الدرس في شرح العقيدة الواسطية 43، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح معنى "تبارك" والفرق بينها وبين "بارك" مستنداً إلى تفسير ابن القيم. يُبين أن "تبارك" صفة ذاتية وفعلية لازمة لله عز وجل.
يتم شرح آية من سورة المؤمنون لتوضيح توحيد الإلهية والربوبية ودليل التمانع في الألوهية والربوبية، مع التركيز على صفات الإله كالخلق والملك والتدبير.
يستدل بالآية "إذن لذهب كل إله بما خلق" ليثبت استحالة وجود أكثر من إله، ويبرز نظام الكون الموحد كدليل على وجود إله واحد، مع الإشارة إلى قاعدة الكمال.
ينتهي الدرس بدعاء يتضمن التسبيح والاستغفار وتوبة العبد واعترافه بذنوبه، مع طلب العفو والمغفرة من الله تعالى.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فتتمة لما تقدم معنا في الدرس الماضي من الكلام على قول الله عز وجل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. تقدم معنا في الدرس السابق ما ذكر في معنى "تبارك". الحاصل في هذا، يا جماعة، أن كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، كلامه رحمه الله تعالى في "بدائع الفوائد"، كما يقال، فيه نوع غموض، في نوع غموض. فالناظر في كلامه رحمه الله تعالى يتردد في اختيار أو في معرفة مقصوده: هل أراد بذلك أن "تبارك" من الصفات الفعلية اللازمة الخاصة، أم أراد أن "تبارك" من الصفات الذاتية؟ والأظهر، والله أعلم، أنه أراد أنها صفة ذاتية وفعلية لازمة خاصة. وذلك لأنه ذكر رحمه الله تعالى أن لفظ البركة المضافة أو التبارك، لفظ البركة المضافة إلى الله عز وجل على قسمين: ذكر أن البركة على قسمين: "باركة" و"تبارك". أن المضافة إلى الله عز وجل بهذا الاعتبار "باركة" و"تبارك". قال: "فباركة" فعل متعد، إما بنفسه وإما بغيره، أي بغير بماذا؟ بحرف "على" أو "في" أو "اللام". واضح، جماعة. مثلًا: "باركه" وتقول: "بارك الله له" و"بارك فيه" و"بارك عليه". واضح، جماعة. ف"باركة" هنا صفة فعل متعد، صفة فعل ماذا؟ متعد. ومن بارك الله عز وجل فيه فهو مبارك، فهو ماذا؟ مبارك؛ لأن الله عز وجل قد بارك فيه. لأن الله عز وجل قد بارك فيه، فالعبد مبارك، والرب سبحانه وتعالى مبارك. واضح، جماعة. العبد مبارك، والرب جل وعلا مبارك. بمعنى أنه وضع البركة في من شاء من خلقه. واضح، جماعة. إذن، "باركة" بهذا الاعتبار صفة فعلية، وكذلك ماذا؟ متعدية. واضح، جماعة. فعلية ومتعدية. الآن، هذا الصف الأول. الصف الثاني، أو قسم الثاني: "تبارك". "تبارك" يقول علامة ابن القيم رحمه الله تعالى أنها مثل يقول أنها صفة من صفات الله عز وجل، قال: "كالرحمة والعزة". الرحمة والعزة من صفات ماذا، جماعة؟ الذات أو الفعل؟ من صفات الذات. واضح، جماعة. ثم يقول رحمه الله تعالى: لأن "تبارك" فعل لازم؛ لأن "تبارك" فعل لازم، فدل على أنها ماذا؟ من صفات ماذا؟ فعل لازم، صفات ماذا، جماعة؟ فعل، صفة فعلية. واضح، جماعة. أنه صفة ماذا؟ فعلية. فكلامه، كأنه رحمه الله تعالى يقول: هي كالعزة والرحمة باعتبار أنها صفة ذاتية. واضح، جماعة أم لا؟ وكذلك ما تضمنه من معنى الفعل، هو صفة ماذا؟ صفة فعلية لازمة. صفة فعلية لازمة خاصة. قال: "كتعاظم وتعالى وتبارك كتعالى وماذا وتعاظم؟ تعالى وتعاظم صفات ماذا؟ مختصة به. صفات ماذا؟ مختصة به، لازمة. لازمة له سبحانه وتعالى". فعل هذا. والله أعلى وأعلم. يظهر من كلامه أنه أراد بقوله السابق أن صفة أن قوله "تبارك" صفة من صفات الله عز وجل، بمعنى أنها صفة ذاتية باعتبار ماذا؟ باعتبار عدم انفكاكها لذات عدم انفكاكها عن الذات الإلهية؛ لأنها بمعنى ماذا؟ بمعنى تعاظم وتقدس وتعالى. وهذه من صفات ماذا؟ من صفات الذات؛ لأن الرب سبحانه وتعالى لا يتصور أن يكون قد انفك عنها في زمن من الأزمان. واضح، جماعة. وباعتبار أن هذه الصفات فيها معنى الفعل، هي من صفات ماذا؟ من صفات الفعل؛ لكن الفعل الذي وفيها متعد أو لازم، لازم له سبحانه وتعالى. واضح، جماعة. ففرق بين "بارك" و"تبارك". لا يقال: "تبارك الله". ما يجوز. ولا يستقيم. يعني تقول: "بارك الله في الطعام"، لكن تقول: "تبارك الله" هذا لا يجوز. واضح، جماعة. ولا يكون؛ لأنه ماذا؟ صفة لازمة، وكذلك ماذا؟ خاصة. ولا تقول: "تبارك الطعام"، ولا تقول: "تبارك الطعام"؛ لأن صفة لأنه صفة ماذا؟ لأنه كذلك صفة لله عز وجل. كما تقول ماذا؟ "تقدس الطعام" و"تعاظم الطعام" و"تعالى الطعام". واضح، جماعة. فهذا من هذا الباب. فالباب باب واحد. والله أعلى وأعلم. واضح، جماعة. إذا علم هذا، نرجع إلى التعليقة التي ذكرها العلامة إسماعيل أنصاري رحمه الله تعالى، معلقًا بها على الهراس. قال إسماعيل أنصاري رحمه الله تعالى، معلقًا على قول الهراس السابق: "فالخلو عنها قبل اقتضاء الحكمة لها لا يعتبر نقصًا". قال: "أطال ابن القيم في 'جلال الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام' البحث في لفظ 'تبارك'". والكلام موجود في "جلال الأفهام" صفحة 78 و100 إلى 81 و100. قالوا مما ذكروا في ذلك قول... "قال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنه: 'تبارك' بمعنى 'تعالى'". وقال أبو العباس: "تبارك ارتفع". والمتبارك المرتفع أو المرتفع. وقال ابن الأنباري: "تبارك" بمعنى "تقدس". وقال الحسن: "تبارك تجنى". "تبارك تجنى البركة من قبله". وقال الضحاك: "تبارك تعاظم". وقال خليل بن أحمد: "تمجد". وقال الحسين بن الفضل: "تبارك في ذاته، وبارك في من يشاء من خلقه". قال: "وهذا أحسن الأقوال". واضح، جماعة. قوله: "تبارك في ذاته"، في إشارة إلى ماذا؟ إلى ما تقدم من أن التبارك صفة فعلية لازمة خاصة. واضح، جماعة. لذا قال: "تبارك في ذاته، وبارك في ماذا؟ وبارك في غيرك". كما أشرنا أن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أن التبارك أو أن الباركة على قسمين: منها ما جاء بمعنى "باركة"، فهو فعل متعد، تقول: "بارك الله لك وفيك" إلى غير ذلك. ومنه ماذا؟ "تبارك"، وهو فعل ماذا؟ لازم. فعل لازم خاص. قال رحمه الله تعالى: "قال وهذا أحسن الأقوال". ف"تبارك" سبحانه صفة ذاته، ذات الله، وصفة فعل. كما قال الحسين بن الفضل. كما قال الحسين بن الفضل: "صفة ذات الله، وصفة ماذا؟ وصفة فعل". وصفة فعل، لكن الفعل فيه ماذا؟ لازم خاص. واضح، جماعة. قال: "ولو سلك المؤلف هذا المسلك لأجاد". إسماعيل أنصاري، أي: لو أنه قال بهذا القول، ذكر العلامة ابن القيم، لكان أجود. طيب. نرجع إلى درسنا. قال رحمه الله تعالى: "وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ إلى آخره، تضمنت هذه الآية الكريمة أيضًا جملة من صفات التنزيه التي يراد نفي ما لا يليق بالله عز وجل عنه". فقد نزه سبحانه نفسه فيها عن اتخاذ الولد، وعن وجود إله خالق معه، وعن ما يصفه به المفترون الكذابون، كما نهى عن ضرب الأمثال له، وهو الإشراك به بلا حجة ولا برهان، والقول عليه سبحانه بلا علم ولا دليل. قال: "فهذه الآية تضمنت إثبات التوحيد الإلهية، وإثبات توحيد الربوبية". في قول الله جل وعلا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. إذا لذهب كل إله بما خلق، ولا على بعضهم على بعض. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال رحمه الله: "فهذه الآية تضمنت إثبات توحيد الإلهية". توحيد الإلهية في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. قالوا: "إثبات توحيد الربوبية". توحيد الربوبية في قول الله جل وعلا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. وأيضًا في قوله: ﴿إِذَا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ثم قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: "فإن الله بعدما أخبر عن نفسه بعدم وجود إله معه، أوضح ذلك بالبرهان القاطع والحجة الباهرة". فقال: "إذن"، أي: إذ لو كان معه آلهة كما يقول هؤلاء المشركون، لذهب كل إله بما خلق، ولا على بعضهم على بعض. قال: "وت، توضيح هذا الدليل أن يقال: إذا تعددت الآلهات، فلابد أن يكون لكل منهم خلق وفعل". ولا سبيل إلى التعاون فيما بينهم؛ فإن الاختلاف بينهم ضروري. كما أن التعاون بينهم في الخلق يقتضي عجز يقتضي عجز كل منهما كل منهم عند الانفراد. والعاجز لا يصلح إلها. قال: "فلابد أن يستقل كل منهم بخلقه وفعله". وحينئذ، فإما أن يكونوا متكافئين في القدرة، لا يستطيع كل منهم أن يقهر الآخرين ويغلبهم، فيذهب كل منهم بما خلق، ويختص بملكه. كما يفعل ملوك الدنيا من انفراد كل بمملكته، إذ لم يجد سبيلا لقهر الآخرين. وإما أن يكون أحدهم أقوى من الآخرين، فيغلبهم ويقهرهم، وينفرد دونهم بالخلق والتدبير. فلابد إذن مع تعدد الآلهة من أحد هذه الأمرين: إما ذهاب إما ذهاب كل بما خلق، أو علو بعضهم على بعض. قال: "وذهاب كل بما خلق غير واقع؛ لأنه يقتضي التنافر والانفصال بين أجزاء العالم". أما أن المشاهدة تثبت أن العالم كله كجسم واحد مترابط الأجزاء، متسق الأنحاء. فلا يمكن أن يكون إلا أثرا لإله واحد. وعلو بعضهم على بعض يقتضي أن يكون الإله هو العالي وحده. هو العالي وحده. طيب. هذه الآية يذكرها العلماء عند كلامهم على دليل يسمونه بدليل "تمانع". وهم يجعلون أي المتكلمون يجعلون هذا التمانع "تمانع" في الربوبية. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذه الآية حقق أنه "تمانع" في الألوهية. أنه "تمانع" في الألوهية. وهو يتضمن معنى التمانع في ماذا؟ في الربوبية. وحاصل هذا الدليل، وحاصل هذا الدليل كما ذكر وأشار إليه الشارح رحمه الله تعالى هو أن يقال: من كان إلها لابد أن يكون ماذا؟ لابد أن يكون خالقا، مالكا، مدبرا له الأمر. واضح، جماعة. من كان إلها، أي: معبودا، لابد أن يكون هذا المعبود لابد أن يكون خالقا، لابد أن يكون مالكا، لابد أن يكون مدبرا، لابد أن يكون بيده الأمر، لابد أن يكون كذلك بيده النفع وبيده ماذا؟ الضر. إذ لو لم يكن كذلك لا يستحق أن يكون إلها. لا يستحق أن يكون ماذا؟ واضح، هذا. جماعة. الآن ننظر إلى الواقع. وهذا من باب حجج القرآن. هذا من باب حجج القرآن العقلية. أي: أن القرآن كما أنه حاجج الناس بالبراهين الواضحة الصارعة، كذلك حاججهم بهذا الأسلوب. حاججهم بهذا الأسلوب الذي لا يبقى معه ماذا؟ لا يبقى معه جدل، ولا يبقى معه شك أو ارتياب لمن كان ذا عقل سليم. فالحاصل في هذا الدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. الله عز وجل نفى وانتفى أن يكون له ماذا؟ أن يكون له ولد. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. وما كان معه من إله. والإله كما ذكر لا بد أن يكون ماذا؟ خالقا، مالكا، رازقا، مدبرا، بيده النفع والضر. لا بد أن يكون كذلك حتى يصلح يكون ماذا؟ إلها. إذ لو لم يكن كذلك لا يستحق أن ماذا؟ أن يكون إلها؛ لأن الإله يعبد لأجل ماذا؟ هيا، جماعة. لأجل إما دفع ضر، أو جلب نفع. لأجل أنه الخالق، لأجل أنه الرازق، لأجل أنه المدبر، لأجل أنه بيده كل شيء. واضح، جماعة. فمن كان إلها لابد أن يكون بيده النفع والضر. لابد أن يكون بيده النفع والضر. وهذا أشار إليه ربنا عز وجل في قول إبراهيم عليه السلام لأبيه حينما جادله وناظره بالبرهان والحجة الصارعة. وكذلك ناظر قومه. قال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾. ﴿أَفَلَكُمْ عَقُولٌ﴾. إن كنتم ماذا، يا جماعة؟ تعقلون. إن كنتم ماذا؟ تعقلون. فإبراهيم عليه السلام يبين لهم أن الإله، وأن المعبود لابد أن يكون ماذا؟ أن يكون قادرا على النفع، وأن يكون كذلك قادرا على الضر. بل لابد أن يكون مالكا للنفع والضر. لابد أن يكون مالكا للنفع والضر. فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. وما كان معه... إلى ثم قال: "إذن"، أي: لو كان معه إله. لو كان معه إله كما يزعم المشركون بشتى أنواعهم. واضح، جماعة. إذ لو كان معه إله كما يزعمون. إذن. فقوله "إذن" إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى شيء مقدر، تقديره: لو كان معه إله كما تقولون. إذن. واضح، جماعة أم لا؟ إذن لذهب كل إله بما خلق. كل إله ذهب بماذا؟ بما خلق. هذا إله سيذهب بما خلق، وهذا إله سيذهب بما خلق، وذاك... إلى آخره. بما خلق. ولا ماذا؟ ولا على بعضهم على بعض. أي: تظاهر، وانتصر القوي منهم على ماذا؟ على الضعيف. واضح، جماعة أم لا؟ فالآن الناظر في هذا الكون، الناظر في هذا الكون. أولا: يقول الله جل وعلا: ﴿إِذَنْ لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. هؤلاء على سبيل الفرض، لو وجد إله. على سبيل الفرض، لو وجد إله، للزم هذا الإله. ووجد إله آخر، أن يكون هذا له خلق، وهذا له ماذا؟ خلق. وهذا له خلق. واضح، جماعة أم لا؟ فإما أن يغلب أحدهما الآخر، وإما أن لا يستطيع أحدهما أن يغلب الآخر. وإما أن يتعاون الجميع على أمر هذا الكون. واضح، جماعة أم لا؟ إما أولا: إما أن يقرأ أحدهما الآخر. فإن لم يستطع أحدهما أن يغلب الآخر، لماذا؟ لذهب كل إله بما خلق. واضح، جماعة. وهل الكون في هذا الاتساق العظيم، مشرق ومغرب في أوقات محدودة، وسماوات وأرض... تدل على ماذا؟ تدل على إله واحد، أو على أكثر من إله يدبر هذا الكون؟ تدل على ماذا؟ يدل على أنه إله واحد. والذي يدبر هذا الكون بماذا؟ بهذا النظام العظيم الذي أذهل العقول، وأعجز العقول، وانبهرت العقول بماذا؟ بهذا النظام العظيم الذي يسير عليه هذا الكون. وهذا يدل على ماذا؟ على أن مدبر هذا الكون ماذا؟ مدبر واحد. إذ لو كان إثنين اختلفا. واضح، جماعة. أحدهم يقول: الشمس تشرق من هنا، ويقول الآخر ماذا؟ لا تشرق من ماذا؟ منها هنا. واضح، جماعة. على سبيل الفرض. واضح أو لا؟ طيب. بقي ماذا؟ وإما أن يغلب بعضهم على بعض. كما قال الله عز وجل: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. قلنا: والواقع دل على ماذا؟ يدل على خلاف ذلك. بل الكون كله متسق على نظام واحد، يمشي على نظام واحد. بقي: ولا على بعضهم على بعض. وإما أن يعلو بعضهم على بعض. وإما أن يعلو بعضهم على بعض. أن يقهر بعضهم بعضا. فمن كان القاهر لغيره، فهو الذي يستحق أن يكون ماذا؟ أن يكون إلها. واضح، جماعة. ما كان قاهرا لغيره، فغيره لا يستحق أن يكون ماذا؟ إلها. والقاهر يستحق أن يكون ماذا؟ إلها؛ لأنه يكون ماذا؟ قاهر مقهور. فالمقهور هل يستحق أن يكون إلها؟ لا يستحق أن يكون إلها. ما بقي إلا ماذا؟ إلا القاهر. هو الذي يستحق أن يكون إلها. واضح، جماعة. لا. والله عز وجل هو القاهر فوق عباده. والله جل وعلا هو القاهر فوق عباده. إذن هو المستحق وحده سبحانه وتعالى للعبادة. وحده. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: "وذهاب كل بما خلق غير واقع؛ لأنه يقتضي التنافر والانفصال بين أجزاء العالم". مع أن المشاهدة تثبت أن العالم كله كجسم واحد مترابط الأجزاء، متسق الأنحاء. فلا يمكن إلا فلا يكون إلا أثرا لإله واحد. وعلو بعضهم على بعض يقتضي أن يكون الإله هو العالي وحده. واضح، جماعة. هذا خلاصة ما يقال في هذا الدليل. قوله رحمه الله تعالى: "وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾". قال: "فهو نهي لهم أن يشبهوه بشيء من خلقه". فإنه سبحانه له المثل الأعلى الذي لا يشرك فيه مخلوق. وقد قدمنا أنه لا يجوز أن يستعمل في حقه من الأقيسة ما يقتضي المماثلة والمساواة بينه وبين غيره. كقياس التمثيل، وقياس الشمول. وإنما يستعمل ذلك في قياس الأولى. الذي مضمونه أن كل كمال وجودي غير مستلزم للعدم، كل كمال وجودي، أي: موجود غير مستلزم للعدم، أي: للفناء. ولا للناقص، أي: للحاجة والافتقار بوجه من الوجوه، اتصف به المخلوق. فالخالق أولى أن يتصف به. أولى أن يتصف به؛ لأنه هو الذي وهب المخلوق لأنه هو الذي وهب المخلوق ذلك الكمال. ولأنه لو لم يتصف بذلك مع إمكان أن يتصف به، لكان في الممكنات من هو أكمل منه. وهو محال. وكذلك كل نقص يتنزه عنه المخلوق، فالخالق أولى بالتنزه عنه. وهذه القاعدة أطلق عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى "بقاعدة الكمال". وهي أن كل كمال ثبت للمخلوق، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، أمكن أن يتصف به الخالق سبحانه وتعالى. فالخالق أولى بذلك الوصف. الخالق أولى بذلك الوصف؛ لأن معطي الكمال هو أحق بالكمال. لأن معطي الكمال هو أحق بالكمال. وكذلك لأنه لو فرض أن المخلوق كان متصفا بذلك الوصف، والخالق غير متصف بذلك الوصف الذي هو كمال. لازم أن يكون في مخلوقات من هو ماذا؟ من هو أكمل من هذا. وهذا محال. وهذا محال في حق الله جل وعلا. وبالعكس: كل نقص تنزه عنه المخلوق، فالخالق من باب أولى أن يتنزه عنه. فصفة العلم مثلا صفة كمال. صفة العلم صفة كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، اتصف بها ماذا؟ المخلوق. فالخالق أولى بها. صفة الجهل صفة نقص، لا كمال فيها بوجه من الوجوه. وكل نقص تنزه عنه المخلوق، فالخالق أولى بالتنزه عنه. ووضح هذا، جماعة. وقول الشيخ رحمه الله تعالى: "وإنما يستعمل في ذلك قياس الأولى". تقدّم معنا. قياس المماثلة، وقياس المساواة. هكذا، جماعة. والذي يسميه المنطقيون "بقياس الاقتران". وذكرنا هناك أن قياس الأولى هو الذي يستخدم في الأمور الإلهية. ونقل هناك في الدروس الماضية أن هذا مجمع عليه بين سلف هذه الأمة. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.