، وكذلك يشهر به، ويحذر منه، وينفر؛ لأجل أن يحذره الناس، وأن يبتعدوا منه؛ لما عرف عنه من سوء نيته، وسوء طويته. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا للمشاهدة.

شاركنا على