الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينتقل المؤلف لشرح الشطر الثاني من الشهادة وهو "أشهد أن محمدًا رسول الله" ويبين أهميته وأدلته. يتطلب هذا الشطر لفظًا ومعنى ولا يكفي مجرد الثناء على النبي للدخول في الإسلام.
المقطع يشرح أهمية هذه الشهادة وتأكيدها باللفظ والاعتقاد في القلب، ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما يشير إلى معرفة اليهود والنصارى بنبوة محمد وذكر أوصافه في التوراة والإنجيل.
يشرح المقطع أن نبوة ورسالة محمد مذكورة في التوراة والإنجيل، وأن الإيمان بمحمد رسول الله يتطلب الاعتقاد بأنه أرسل للناس كافة. يقدم أدلة من القرآن الكريم على رسالة النبي.
المقطع يختتم بشرح دلالة الشهادة بأن محمدًا رسول الله، ويطلب من الله النفع بما قيل. يصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويختم الدليل على الشهادة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل شهادة أن محمدًا رسول الله؟ هذا أوان الدخول والشروع في الشطر الثاني من شطر الشهادة، إذ أن ما مر معنا كانت المباحث والأسئلة إنما تتطرق للشطر الأول، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، حول أدلتها وحول أركانها وشروطها كما مر معنا. والآن ينتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى الشطر الثاني من لفظ الشهادة، وهي قولنا: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أو أشهد أن محمدًا رسول الله. وهذه الشهادة، إخواني في الله، لا تقل أهمية عن شهادة بوحدانية الله سبحانه وتعالى، إذ أنها بمجموعها يكون دخول المرء في الإسلام، إذ أن من نطق بشهادة أن لا إله إلا الله واكتفى بها، لا يمكنه ذلك أن يكون من أمة محمد، ومن ثم لا يمكنه ذلك أن يكون من أهل الجنة. وقد دلت الأدلة العامة والخاصة على ضرورة وعلى أهمية هذه الشهادة. قال عليه الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله". القتال والسيف لا زال مصلتًا على رؤوس الكفر حتى يذعن بالشهادتين: بوحدانية الله وبنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام. والأدلة، إخواني في الله، التي تدل على هذه الشهادة كثيرة، وسنأتي ببيانها. وهذه الشهادة، ما مضمونها؟ مضمونها أن تعتقد وأن تعترف بأن محمد بن عبد الله هو نبي ورسول من عند الله، باعتقاد جازم لا يتطرق إليه شك ولا ريب. هذا الذي تريده الشهادة منك أن تجزم وتعتقد وتعترف بأن محمد بن عبد الله هو نبي الله وهو رسوله، الذي أرسله الله جل وعلا عليه بالوحي. وكما نبهنا فيما يتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله أنها تحتاج إلى لفظ ومعنى، وكذلك ما يتعلق بشهادة أن محمدًا رسول الله، كذلك تفتقر إلى أمرين: إلى لفظ وإلى معنى. اللفظ أنك تلفظ بهذا، تعترف وتقر وتقول: من أراد أن يدخل في الإسلام يقر بهذا، يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، بها يكون من أهل الإسلام. فإن أتى بعبارة ليست على هذه الحروف، لا يعد مسلمًا. مثل ما تطالعنا الأخبار العالمية حول بعض الكتاب من المستشرقين أو بعض ممن تأثر بالحضارة الإسلامية، فيكتب كتبًا فيها التعريف بنبينا عليه الصلاة والسلام. حتى سمعنا بكتاب صاحبه أراد أن يحشد أسماء الذين غيروا مجرى التاريخ، أناس غيروا مجرى التاريخ، فإذا بالكاتب أول من كتب: محمد بن عبد الله. طيب هذا الرأي الكاتب، لو ربما قد يعجب به جماعة من الناس، كيف ذكر محمدًا بهذا الوصف وأنه مجدد وغير تاريخ الأمة؟ لكن هذا الكلام، وهذا الإطناب، هل هذا يكفيه في الدخول في الإسلام؟ لا، إن كان نصرانيًا وإن كان كافرًا، ما يكفيه. لماذا؟ لا بد أن يذعن بالرسالة. فقول من يقول بأن محمدًا -أنا أقر وأعترف بأن محمدًا شخصية مهمة في المجتمع وفي العالم البشري- أو من يدعي بأن محمدًا عبقري، قالوها: من عباقرة الإسلام محمد بن عبد الله، لو قالها رجل، أهذا يذعن بإسلامه؟ لا، ما يذعن بإسلامه، مهما أطنب ومهما زكى ومدح وأتى بالعبارات ومن التهاليل التي يذكرها في نبينا، لكن ما صرح وما أشار، بل وضح العبارة بأنه يعتقد بأنه نبي ورسول، فلا يغنيه ذلك ولا ينفعه شيء. بل يوجد كذلك من، حتى لا أقول من الكفر، بل حتى ممن ينتمي إلى هذا الدين من الفرق الباطنية، إذ أن بعضهم يسمي نبينا بأنه فيلسوف، كما ذكر ذلك عن ابن سبعين، ومن غلات المتصوفة من الباطنية ممن تأثر بالفلسفة، فكان يقول لمن حوله: قال بعدما أتى من مكة، قال: قد جئت من عند ابن آمنة. من هو؟ يعني نبينا. لقد جئت من عند ابن آمنة الذي يقول: لا نبي بعدي، فوجدته بارعًا في الفلسفة، فوجدته بارعًا في الفلسفة. ومن شعارات الفلسفة أن يقولوا: الشريعة والفلسفة رصيفان، والنبي والفلسوف ماذا؟ سيان، أي كلاهما واحد، كلاهما واحد. تقول: نبي، تقول: فيلسوف، واحد. لا، هذا عندكم أنتم، لا ما عندنا. فلسفة نبينا ما أتى بفلسفة، ما أتى بعلم الكلام الذي أتى به نبينا وحي من السماء، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. إذن، إخواني في الله، فالإذعان بهذه الكلمة ينبغي أن تفتقر إلى لفظ اللسان، تقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، تقر وتعترف بنبوته ورسالته، ثم بعد هذا اللفظ ينبغي أن تعتقد في قلبك بصحة ما تتلفظ به. لا بد من مواطأة اللسان مع القلب، والقلب مع اللسان، تعتقد وتعترف وتقر بنبوته وبرسالته. ينبغي أن ينسحب هذا الحكم من اللسان إلى الجنان، إلى القلب. لأنه يوجد من بعض الفرق الضالة من المرجئة، ومن غلاتهم الكرامية، يرون أن من تلفظ بلا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولو لم يعتقد في قلبه، صح إسلامه. وهو من غلات مرجئة ممن يرى أن الإيمان والإسلام يكتفى به بنطق اللسان فقط، دع عنك اعتقاد القلب. وهل هذا صحيح؟ لا، هذا ضلال. يعني يقولون: لو أنك تتلفظ فقط بطرف اللسان، ولو تعتقد بصحة ما تقوله، ما يضرك شيء. كيف ما يضرك؟ بل يضرك. ألم يقول ربنا سبحانه وتعالى في أهل النفاق: "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون". المنافق ما الذي يفعل؟ يشهد. انظر لنص القرآن: "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد" يعني انظر المنافقون يا محمد: أشهد بأنك رسول الله. قال: ما قالها؟ قالها بلسانه وأسمع الناس، وأسمع الناس بنص القرآن شهد بهذا، لكن ما الذي قال ربنا في حق شهادتهم؟ ردها، قال: بأنهم كذب في ماذا؟ كذبوا؟ هل قولهم بأنك رسول الله كذب؟ لا، الكذب كان أن القلب ما استقر على هذا الاعتقاد ما استقر، ولهذا ما كانت تنفعهم هذه الشهادة، بل جعلهم ربنا في الدرك الأسفل من النار، في الدرك الأسفل من النار. وهكذا قس في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البراء بن عازب، في حديث البراء بن عازب: عندما يوضع المنافق والمرتاب في قبره، فيأتيه الملكان فيسألانه: من ربك؟ فيسألان: ما دينك؟ أو من نبيك؟ عندما يسأل: من نبيك؟ ما الذي يقول؟ يقول: ها ها، يحتار في الإجابة، يقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته مع الناس. قالوا: محمد بن عبد الله. قلت: محمد بن عبد الله، هذا رسولي. إذن قالها باللسان، هل هذا ينفعه؟ لا، لا زال في عداد المنافقين. لماذا؟ لأنه ما اعتقدها. لأن نص الحديث في أنه سمع الناس فقال مثل ما يقول الناس، فقط باللفظ باللسان، فما اعتقد. فدل ذلك، إخواني في الله، على أن مسألة شهادة أن محمدًا رسول الله تفتقر إلى اللفظ بأن تقر وتعترف بنبوته ورسالته، وأن تعتقد في القلب بأنه نبي وأنه رسول عليه الصلاة والسلام. والأدلة كثيرة تدل على ذلك، منها ما سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى من الأدلة، ومنها قوله سبحانه وتعالى: "محمد رسول الله". وهذا الأمر، إخواني في الله، وهذا الإذعان كان معروفًا عند الأمم، معروفًا عند اليهود، معروفًا عند النصارى، ليس بخاف عنهم، وخاصة عند علمائهم من الأحبار والرهبان، كانوا يعرفون بنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي أنه نبي وأنه رسول، كما قال ربنا سبحانه وتعالى مبينًا ذلك بقوله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل". فبعثته موجودة في التوراة، وموجودة في الإنجيل. قال ربنا سبحانه وتعالى: "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم". هل أحد يضيع أبناءه من أبناء الناس؟ يضطرب عليه الأمر، يستشكل عليه ابنه من ابن غيره؟ ما أحد يستشكل كما تعرف ابنك يا عبد الله. فاليهود كانوا يعرفون نبينا محمدًا حق المعرفة، وأنه مبعوث وأنه قد بعث برسالة من رب العالمين. وقد تكلم العلماء على البشارات الموجودة في التوراة والإنجيل، وهي مملوءة في كتبهم. بل من أراد المزيد، مثلًا، فلينظر ما كتبه الإمام المفسر القاسمي رحمه الله تعالى في كتابه "محاسن التأويل". القاسمي في تفسيره "محاسن التأويل" عند هذه الآية: "يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل"، ذكر بحثًا نفيسًا أطال النفس فيه، رحمه الله تعالى، حول هذه الحقيقة، وذكر الشيء الكثير من المقاطع من التوراة، ومن المقاطع التي في الإنجيل، وفيها التصريح ببعثته عليه الصلاة والسلام. صحيح أن النسخ والتلاعب والتحريف عند اليهود والنصارى وصل إلى الإنجيل والتوراة، هم استطاعوا ماذا؟ أن يمسحوا كلمة "أحمد". كلما وجد الأحبار والنصارى من أربابهم وقسيسيهم ما وجدوا من عبارة فيها لفظ "أحمد"، سرعان ما مسحوا، حاولوا يمسحونه ويطمسونه. لكن ما الذي بقي؟ بقيت أوصافه، أوصافه الكثيرة الموجودة في التوراة والموجودة في الإنجيل. حتى في الزمن القريب، ماذا؟ موجودة. بل يحكى عن بعضهم أن في إنجيل برنابة -إنجيل برنابة- إنجيل موجودة عند النصارى، "فيها اسم محمد مصرحة، محمد مصرحة باسمه عليه الصلاة والسلام في هذا الإنجيل". طبعًا إنجيل كثيرة: إنجيل مرقص، متى، وإنجيل برنابة. قيل: هذا إنجيل فيه محمد. وقال أن النصارى أخفوه حتى لا يرى. لكن أنبه على هذه المسألة: إنجيل برنابة، أن وجد من بعض من الفكر الإسلامي من لا زال يلمع بهذا الإنجيل وأنه الإنجيل الصحيح، لا، ما عندي إنجيل صحيح، لا أحد يدعي ولا أحد يزعم بأن هناك إنجيل صحيح. الإنجيل كلها غيرت، كلها بدلت. الله يعلم ما الذي غير؟ ما الذي أبقي؟ لكن غير دخلها التحريف والتصحيف. وإنجيل برنابة، لأنه وجد قبل أعوام من يمدح هذا الإنجيل وأنه الإنجيل -لا زال على الجادة- لا، لا ما نقول بهذا. نعم، يدعون أن اسم محمد موجود، ولو وجد، ليس معنى أنه يبقى الإنجيل أنه يبقى مقدسًا وأنه يعامل كما يعامل القرآن، لا، هو إنجيل من باقي الأنجيل، دخله الطمس والتحريف والتصحيف والتلاعب. فما بقي عندي إنجيل باق على الجادة، بل كلها حرفت. لكن كما قلنا: تجد أوصاف محمد موجودة عند اليهود وعند النصارى في كتبهم، مع التحريف الذي دخلها، مع التصحيف الذي وصلها، لكن تجد فيه صفته، صفته عليه الصلاة والسلام. انظروا ما جاء في البخاري، مثلًا. انظر أين عهد موسى؟ أين عهد عيسى؟ أين التوراة الذي قبل عيسى؟ وانظر ما الذي كان يقرأ في التوراة في زمن الصحابة. جاء في البخاري من حديث عطاء بن يسار رحمه الله تعالى أنه قال: لعبد الله بن عمر بن العاص، قال: "أخبرني عن صفة التوراة، أو أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة". لأن عبد الله بن عمر بن العاص كان ملمًا، يقرأ الكتب، وكان يتصل به بعض الكتب من الكتب النصارى واليهود، كان يقرأ فيها، فكان له الاطلاع، رضي الله تعالى عنه. فعطاء يسأل: هل هناك صفة لرسول الله موجودة في التوراة؟ فقال عبد الله بن عمر: "أجل، فوالله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن". قال: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفاحش ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقول: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا". رواه البخاري. هذا ماذا؟ هذا نص في التوراة، من قرأه؟ عبد الله بن عمر العاص. إذن بقيت هناك آثار في التوراة إلى الآن. وقد ذكر كذلك جماعة من أهل العلم أن أناسًا في هذا الزمن أسلموا، ما كان سبب إسلامهم؟ النصوص الموجودة عندهم في التوراة والإنجيل. فممن يذكر هؤلاء: رجل اسمه عبد الله الترجمان، هو نصراني كان على نصرانية، ثم أسلم، كان من أعظم أسباب إسلامه ما يراه من النصوص الموجودة عندهم في الإنجيل، مع تحريفه، مع وجود التحريف، إلا أن أوصافه بادية عليه الصلاة والسلام. وقد قام هذا الرجل الذي أسلم وأصبح من الكتاب ممن يكتب في العقيدة الإسلامية، ألف كتابًا سمى: "تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب". تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب. وهكذا ومبحث طويل جدًا، إخواني في الله. إذن ينبغي أن نعلم أن ما يتعلق بنبوته ورسالته أمر به ربنا عز وجل جميع خلقه، وأن اليهود والنصارى كانوا يعرفون بوجود هذا -أي بنبوته ورسالته- في صميم كتبهم، مع أنهم طمسوا وغيروا وبدلوا، وخاصة ما يكون من اسمه الصريح. لكن بقيت صفاته عليه الصلاة والسلام. فمن كان منهم متجردًا للحق، لربما كانت هذه النصوص من أعظم الدوافع التي تجعل يعيد تفكرًا فيما هو عليه من النصرانية. وينبغي كذلك أن نعلم، إخواني في الله، مع القول بأن الاعتقاد بنبوة ورسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، تعتقد بأن محمدًا رسول الله أرسل للناس كافة. لا بد أن تعتقد هذه العقيدة. ولماذا نقول: لا بد أن تعتقدها؟ لأن وجد جماعة من اليهود، وهكذا من بعض النصارى، من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. يوجد، كاليعقوبية أو العيسوية من اليهودية، فرقة من اليهود يقولون بهذا. لكن ما الذي عندهم؟ عندهم أن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصة، إلى العرب خاصة. نحن لا نلتزم به. يقول: نحن أهل الروم، نحن النصارى، نحن لا نلتزم بمحمد. نعترف، نقر بأن محمدًا رسول الله. ينظر، فلو قالوها مع عدم اعتقاد بأن رسول الله مبعوث إليهم، ما ينفعهم هذا، ما ينفعهم ذلك. فلابد للشخص الذي يعتنق ويعترف ويعتقد بهذه الكلمة، يعتقد بأن محمدًا رسول الله أرسله الله إلى الخلق كافة، إلى الإنس والجن جميعًا. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل شهادة أن محمدًا رسول الله؟ قال: قول الله تعالى: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة". وهذا إشارة وتصريح بأن الله أرسل نبينا، فهو مرسل من قبل ربه. قال: الآية. وقوله تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عندتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف الرحيم". لقد جاءكم رسول، هذه شهادة من الله برسالة نبينا، من أنفسكم، أي منكم، من العرب. وفي قراءة: "من أنفسكم" -بفتح الفاء- بمعنى من النفاسة، أي هذا الرسول خرج منكم، من نسب كما قال هيرقل لأبي سفيان: كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب. فذو نفاسة عليه الصلاة والسلام، خرج من خيرة أفخاذ العرب عليه الصلاة والسلام. قال: "عزيز عليه ما عندتم"، عزيز أن يشق على نبينا كل ما يشق عليكم، وهذا من من أخلاقه الحميدة. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فكل ما يشق على أمة يشق عليه. ولهذا تجده دائمًا يتحرى التخفيف على أمته. الصلوات خمسين صلاة في اليوم والليلة، خمسين، تخيل خمسين صلاة، وفرضت علينا معاشر المسلمين، كيف نحن معها؟ هلكنا، هلكنا. لكن كان بينا يراجع ربه، يسأله التخفيف، يسأله التخفيف، حتى خففت من خمسين إلى خمس. وهو عزيز يشق عليه كل ما يشق على أمته. "لولا أن أشق على أمتي لأمرتم بالسواك عند كل صلاة" في الصحيحين. خارج الصحيحين: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتم بالوضوء عند كل صلاة". لماذا ما أمرهم؟ لا يشق على الناس. خرج ذات يوم في رمضان، فخرج، فصل التراويح، صلى القيام، فصل الناس معه جماعة. اليوم الثاني خرج الناس واجتمعوا الناس عليه. الليل الثالث ما خرج، ما صلى بهم جماعة، جلس في بيته. لماذا؟ قال: "ما خفي مقامكم هذا إلا إني خشيت أن تفرض عليكم". خشى نبينا خشى أن تفرض القيام على أمته، فترك ما صلى بهم جماعة. فهو يشق عليك كل ما يشق على أمته. قال: "حريص عليكم"، وهذا من صفته، عنده الحرص، حرص تام على إيصال الخير لأمته. جاء في صحيح مسلم: حيث عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: "أنه ما من نبي قبل إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم". بل هو مثل بنفسه بماذا؟ قال: "إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أشعل نارًا، فجعل الجنادم والفراش يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تتفلتون مني". منظر حرصه، يرى أمته تقع في الهاوية كحال الفراش اللي تتساقط على النار، فهو لا يترك الأمة تذهب سوداء بين يديه، وإنما يأخذ بالحجز، هو مكان الأزر، وأقوى شيء في الإنسان عندما تريد أن تعتصم بأحد بهذا المكان، تضغط عليه، يكون متمكنًا من القبض عليه. ومع هذا قال: "وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تتفلتون مني". هل بعد هذا الحرص من حرص؟ هذا حرصه، فهذا من شيمه، صلوات ربي وسلامه عليه. قال: وقوله تعالى: "والله يعلم إنك لرسوله". وقال: وغيرها من الآيات. إذن هذا الذي دليل الشهادة، بمعنى أنك تشهد بأن محمدًا رسول الله، بعثه الله جل وعلا بوحي من عنده. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.