الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 57، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المنهج السليم للتعامل مع صفة الاستواء لله تعالى بإثباتها دون تكييف أو تشبيه. يُبين إجماع السلف على وجوب الإيمان بها مع نفي الكيفية عنها.
يناقش المقطع مذهب التفيض باعتباره مذهبًا يفضي إلى تجهيل معاني أسماء الله وصفاته، ويبين خطورة هذا المذهب في الطعن في كتاب الله ورسوله. يُؤكد على أهمية إثبات الصفات لله تعالى.
يُنبه على خطورة تشبيه صفات الله بصفات خلقه ويؤكد على إثبات الصفات دون تشبيه أو تكييف. يُشدِد على أهمية الإيمان بصفات الله كما وردت في الكتاب والسنة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قبل استئناف الدرس إخواني في الله، فهذا إعلان عن بث الدرس إسبوعي لشيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر مرعي حفظه الله تعالى ورعاه، القائم على هذا المركز، حيث سيبث درسه الأسبوعي وذلك مساء كل أحد، وذلك في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً، ما بعد أذان العشاء، وستكون درسه رحمه الله تعالى في كتاب مختصر فرض طلب العلم لإمام الآجري رحمه الله تعالى، وسيكون نقله كما المعتاد عبر الاتصال، فإن شاء الله الحاضر يبلغ الغائب بالحضور مثل هذه الدروس العلمية النافعة الماتعة لشيخنا حفظه الله تعالى ورعاه، وذلك من هذه الليلة إن شاء الله. ونواصل أخواني في الله في هذه الرسالة وهي أعلام السنة المنشورة للحافظ الحكمي رحمه الله تعالى، قال رحمه الله تعالى: ماذا قال أئمة الدين من السلف الصالح في مسألة الاستواء؟ وهذه المباحث لا زالت متعلقة بما نحن بصدده، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر لنا ما يتعلق بعلو الله، وأن علو الله ينقسم إلى أقسام ثلاث، إذ أن لله العلو المطلق، علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، ثم بين رحمه الله تعالى ما يتعلق بعلو الذات، أو يبين ويعرف أحيانا بعلو الفوقية، أن ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة، فأتى هنا رحمه الله تعالى بهذا المبحث لكي يبين بعض عبارات السلف التي بها يكون فيها بيان لهذه المسألة، وهي مسألة العلو لله سبحانه وتعالى. فطرح هذا السؤال الذي مفاده ماذا قال أئمة الدين من السلف الصالح في مسألة الاستواء؟ وتأمل رحمه الله تعالى كيف أنه أرجع القول إلى أئمة السلف، دلالة واضحة إلى أن السلف قد اتفقت كلمتهم في إثبات مثل هذه الصفات من صفة العلو والاستواء لله جل وعلا، ما علم وما عرف عنهم مخالف أبدا، حتى أن إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى يعتبر من السلف الصالح ورأس من رؤوس السنة، ما علم عنه التغيير والتبديل عن ما سار عليه الأوائل رضي الله تعالى عنه ورحمه الله رحمة واسعة، بخلاف الخلف الذين جاءوا من بعده ويدعون أنهم على سيره وعلى مذهبه، إذ حل فيهم التغيير والتبديل وعطلوا وغيروا الكثير من أبواب الدين. فقال رحمه الله تعالى: «قال قولهم بأجمعهم رحمهم الله تعالى: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق والتسليم»، قال: «وهكذا قولهم في جميع آيات الأسماء والصفات وأحاديثها: آمنا به كل من عند