الدرس في شرح كشف الشبهات 13، ألقاها
يشرح المقطع معنى لا إله إلا الله ودلالتها على نفي الألوهية عن غير الله، ويبين أهمية فهم هذه الكلمة. يُوضح أن الكفار والمشركين كانوا يعرفون معناها ولكنهم رفضوها بسبب الشرك.
يؤكد الشيخ على أهمية فهم معنى لا إله إلا الله وعدم الاكتفاء بتلفظها دون معرفة معناها، ويبين خطورة الكلمات التي قد تؤدي إلى الكفر.
يشرح المقطع خطورة الكلمات التي قد تؤدي إلى الكفر، حتى وإن لم يكن الشخص يعلم أنها كفر، مع ذكر أمثلة من القرآن والسنة النبوية.
يتم ختام الدرس بالدعاء والاستغفار، يشير إلى انتهاء الوقت المحدد للدرس، ويتوجه إلى الله بالدعاء والاستغفار.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، فقد ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- في الدرس الماضي، كما مر معنا، أنه قال: إن العبرة بلا إله إلا الله هو معرفة معناها والعمل بمقتضاها، لا مجرد لفظها. لماذا؟ السؤال واضح، فما الجواب؟ ما الجواب يا جماعة؟ سرعة حتى ندخل في الدرس أحسن. ولكن العبرة بماذا؟ بمعناها، بما دلت عليه من نفي الآلهة والعبادة عن غير الله عز وجل، وإثباتها لله عز وجل وحده. فدلت هذه الكلمة بمنطوقها ومفهومها على نفي الآلهة -أي العبادة- عن غير الله عز وجل، وأنها لا تستحق، مهما كانت هذه الآلهة، وذلك المعبود لا يستحق أن يكون إلها إلا الإله الحق سبحانه وتعالى وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وأن يرغب إليه ويقصد. قال -رحمه الله تعالى-: "والكفار جهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق". ما معنى إفراد الله تعالى بالتعلق؟ تعلق القلب حبًا وخشوعًا وطمأنينة وغيره من المعاني. فحقيقة التعلق هو حقيقة ماذا؟ عبادة القلب. حقيقة عبادة ماذا؟ القلب. وقوله: "والكفار جهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة من...". هل هذه دعوة من الشيخ؟ أم على هذا برهان؟ هيا يا جماعة، هل هذه دعوة من الشيخ أن الكفار، أن المشركين يعلمون هذا المعنى؟ يعلمون معنى هذه الكلمة علما يقينيا؟ أم أنها مجرد دعوة أنهم يعلمون هذا المعنى، وهم بالحقيقة لا يعلمونه؟ وإنما يريد الشيخ -رحمه الله تعالى- أن يحاج مشركي زمانه بما ليس له برهان؟ أو ما ليس عليه برهان؟ هيا يا جماعة، ما الدليل؟ ما الدليل على هذا؟ الآن الشيخ يدعي، وأنت الآن تقرر هذه الدعوة، فما الدليل على هذا؟ ما الدليل؟ الآن أنت تقرر، والشيخ يقرر، هل الشيخ قرر هكذا الكلام بدون برهان؟ وأنت الآن لما تقول: الصواب قول الشيخ أنه قرر ببرهان، فما هو البرهان؟ قال -رحمه الله تعالى-: "أجعل الآلهة إلها واحدا" هذا متى قالوه؟ عندما قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله". كما قال الشيخ: "فإنه...". هذه كالتعليل هاهنا، هذه تعليل. "فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا". الآلهة المعبودات الكثيرات جعلها آلهة واحدة. وهذا يدل على ماذا؟ على أنهم فهموا المعنى. على أنهم فهموا المعنى. وأن معنى لا إله إلا الله: ألا يعبد إلا الله. ألا يعبد إلا الله. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فهم بلغتهم علموا ماذا؟ علموا هذا المعنى. وهم يعتقدون صحة هذا المعنى. ولكنهم بسبب اللوثة وبسبب نجاسة قلوبهم بالشرك، صار حالهم كحال المريض الذي تغير مزاجه بسبب المرض، يطعم الشيء الحلو ويقول: ماذا؟ ويقول: هذا مر. وهو أحلى. بل قد يكون عسلا، ويقول: ماذا؟ ويقول: هذا الشيء مر. هل ذلك الشيء في الحقيقة مر؟ أم أن مزاجه تغير بسبب ما عرض عليه؟ ما هو الجواب يا جماعة؟ مزاجه تغير بسبب ماذا؟ ما حصل له؟ وما عرض عليه؟ فالمشركون كذلك تغير مزاجهم بحسب ما حصل لهم، وما وقع منهم من الشرك، فصاروا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، نفروا وتعجبوا، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا. إن هذا لشيء عجاب. أن يتعجب منه. ويستدعي عن ماذا؟ أن يتعجب منه. هل تعجبهم لأجل أن التوحيد سبب للعجب؟ أو بسبب أنهم قد تلوثت فطرهم واختلت كذلك عقولهم بالشرك؟ الشرك إذا خالط العقول غيرها وأكسبها نوع بلادة، نوع بلادة وغباء. وإلا من العاقل الذي يعقل أن يعبد حجرا؟ فإذا رأى آخر رماه، ثم عبد آخر. بل بعضهم -كما قد ذكر في دروس غير هذا الدرس- كان يعمل إلهه من التمر. تمر يجمعه، فيقول: هذا ربي. ويعبده. فإذا جاع، أكله. فإذا جاع ماذا؟ أكل هذا الإله الذي هو من ماذا؟ من التمر. هل هذا يدل على كمال عقل؟ أم يدل على قلة عقل؟ يدل على قلة عقل. وهكذا كل من وقع في الشرك، فإن فطرته قد نقصت وقلت وضعفت وتلوثت بذلك الشرك. وكذلك عقله نقص وقصر عن معرفة الحق وضياء الرسالة وأنوار التوحيد بسبب ماذا؟ بسبب تلوثه بذلك الشرك. وهكذا كل من خالف كتاب الله عز وجل وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يحصل له من ذلك بحسب ما يكون فيه من البعد. قال -رحمه الله تعالى-: "فإذا عرفت...". فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب... يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: "فإذا عرفت -أي تحققت وتيقنت- أن الجهال، أن جهال الكفار يعرفون ذلك، يعرفون معنى لا إله إلا الله بأنه لا معبود إلا الله، والكفر بكل ما عبد من دون الله، والبراءة بكل ما عبد من دون الله عز وجل". قال: "فالعجب...". والعجب -كما ذكر العلماء- هو لخروج الشيء عن نظائره. يكون العجب بسبب ولسبب خروج الشيء عن نظائره. فهو من التعجب الذي يدل على ماذا؟ على تعظيم لذلك الشيء المتعجب منه. والعجب قد يكون عجب في الشيء أن يعجب لشيء، ويعجب من شيء. وقد يكون يعجبه شيئا. ولكل معنى، ولكل تركيب المعنى يليق به. فإذا قال إنسان: "عجبت من كذا وكذا"، أي تعجب. وكذلك يقال: "عجبت إلى كذا وكذا"، كذلك تعجبت منه. وإذا قلت: "أعجبني كذا وكذا"، أي استحسنت ذلك الشيء المعين. أعجبني كذا وكذا. قال -رحمه الله تعالى-: "فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة". وهذا يستدعي العجب. كيف أنت أيها المسلم الذي تدعي الإسلام وتقول: إنك مسلم، لا تعلم معنى لا إله إلا الله. الكلمة التي تدخلك في الإسلام، لا تعلم معناها. وقد علم معناها مشرك العرب ممن حصل منهم ما حصل، مما حصل منهم ما حصل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرفونها أحسن منك. هذا مما يستدعي ماذا؟ مما يستدعي العجب. قال -رحمه الله تعالى-: "بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب شيء من المعاني". وهذا كذلك من أعجب العجب. أن يعتقد أن معنى لا إله إلا الله الذي أرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وحصل ما حصل بين الرسل -عليه الصلاة والسلام- وأقوامهم من الصراع، ومن القتال، ومن الأمور العظام، ثم يظن ذلك المسكين أن معنى لا إله إلا الله لفظ معناها لفظا أجوف. أو أن لا إله إلا الله لفظا أجوف لا معنى له. إنما هي أحرف تنطق باللسان، ولا يعرف لها معنى. هذا لا يقوله عاقل. هذا لا يقوله عاقل. فكيف ينسب هذا القول إلى الله عز وجل؟ أن الله عز وجل دعا الناس إلى كلمة لا معنى لها. وكيف ينسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كذلك دعا الناس إلى كلمة لا معنى لها؟ إنما المقصود منها اللفظ دون المعنى. كيف ينسب إلى صحابة رسول الله ذلك الأمر؟ هذا لا ينسب إلى عاقل. إذا قيل لإنسان: "إن كلامك هذا لا يفهم منه إلا اللفظ، ما نفى معناه". كلامك هذا لا نفهم معناه. كيف سيكون ذلك المخاطب؟ كيف سيكون حاله؟ تخيلوا يا جماعة إنسانه يقوم يخطب ويتكلم، يعظ بإسلوب بليغ فصيح واضح بين. فلما ينتهي، يقال له: "ما فهمنا معنى من كلامك". كيف سيكون حاله؟ فكيف ينسب هذا إلى كلام الله عز وجل؟ الله عز وجل في كتابه الكريم أمر بماذا؟ أمر بأن يقول الناس، وأن يعلم الناس: لا إله إلا الله. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وهؤلاء يقولون: ماذا؟ لا إله إلا الله. حسبنا منها أن ننطقها، أن ننطقها بماذا؟ بألسن. هذا اتهام لكلام الله عز وجل بأنه لا يفهم. النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لقريش: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". يا عم، أطلب منهم، أريد منهم تلبية لا إله إلا الله. قالت: "أسود بها يسودون بها العرب، وتعطيهم الجزية العجم، ما هي؟ وأبيك عشرا". يقول المشركون: "قولوا لا إله إلا الله". معناها أنه يريد منها من لفظة جوفاء لا معنى لها. سبحانك، هذا بهتان عظيم. قال -رحمه الله تعالى-: "بل يظن ذلك أنه... والتنفذ بحروفها -أي جعل هذه الحروف- جعل لا إله إلا الله كالحروف التي تقرأ ولا يعلم معناها. كأوائل سور القرآن. كأنه يقول: ألف لام ميم. كأنه يقرأ يقول: طاسين. ما معناها؟ يقول: ننطق بالحروف، والمعنى إلى الله". هذا باطل. هذا باطل. أن يقول: أن يقال في أعظم كلمة دعت إليها الرسل: أنه لا يعلم منها. أو أن المطلوب منها التلفظ فقط دون معرفة المعنى. قال: "هو بل يظن أن ذلك والتنفذ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني. ومن اعتقد هذا فليس بمسلم، بل هو كافر إجماعا". من نطق بلا إله إلا الله ولم يعلم معناها، ولا عمل بمقتضاها، ولا عمل بمقتضاها، فإنها لا تنفعه. فإنها لا تنفعه. بل لابد من عمل بمقتضى هذه الكلمة العظيمة. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: "والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله". الحاذق: أي الماهر الذي عنده مهارة، وعنده ماذا؟ وعنده ذكاء. والذي لا يدعو لأمر شيئا، بل يقطع متعلقة. يقال فيه: "هذا رجل ماهر". قال: "والماهر منهم -أي من هؤلاء المشركين المتأخرين- الحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر إلا الله". ما الفرق بين هذا الحاذق وبين قول المشركين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. ما الفرق بينه وبين أجهل المشركين؟ الجواب: ماذا يا جماعة؟ لا فرق. قال: "فلا خير في رجال". جهال الكفار أعلم منهم بمعنى لا إله إلا الله. إذا كان الحاذق منهم يعتقد أن لا إله إلا الله معناها: لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، لا مدبر إلا الله. فهل هذا أعلم؟ هذا الحاذق منهم الذكي، هل هذا أعلم بهذه الكلمة أم جهال المشركين؟ هيا يا جماعة، جهال المشركون، جهال المشركين أعلم. لأنهم علموا المعنى بلغتهم العربية، بمجرد أن قرعت آذانهم: لا إله إلا الله. علموا معناها: لا إله لا معبود حق إلا الله. إذن لا يريد، لا يريد منا هذا الرجل -أي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نعبد آلهتنا، ويريد منا فقط أن نعبد ماذا؟ إلها واحدا. فنفروا وضجوا وعجوا، وقالوا: ماذا؟ وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا. إن هذا لشيء عجاب. ووضح هذا الأمر يا جماعة. قال -رحمه الله تعالى-: "إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب". وهذا من الشيخ -رحمه الله تعالى- كالتقرير والتبيين. كالتقرير والتبيين لما سيأتي، ولما مضى. لما سيأتي ولما مضى. يقول: "إذا عرفت ما عرفت -إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب- والمراد معرفة قلب: أي معرفة يقين لا شك فيه، ولا تزحزح. معرفة يقين لا شك فيه، ولا تزحزح. ليس المراد بالمعرفة: المعرفة السطحية التي ربما تتزعزع إذا جاءها المعارض. بل المراد: المعرفة القلبية اليقينية التي لا يزحزحها مزحزح. بل هي ثابتة ثبوت الجبال". قال -رحمه الله تعالى-: "وعرفت أن شرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾". ما هو الشرك بالله عز وجل؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. لا يغفر ربنا عز وجل من الشرك شيئا. لأن الله عز وجل قال: ماذا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فكل معصية عدا الكفر بالله عز وجل، عدا الشرك بالله، عدا الشرك بالله عز وجل، فإن الله يغفرها. وما عداها -أي مما كان من أنواع الشرك بالله عز وجل، من أنواع الشرك الأكبر بالله عز وجل- فإن الله عز وجل لا يغفره. ولو قال هذا القائل: لا إله إلا الله من الصباح إلى المساء بلسانه، وهو يعمل أعمالا مخالفة مناقضة لهذه الكلمة، فإنها لا تنفعه. لا من قريب، ولا من بعيد. قال -رحمه الله تعالى-: "وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه". وهذا الآن من الشيخ -رحمه الله تعالى- كالتذكير لما مضى. هذا كالتذكير لما مضى، وكالتقرير لما مضى. لماذا يأتي من الشبهات؟ قال: "وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه". ما هو دين الله عز وجل؟ التوحيد. الدعوة إلى عبادة الله عز وجل وحده، إلى عبادة الله عز وجل وحده، والبراءة من الشرك، والكفر بالشرك، والتحذير والتنفير من الشرك. هذا هو دين الله عز وجل. الدعوة إلى عبادة الله عز وجل. قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قال -رحمه الله تعالى-: "وعرفت ما أصبح...". وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا -أي بهذا الأمر الذي بعث الله عز وجل به الرسل، وأنزل به الكتب- بهذا الدين، بهذا الدين. أكثر الناس صاروا جهالا. صاروا بعيدين عن هذا الدين الذي أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل. قال -رحمه الله تعالى-: "أفادك فائدتين". الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته -أي عليك أنت- أيها الموحد. الفرح بفضل الله ورحمته. أنت أيها الموحد، إذ هداك ربك عز وجل، واجتباك واختارك لأجل أن تكون من عباده الذين يعبدونه وحده، فلا يشركون به معه غيره، بل يخلصون الدين لله عز وجل وحده. هذه منة عظمى، وفضل كبير جليل من الله رب العالمين. قال -رحمه الله تعالى-: "أفادك فائدتين". الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته. كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قل: بفضل الله وبرحمته -أي بدين الله، بالإسلام- فليفرحوا. فليفرحوا. هو خير مما يجمعون. خير مما يجمع الإنسان من أمور الدنيا. خير مما يجمع الإنسان من أمور قد يراها عظيمة وجليلة، ولكن الأمر الأعظم، والأمر الأجل، والأمر الأعظم: هو الفرح بفضل الله عز وجل بأن يكون من أهل طاعة الله عز وجل، من أهل توحيد الله عز وجل. هذا الذي يستحق الفرح المطلق. قال -رحمه الله تعالى-: "فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجاهل". طيب. قال: "وقد يقولها وهو يظنها أنها تقربه إلى الله تعالى، كما كان يظن المشركون". قال: "فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل -أي جاهل لا يدري ما تبلغ به من المبلغ- لا تبلغ به من المبلغ. بمعنى أنه جاهل جهلا نسبيا، فيعلم معنى هذه الكلمة، ويقصد تلك الكلمة، ولكن لا يدري أنها تخرجه عن دين الله عز وجل. فهو يقصد الكلمة، ويعلم معناها، ويعلم أنها كذلك قد تعلم أنها كذلك تبعده عن الله عز وجل، ولكن لا يظن أنها تخرجه من دين الله عز وجل". قال: "فلا يُعذر بالجهل". فلا يُعذر بالجهل. لماذا؟ لأنه أتى بالكفر الصراح قصدا، قاصدا، وعامدا، وعالما عموما بذلك اللفظ، وإن لم يكن عائما بخصوص ذلك اللفظ أنه يُخرجه عن دين الله عز وجل، ويجعله من المشركين. ولنمثل أمثلة تبين هذا المقام. أولئك الذين كانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، ماذا حصل منهم؟ قالوا: "ما رأينا مثل قرائن هؤلاء أرغب لا أرغب بطونا، ولا أجبن عند اللقاء". كلمات قالوها، ولم يتفطنوا إلى غوار هذه الكلمات، وبعدها، وشدتها في دين الله عز وجل. فأنزل القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فأنزل قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ -أي لا نريد الكفر، لا نريد الكفر- وإنما نخوض ونلعب. كما جاء في حديث ابن عمر، وحديث غيره، حيث عوف أنهم قالوا: "إنما أردنا أن نذهب عناء الطريق". الطريق طويل، فأحببنا أن نذهب عناء الطريق. فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا تعتذروا". يقرأ عليهم قول الله عز وجل: "لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم". ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. واضح هذا يا جماعة؟ هؤلاء هل كانوا يعلمون؟ هل كانوا يعلمون أن تلك الكلمات تخرجهم عن دين الله عز وجل؟ الجواب: ماذا؟ لم يكونوا يعتقدون ذلك. لذا كان بعضهم يتعلق براحلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول: "يا رسول الله، والله ما أردنا... ما أردنا الكفر". وإنما أردنا أن نذهب على الطريق. ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يزيد على أن يقول: "لا تعتذروا". قال لهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. واضح هذا؟ هذا تقرير لهذا الأمر. أن الرجل ربما يتكلم بالكلمة، فيكون سببا لماذا؟ لكفره. وإن كان يجهل، يجهل أن هذه الكلمة بخصوصها توصله إلى الكفر بالله عز وجل. لكنه يعلم أنها أقل أحوالها أنها محرمة. لذا قرر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في كلام طويل معناه: أنه لا يشترط فيمن قال الكفر، أو فعل الكفر، أن يعلم أن ذلك القول أنه كفر. بل يكفي أن يعلم أنه محرم. يكفي أن يعلم أنه ماذا؟ محرم. فإن علم أنه محرم، وعمله أو قاله، وهو في حقيقة الأمر كفر، كفر بذلك. كفر بماذا؟ كفر بذلك. وكلام الشيخ محمد -رحمه الله تعالى-، الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ممن يقرر ما قرره شيخ الإسلام في هذا الباب. وقول الشيخ محمد -رحمه الله تعالى-: "وهو جاهل كما قلنا -أي لا يدري ما تبلغ به من المبلغ- لا يدري ما تبلغ به من المبلغ. فهو يعلم الكلمة، ويقصد الكلمة، ولكن لا يدري أن تبلغ به ماذا؟ الكفر والبعد عن الله عز وجل". وقد روى البخاري ومسلم في الصحيح، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يتبين فيها". قال ماذا؟ "فتهوي به في نار جهنم سبعين خريفا". أو كما قال -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله -سبحانه وتعالى- فتهوي به في نار جهنم سبعين خريفا". وجاء فيها ماذا؟ قال: "لا يتبين فيها". "فتهوي به في نار سبعين خريفا". نكتفي بهذا القدر، ولعلنا غدا نذكر أيضا بعض الأمور المتعلقة بهذه الفقرة. وعندنا بعض النقولات التي تدل على أن الشيخ -رحمه الله تعالى- ممن لا يكفر بالجهل. لكن قد داهمنا الوقت، فإلى درس آخر. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.