ربنا، آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون» انتهى كلامه رحمه الله تعالى. لخص لنا الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى منهج السلف في هذه الصفة، ويصفة العلو والاستواء، ثم قرنها بباقي باب الأسماء والصفات، فقال رحمه الله تعالى: «قولهم بأجمعهم»، وإنما حكم وتكلم عن الجميع من باب الاستقراء، أن هذا مما عرف ومما ذكر عنهم، وما يعرف عنهم مخالف، حتى الذي يشغب على أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، إن أتى بأقوال المخالف، إنما يأتي بأقوال المتأخرين، ما يظفر بقول صحابي ولا بتابعي ولا بأتباعي التابعين، وإن استطاع أن يبلغ الجرأة مبلغا لربما استعان بأقوال الفلاسفة والمتكلمين من أمثال آرستو أو فلاطون، يوجد هذا في كتبهم، يستأنسون بأقوال المتفلسفة من مناطقة اليونان في مسائل الاعتقاد والدين، سبحان الله، نفروا عن مذهب السلف ولجوا إلى أقوال الملاحدة، لكن هكذا الشيطان يتلاعب بأهله، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. فقال رحمه الله تعالى: «قولهم بأجمعهم رحمهم الله تعالى: الاستواء غير مجهول»، الاستواء أراد بذلك استواء الله عز وجل الرحمن على العرش استواء، من أعظم الأدلة الدالة على علو الله جل وعلا، يقولوا أن سلفنا صالح كان يقولون في الاستواء بأنه غير مجهول، ما معنى الاستواء غير مجهول؟ معنى أن معنى الاستواء، معنى الاستواء من حيث الوضع اللغوي غير مجهول عندنا، غير مجهول نعرف ما معنى الاستواء، وخاصة إذا قرنا بعلى الرحمن على العرش استوى، الاستواء إذا عُدّي بعلى يأتي بمعنى على وارتفع، لتستو على ظهوره بمعنى على وارتفع، فربنا عز وجل خاطبنا بلسان عربي مبين، فكلمات القرآن واضحة لا لبس فيها ولا غموض، فهذه معاني الاستواء إذا عُدّي بمعنى على وارتفع، فالرحمن على العرش استوى أي على وارتفع سبحانه وتعالى. إذن وقس على ذلك يا عبد الله باقي الصفات، فهي ليست ما يذكر من ألفاظ ليست بغريبة علينا، وهذا فيه رد إخواني في الله على فرقة تسمي نفسها وإن كانت تنتسب لمذهب السنة كذباً وزوراً، وهم المفوضة، المفوضة طائفة نبتت، وهي طبعاً من الخلف ممن أرادوا اللعب والزوغان وعدل إثبات الأسماء والصفات على حقيقتها، ما الذي ذهبوا إليه؟ أتوا بعبارة «الله أعلم»، عبارة رنانة ظاهرها الخير لكن في باطنها الشر، ما الذي يفعلون إذا أتوا إلى مثل هذه الأسماء وهذه الكلمات المتعلقة بباب الأسماء والصفات؟ ما الذي يفعلون؟ قالوا: نفوض أمرها إلى الله، الرحمن على العرش استوى الله أعلم، ليس هذا فحسب، بل كل كلمة وكل صفة تمر عليهم يقولون الله أعلم، إنني معكما أسمع وأرى، ما معنى الله أعلم وهو السميع البصير؟ الله أعلم ما الذي ويحب، ومن ويحب، إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله، صفة إثبات المحبة هكذا الله أعلم، الرضا ولا يرضى لعباده الكفر الله أعلم، كلما تمر عليهم كلمة من باب الأسماء والصفات قالوا الله أعلم، ما معنى هذه الكلمة؟ بعض الناس إخواني في الله تسربت إليهم هذه المقالة، بل وانتشرت بين كثير من المبتدعة، لأن في حقيقتها التنزيه لكن في باطنها الشر، هذا المذهب، قال عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه من شر أقوال المبتدعة، من شر أقوالهم، والكثير من المتأخرين من الأشاعرة ونحوهم دخل في باب التفيض، يرى أنه سهل وسلس، يقول: نعم مذهب السلف أعلى وأحكم، لكن منهج الخلف ماذا؟ أسلم، فيه سلامة، لا ما فيه سلامة، هذا المذهب إخواني في الله مذهب شر، أتدري ما الذي يعنيه هذا الكلام؟ معناه أنك كلما مررت على آية من آيات الأسماء والصفات، ما معناها؟ الله أعلم، الثاني الله أعلم، الثالث الله أعلم، الله أعلم، إذن ما هذا الكتاب الذي أنزله ربنا عز وجل علينا؟ كتاب ألغاز، هذا من لوازمهم، الذي يفوض باب الأسماء والصفات يجعل أن الله عز وجل ما خاطبنا بلسان عربي مبين، ما نفهم ما الذي تعنيه يا رب؟ وهو السميع البصير الله أعلم، العزيز الحكيم الله أعلم، العليم الحكيم الله أعلم، الغفور الرحيم الله أعلم، الودود الله أعلم، إذن ما هذا؟ لماذا يخاطبنا ربنا عز وجل؟ ألغاز ينزلها ربنا على كتابه، هذا كتاب هداية، أما لو سيكون كتابه تشكيك، تشكيك وريب، ما ندري بماذا سنبين الكفار محاسن القرآن؟ هذه محاسنه كله الله أعلم، هذا إخواني غفلة، ويسمي سلفنا صالح مذهب التفيض بمذهب التجهيل، مذهب تجهيل، تجهيل كتاب الله، هذا ليس فيه احترام أبدا، بل هذا بيان طعن في كتاب الله، أن الله ما وضع أحكامه، بل طعن في نبينا الذي أخبر ربنا عز وجل ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، هاي أنا يا رسول الله أبينت لشيء للناس؟ لا، ما يبين نبينا، الناس ما يعرفون شيء من أسماء الله وصفاته، ألغاز، عدت اعتبر طعن في كتاب الله، وطعن في ربنا، وطعن في رسول الله، فانتبه يا عبد الله من هذا المذهب الكاسد الفاسد، مذهب التفيض والمفوضة، سرى أمره لكثير من الناس، ظن أن فيه التنزيه، لا، هذا فيه تجهيل، فيه تجهيل، ربنا سبحانه وتعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، الرحمن على العرش استوى، ما معنى استوى؟ على وارتفع، إنني معكما أسمع وأرى، ما معنى السمع؟ سمع الأصوات، وأرى ما معنى رؤية؟ رؤية المرئيات، ما المحبة؟ وكل ذلك لها معاني معروفة عندنا، إذن نقول: هذه صفة المحبة، صفة الرضا، صفة المغفرة، صفة الود لله عز وجل ثابتة لله. فيقول كان سلف يقولون: الاستواء غير مجهول، أي معناها معروف، مدروك، معلوم، قال: «والكيف غير معقول»، الكيفية هذه لا نفقهها، هذه لا نفقهها، إن سئلنا مثلا الرحمن على العرش استوى، ما معنى استوى؟ نقول: على وارتفع، كيف استوى؟ الله أعلم، هذه تنفع حينها الكلمة، هذه تنفع في هذا المقام، في كيفية الاستواء ما ندري، كيف استوى ربنا؟ حقيقة الصفة، كنه الصفة الله أعلم بها، ما ندري بشيء، هذه ما أطلعنا ربنا عليها، أطلعنا ربنا أنه اتصف بها، فنصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه، ما بعد إثبات الصفة كيف هي الصفة؟ هذا ليس لي وليس لك، وإنما نكل الأمرها إلى الله، الله أعلم باستوائه. ولهذا كان السلف عندما يثبتون الصفات يأتون إلى باب الكيفية ويلغون هذا الباب، حتى جعل أن هذا من مقام توحيد الأسماء والصفات، بعدما تثبت لله كل اسم وصفة من غير تكيف، من غير تكيف، لا تكيف، ومن شر المبتدع كما ذكره ابن عز الحنفي رحمه الله تعالى في شرح للطحاوية، أن أصبح الكثير مبتدع في القرون الأخيرة أخذوا يلزمون إلزامهم باطل، مفاده أن كل من أثبت باب الأسماء والصفات فهو مكيف، فهو ممثل، فهو مجسم، كل من أثبت شيء فهو كذا، وبيّن ابن عز رحمه الله تعالى أن هذا باطل، هذا ليس بصحيح، وذكر أقوال العلماء ونقل أقوال العلماء، ثم ذكر أن هذه ظاهرة فظهرت في القرن الثاني في أواخر القرن الثاني، والثالث، وذتبع جذورها، رحمه الله تعالى: أن المبتدع كانوا يرون: أنت تقول بإثبات الصفة، فأنت مجسم، يا عباد الله، أقول: بأن الصفة ثابتة، لكن بوجه يليق بجلال الله، ليس تمثيل، وليس تكييف، أنا كافر بهذا المذهب، نكفر بمذهب التكييف والتجسيم والتمثيل، بل أن حتى ذكر ابن عز الحنفي في بحثه في هذا الباب: أن بعضهم حتى تطاول به الأمر، وأصبح يطعن في الأئمة، فقال: أن من المجسمة، ومن المشبهة الإمام مالك، ومن المشبهة والمجسمة الشافعي رحمه الله تعالى، فأخذ المبتدع يطاولون على رؤوس السنة، وذكر الشافعي باسمه: أن المبتدع يلبسون على العامة، وأن الشافعي من المجسمة، وحاشاه من التجسيم. قال: حتى أن بعضهم تطاول به الأمر حتى طعن في أصحاب رسول الله، كما فعل عمر بن عبيد، فقال عن ابن عمر: أنه كان حشوية، ابن عمر كان حشوية، من خيرة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن هكذا البدع ليغلق الله على قلب أصحابها، وكذلك يغلق على عقولهم، فأهل السنة إخواني في الله مع إثباتهم لباب الأسماء والصفات، فإنهم يلغون باب التكييف، الاستواء معلوم، معنا، على وارتفع، كيفية الصفة الله أعلم، ما ندري بهذا، ومن هنا نغلق الأبواب إخواني في الله على طوائف من المشبهة والمجسمة، ممن يريدون أن يجعل الله كخلقه، نعم، كمجسمة، كالأتباع الهشامية من الرافضة، كالجوارية، وجماعة من المجسمة، توجد طائفة من المبتدعة من يقول هذا: بأن استواء الله كاستواء خلقه، وأن صفات الله كصفات خلقه، ولقد كفرهم العلماء، كما قال النووي من حماد رحمه الله تعالى: «من شبه الله بخلقه فقد كفر»، فقد كفر، أهل السنة عندهم غير هذا الباب، فلا يلبس عليكم أحد إخواني في الله، ويرى أن أهل السنة عندما يثبتون باب الأسماء والصفات فإنه مجسمة، لا يا عبد الله، هذا له حد، وذاك له حد، فنحن في باب الإثبات نثبت، لكن في باب التكييف والتجسيم والتمثيل، فهذا ننكر، ونجعل أن هذا من المذاهب الكفرية، من تلفظ به، من شبه الله بخلقه فقد كفر، أو كذلك مذهب التكييف، ومذهب التكييف هو شبيه للتجسيم، والفرق بينهما: أن المكيفة يتخيلون لله صفاتا غريبة غير موجودة في خلقه، ونقول كذلك: هذا من المحرمات، بل يصل بصاحبه الكفر. فربنا عز وجل إخواني في الله أثبت لنفسه الأسماء والصفات، ونفى التشبيه والتمثيل، قال جل في علا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال: «والإيمان به واجب»، الإيمان بهذا الباب: بأن الله استوى على عرشه، الإيمان بعلو الله واجب من الواجبات، لماذا واجب من الواجبات؟ لأن هذا مما أمر الله جل وعلا به، وإنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وأولئك هم المفلحون، السمع والطاعة لمن؟ لله رب العالمين، لا لأهوائنا، ولا لعقولنا، ولا إلى تخرصاتنا واجتهاداتنا، سمعك وطاعتك لربك، فربنا أدرى بنفسه جل في علاه بذاته العلية، ربنا أثبت لنفسه أسماء، إذن اثبتها كما أثبتها ربنا لنفسه، وما عليك شيء بعد هذا، وهكذا نبينا صلوات ربي والسلام عليه أثبت لربه أسماء وصفات، فاثبتها، فالإيمان بذلك واجب. قال: «والسؤال عنه بدعة»، السؤال عن الكيفية، السؤال عن الكيفية كيف وكيف؟ لا تسأل عبد الله، هذه بدعة، بل هذا السؤال محرم، لأنك تسأل عن أمر غيبي، من ذا الذي سيجيب عليه؟ من ذا الذي سيجيب على هذا؟ من الذي طلع على صفات الرب جل وفي علاه؟ لا أحد، إذن هذا معنا مضيع للوقت، كذلك فيه ضياع للعقول والأفهام، بل إيقاع الشبه في دين الله جل وعلا، نعم، كان طائفة من أهل البدع كما فوع كما ذكر عن جعد بن درهم قبحه الله، كان يدخل على رؤوس السنة في وقته كالإمام عبد الله بن وهب، فما الذي كان يفعل؟ كان يدخل يناقش في هذه القضية لا غير، كيف؟ كيف استواء الله؟ كيف نزول الله؟ كيف ارتفاع الله؟ كيف؟ كيف؟ فكان الإمام وشيخه ابن وهب كان يحذره من مغبة السؤال، يقول: يا جعد أقصر المسألة، أقصرها، ابتعد عن هذا السؤال، إن الله جل وعلا أخبرنا أنه استواء، ولم يخبرنا كيف استواء، وأن الله أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل، كان السلف يؤدبون أتباعهم على هذا، لكن من كان عاقه عاق، ولم تملك له سبيلا، فكان هذا جعد بن درهم يدخل ويناقش الشيخ في هذه المسألة، وشيخه يعاتبه، إلى أن قال له: يا جعد ما أراك إلا مقتحم باب ضلالة، وفي رواية: ما أراك إلا من الهالكين، هذا هلاك، الولوج في الحرام، الولوج في البدع هلاك. قال: «ما أراك إلا من الهالكين»، فما هي إلا فترة زمنية يسيرة حتى قتل، حتى قتل على سوء خاتمة، أنكر صفة الله سبحانه وتعالى، وما أطلق لنفسه العنان بسؤال أسئلة محرمة، ليس يا عبد الله كل ما يكون في الذهن يسأل، هناك أسئلة ما يجوز أن تسأل عنها، ومن هنا يقول علماؤنا في هذا الباب: قال: «من رأيتموه؟ من رأيناه؟ يلح على هذا الباب كيف؟ كيف؟ كيف؟ صفات الله نسأله بسؤال، إن أجاب عليه سنجيب على سؤالك، وهو كيف ذات الله؟ كيف ذات الله؟ هل سيجيب؟ والله أعلم بذاته، نقول كذلك: والله أعلم بصفاته، لأن القول بالصفات كالقول في الذات، لماذا لا تعلم ذات الله؟ من الذي يطلع على ذات الله العلية؟ ومن يطلع على صفات الله العلية؟ لا أحد. ولهذا كان من أمر أهل السنة التشديد في النفي والإلغاء مثل هذا السؤال فيما تعلق بكيفية الصفة، فكيفية الصفات الله أعلم بها، قال: «والسؤال عنه بدعة، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق والتسليم»، والإمام الذهبي رحمه الله تعالى عندما أورد هذا الأثر في كتابه «العلو» قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا القول محفوظ عن جماعة: كربيعة الرأي ومالك»، ثم قال رحمه الله تعالى: «وهو قول أهل السنة قاطبة»، وهو قول أهل السنة قاطبة، وكما قال الإمام الحكمي: «وقال: وقولهم بأجمعهم»، فالسلف رحمه الله تعالى من لدن صحابة إلى هذه القرون المتأخرة، ممن تمسك بغرز الكتاب والسنة، ما خرج عن هذا قيد أم له، ولهذا قال رحمه الله تعالى: «وهكذا قولهم في جميع آيات الأسماء والصفات وأحاديثها»، ما هو قولهم؟ أن نقول: الصفة ليست مجهولة، بمعنى أن معناها معلوم، لأن الله خاطبنا بلسان عربي، المعنى معلوم، غير مجهول، والكيف غير معقول، كيفية الصفة لا ندري بها، قال: «والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه وليه ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.