شرح العقيدة الواسطية 75

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 75، ألقاها

الإيمان باليوم الآخر ورؤية المؤمنين لربهم

يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإيمان باليوم الآخر ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة، مستندين إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُؤكد أن هذه الرؤية من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

أحداث ما بعد الموت وفتنة القبر

يتناول شرح الإيمان بما يتعلق باليوم الآخر من أمور مثل فتنة القبر وعذابه ونعيمه، ويبين أهمية الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم دون معارضة العقل للنصوص الشرعية. يُوضح أن رفض بعض الفرق لهذه الأمور يُعد معارضة للنقل الصحيح.

دليل ثبوت عذاب القبر ونعيمه من القرآن والسنة

يتناول موضوع عذاب القبر ونعيمه، ويبين أن الصحابة لم يعارضوا الأخبار النبوية بالعقل، بينما فعل ذلك من جاء بعدهم. يستدل على ثبوت عذاب القبر ونعيمه من القرآن والسنة، ويُؤكد على أهمية التسليم بالنصوص الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأعينهم، كما يرون الشمس صحوا ليس بها سحاب، وكما يرون القمر ليس بها سحاب. وفي نسخة: ليس دونها سحاب. والمعنى هو المعنى. قال: وكما يرون القمر ليلة البدر، لا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهو في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى. قوله رحمه الله تعالى: وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبملائكته وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا، لماذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا من الإيمان بالله، ومن الإيمان كذلك بكتبه، ومن الإيمان بملائكته، ومن الإيمان برسله؟ لماذا ذكر هذا الشيخ هذه الأمور كلها؟ الجواب: أنها من الإيمان بالله جل وعلا؛ لأنه كما مر معنا أن من الإيمان بالله الإيمان بصفات الله جل وعلا، وها هنا الإيمان بأن الله جل وعلا يرى، بأن الله جل وعلا يرى، فهذا من الإيمان بالله. ومن الإيمان بكتبه؛ لأن هذا الأمر قد ثبت بكتاب الله جل وعلا، وقد مر معنا أن من الإيمان بكتاب الله جل وعلا أن نؤمن به ظاهرا وباطنا، وأن نعمل بمقتضاه. وهذا لا يتأتى ولا يكون إلا بالإيمان بإخباراته، الإيمان بإخبارات القرآن التي أخبر الله جل وعلا بها عن نفسه أو عن غيره. وكذلك العمل بما أمر الله جل وعلا به في القرآن، أو نهى عنه كذلك في القرآن، هذا من الإيمان بالقرآن. ومما أخبر الله جل وعلا به في القرآن أنه يرى. قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. إذن، دل كتاب الله جل وعلا على إثبات رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا، وأن الله جل وعلا يرى. وقوله: وبملائكته، الإيمان كذلك بملائكته، الإيمان بملائكة الله جل وعلا؛ لأن من الإيمان بالملائكة أن يؤمن الإنسان إيمانا بهم، كما مر معنا إجمالا، وإيمانا بهم كذلك تفصيلا. ومن الإيمان التفصيري أن يؤمن العبد بكل ما ثبت من خصائص بعض هؤلاء الملائكة، ومنهم جبريل عليه السلام، وأنه الموكل بالوحي، أنه الموكل بماذا؟ بالوحي، موكل من الله جل وعلا بأن ينزل القرآن على رسله، وأن ينزل كذلك الوحي من الله جل وعلا والعلم من الله جل وعلا إلى رسله. ومما نزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإخبارات بأن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا كما يرون الشمس، وفي رواية القمر، ليس بينها وبينه حجاب، واضحة، جماعة، ملا. فهذا يكون من الإيمان بالملائكة، هذا وجه كونه من باب الإيمان بالملائكة. وقوله: وبرسله، كذلك من الإيمان بالرسل، كما تقدم معنا أيضا في أول الدرس، أو في أول كتاب، أن الإيمان بالرسل إجمالي وتفصيلي. ومن التفصي، الإيمان بالرسل بمن سمى الله جل وعلا في كتابه، أو سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته. وأخص من ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والإيمان بما جاء به من الحق، والعمل بمقتضى ما جاء به من الحق، واضح، جماعة. ومما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم الإخبار بأن الله جل وعلا يرى. فمن كان يؤمن برسول الله فقد آمن بجميع الرسل، واضح، جماعة، ملا. ومن آمن كذلك بجبريل آمن ببقية كذلك ماذا؟ الملائكة، إلى غير ذلك. فمما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم الإخبار بأن الله جل وعلا يرى، كما جاءت في ذلك الأحاديث الكثيرة. وقد مر معنا الكلام على مسائل الرؤية، مسائل الرؤية: أن الله جل وعلا يرى حقيقة في موطنين: الموطن الأول في العرصة، في عرصات القيامة، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة، منها ما أشمنا إليه في قول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وفي قول الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس، في حديث الشفاعة، وكذلك في حديث الشفاعة، نحوها، أو بمعناها، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وما شابه ذلك، فيه: أن الله جل وعلا يأتي يوم القيامة، فيقول: «ليتبع من كان يعبد شيئا»، أو قال: «من كان يعبد شيئا فليتبعهم». فمن كان يعبد الأشجار يتبعها إلى النار، ومن كان يعبد الأحجار يتبعها إلى النار، ومن كان يعبد الأصنام يتبعها إلى النار. الحديث. فيبقى المؤمنون، وغبرات من أهل الكتاب، والمنافقون. وجاء في الحديث: «ثم يقول الله جل وعلا: حتى إذا ما بقي إلا المؤمن»، يقول الله جل وعلا: «أو وبعض المنافقين»، يقول الله جل وعلا: «ما لكم ما تنتظرون؟» قالوا: «ننتظر ربنا». «ننتظر ربنا». فيقول لهم ربنا جل وعلا: «أنا ربكم». فيقول المؤمنون: «لست بربنا». فقال: فيقول لهم: «بما تعرفون ربكم؟» فيقولون: «بالساق». قال: كما جاء في حديث أبي سعيد: «فحينها يكشف عن ساق». يكشف ربنا جل وعلا عن ساقه. قال: وذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: أن أهل الإيمان حينما يرون هذه العلامة يخرون لله جل وعلا سجدا، يخرون لله جل وعلا سجدا. وأما المنافقون فلا يستطيعون، فلا يستطيعون، بل تكون ظهورهم كأنها خشب، لا يستطيعون معها السجود. فهذا موطن من المواطن الذي أخبر الله جل وعلا، وكذا أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن الله جل وعلا يرى. والمكان الثاني في الجنة، والمكان الثاني في الجنة. ويدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، والنظرة، أو النظرة، إنما تكون بسبب النعيم، بسبب النعيم الذي قد لاقوه، وحصل لهم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، إلى ربها ناظرة. فدلت هذه الآية أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا إذا دخلوا الجنة، وذاقوا من نعيمها، وذاقوا من نعيمها، رأوا ربهم جل وعلا. وجاءت كذلك الأحاديث الصحيحة في أن الله جل وعلا يتجلى لأهل الجنة في كل يوم جمعة، يتجلى لأهل الجنة في كل يوم جمعة، أو يتجلى لأهل الجنة في كل يوم جمعة، ويسمى ذلك اليوم يوم المزيد، ويسمى ذلك اليوم يوم المزيد، كما جاء في حديث أبي هريرة، وجاء في حديث أبي هريرة، وهو حسن بشواهده، وجاء من حديث أناس، وهو حسن لذاته، ولهم طرق قد ذكرنا طرقهم، والكلام عليها، وكذا على حديث أبي هريرة في «فتح رب العباد»، شرح «دراسة لمعة الاعتقاد». فالحاصل: أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا في هذين الموطنين. وقد ذكر في هذا الاتفاق: أن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا في موطنين: يوم القيامة، في العرصات، وكذلك إذا دخلوا الجنة، وإذا دخلوا الجنة. وأما قبل ذلك، أي في الدنيا، فإن المؤمنين، فإن أحدا لا يرى ربه جل وعلا بعينيه، وإنما وقع خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأى ربه جل وعلا يوم الإسراء أم لا؟ والصحيح: بل نقل بعضهم الإجماع على أنه لم يراه بعينيه، وإنما رآه منهم من يقول: بقلبه، ومنهم من يقول: رآه رؤية منامية، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذا العلامة ابن قيم، وكذا الحافظ ابن كثير، وسبقهم إلى نقل إجماع الإمام أبو سعيد الدارمي رحمه الله تعالى في رده على الجهمية. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: وقد دخل أيضا فيما ذكرناه إلى آخره، تقدم الكلام على رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في الجنة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث الصريحة، فلا حاجة بنا إلى إعادة الكلام فيها. غير أن قوله: «يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة»، قد يوهم أن هذه الرؤية أيضا خاصة بالمؤمنين. ولكن الحق أنها عامة لجميع أهل الموقف، حين يجيء الرب لفصل القضاء بينهم، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. والعرصات: جمع عرصة، وهي كل موضع واسع لا بناء فيه. قوله رحمه الله تعالى: في أن الرؤية في العرصة، وفي الموقف، تكون لجميع الخلق، هذا كما مر معنا قول لأهل العلم، هذا قول لأهل العلم. وقد ذهب إلى هذا القول إمام بن خزيمة رحمه الله تعالى، وغيره، كما مر معنا فيما مضى. وكما مر معنا أيضا: أن الطوائف من أهل العلم، والسلف، ذهبوا إلى أنهم لا يرونه. وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أنهم لا يرون ربهم جل وعلا، وكذلك ذكر ذلك شيخ الإسلام. فبعد أن ذكر الإجماع عن القاضي أبي العلاء، قال: «فثبت بهذا الإجماع». قال: «وكل حادث بعد الإجماع فهو باطل مردود». أي: أن الكفار لا يرون ربهم، إنما وقع الخلاف في ذلك بعد القرون الثلاثة المفضلة، وقع الخلاف بعد القرون الثلاثة المفضلة. انظر لهذا «مجموع الفتاوى» السادس، صفحة 85 و400 فما بعد. قوله رحمه الله تعالى: والعرصات: جمع عرصة، وهي كل موضع واسع لا بناء فيه. كما ذكر: أنه يطلق تطلق العرصة على المكان الواسع الفسيح، إذا يقال: عرصة البيت، عرصة البيت، أي: الساحة الواسعة التي تكون في البيوت، من غير بناء. وهذا كان، وما زال موجودا في كثير من البيوت، تجدون بيوتا كثيرة، وأمامها ساحات، تكون هذه الساحة تسمى ماذا؟ عرصة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر، والمراد: عرصة يوم القيامة، كما هو واضح. والمراد: عرصات يوم القيامة، وهي الأرض الواسعة. وكما جاءت الأحاديث: أن الأرض، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، جاء في الأحاديث: أن الأرض تكون كقرصة النقي، لا أعلام فيها، ولا شيء. وكذلك لم يشفك فيها دم، ولا شيء. فهي ماذا؟ فهي أرض مستوية، لا بناء فيها، ولا أعلام. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، ونعيمه. فأما الفتنة، فإن الناس يمتحنون في قبورهم. فيقال للرجل: ما ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيه. وأما المرتاب فيقول: ها ها، لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئا، فقلته. فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان. ولو سمعها الإنسان لصعق. ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم، وإما عذاب، إلى أن تقوم القيامة الكبرى. فتعاد الأرواح إلى الأجساد. قوله رحمه الله تعالى: ومن الإيمان بالله، ومن الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. فهذا من الإيمان باليوم الآخر، ودلالته على ذلك دلالة واضحة؛ لأن هذه الأمور إنما تكون يوم القيامة، إنما تكون يوم القيامة. وهي كذلك من الإيمان بالله، وكذلك هي من الإيمان برسوله، وهي كذلك من إيمان بكتبه، وهي كذلك من إيمان بملائكته؛ لماذا؟ لأنها قد ثبتت هذه الأشياء، وهذه الأخبار، بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكذلك نزل بها جبريل عليه السلام. قوله رحمه الله تعالى: ومن الإيمان باليوم الآخر، وهذا في قوله: اليوم الآخر، يدل على أن الأيام باعتبار جنسها: يوم أول، وهو أيام الدنيا، ويوم ماذا؟ الآخر، وهو يوم القيامة. وسمي آخر؛ قال العلماء: لأنه آخر أيام الدنيا، آخر أيام الدنيا؛ لأنه يحصل بعد ذلك انتقال للإنسان من حياة إلى حياة. وقول رحمه الله تعالى: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: بكل، يدل على أن هذا هو الأمر الواجب على كل مسلم. وهذا من تمام إيمان العبد أن يصدق بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمن به، سواء عقله أم لم يعقله، ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن عليه التسليم، والإيمان، والإذعان. ولا يجعل عقله معارضا لما جاء عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لأن أمور الغيب ليست كأمور الشهادة، أمور الغيب ليست كأمور الشهادة، بل بينهما اختلاف واسع، كبير. فالعقول قاصرة عن إدراك الأشياء على ما هي عليه يوم القيامة، حتى يرونها في يوم القيامة. قوله رحمه الله تعالى: مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، ونعيمه. ما هي الفتنة؟ قال: فأما الفتنة، فإن الناس يمتحنون. معنى الفتنة يا جماعة: كما ذكر رحمه الله تعالى أن الناس يمتحنون في قبورهم. ومعنى الفتنة، والفتنة: كما قال علماء: سميت فتنة من الشدة والبلاء، ومنه يقال: فتنة الحديث، إذا نقيا، إذا نقيا، وأخرجت ما به من الشوائب، وأخرجت ما به من الشوائب. قال: فإن الناس يمتحنون. وجاءت في نسخة الفتاوى: «يفتنون». فقال الرجل: وهذا بمعنى هذا، وهذا بمعنى هذا. فيقال للرجل: ما ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ هذه فتنة القبر، واضح، جماعة. إذا قيل: ما هي فتنة القبر؟ يقال: فتنة القبر هي سؤال العبد عن ربه جل وعلا، وعن دينه، وعن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه فتنة القبر. قال: فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. فيقول المؤمن: ربي الله، وهذا من تثبيت الله جل وعلا لأهل الإيمان، لأهل الإيمان، والإسلام، ويقول: والإسلام ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيه. إذن، هذا من التثبيت. وكما جاء في حديث البراء بن عازب، وهذا قطعة من أصله في الصحيح، وجاء مطولا في مسند أحمد، وفي مصنف ابن أبي شيبة، وغيرهما، بإسناد حسن، بإسناد حسن، يحسنه العلامة الألباني رحمه الله، وكذا العلامة شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في «الصحيح المسند» في ذكر موت العبد، وانتقاله من أمر إلى آخر، حتى يدخل القبر، وما يحصل له في القبر. وكذلك جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في الصحيحين، أو في الصحيح: أنها قالت: «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء». قالت: «فأما المؤمن فيثبت بلا إله إلا الله عند الموت». قال: «وكذلك في القبر». عند الموت، وكذلك في القبر. وهذا ومعنى هذا: أي: حينما يسأل: من ربك؟ فيقول ماذا؟ فيقول: ربي الله. وكذلك يسأل عن الإسلام، فيقول: دين الإسلام. ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيه. هذا امتحن، فأجاب كما كان في الدنيا؛ لأنه مؤمن. قال: وأما المرتاب فيقول: ها، لا أدري. وجاء في بعض الرواية: قال: وأما المنافق، وفي بعض الرواية: قال: وأما الكافر، فيقول: ها ها، لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئا، فقلته. فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان. قول الشيخ رحمه الله تعالى: إلا الإنسان، وهذا مما رواه الشيخ رحمه الله تعالى من حفظه. وإلا الحديث في الصحيحين: «فيسمعها كل شيء إلا الثقلان». فيسمعها كل شيء إلا الثقلان. ولو سمعاها لصعقوا. أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وأما الاستثناء هذا، فجاء في ماذا؟ جاء في حمل الجنازة إلى القبر: «أما إذا كانت»، وأما إذا كانت، أو «أما المرتاب»، أو كما جاء في الحديث. قال: «فتقول الجنازة حين تحمل على عواتق الرجال: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يا ويلها، أين تذهبون بها؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيسمعها كل شيء». فيسمعها كل شيء. قال: «إلا الإنسان». يسمعها كل شيء إلا الإنسان. في الجنازة يسمعها كل شيء إلا ماذا؟ إلا الإنسان. وعند الضرب بالمطرقة يسمعها كل شيء إلا ماذا؟ إلا الثقلين. واضحة، جماعة. قال: ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم، وإما عذاب. وهذا العذاب، أو النعيم، هو فرع عن الجواب، أو عدمه، فرع عن الجواب، أو عدمه. من أجاب بالجواب الصحيح كان من أهل النعيم، بإذن الله جل وعلا. وأما من كان مرتابا، وأما من كان منافقا، وأما من كان كافرا، فإنه من أهل العذاب، والعياذ بالله. قال: إلى أن تقوم القيامة الكبرى. فتعاد الأرواح إلى الأجساد. وقوله رحمه الله: إلى أن تقوم القيامة الكبرى، إشارة إلى أن القبر من القيامة، ولكنها الصغرى، من قيامة، ولكنها الصغرى. كما جاء في حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال في القبر، حينما وقف عليه، وبكى بكاء شديدا: «القبر أول منازل الآخرة». فهو أول منازل الآخرة. من نجى منه، نجى من نجى منه، فهو لما بعده ماذا؟ أيسر. ومن لم يكن كذلك، فهو لما بعده أحسر. والله أعلى وأعلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون. فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: من الإيمان باليوم الآخر إلى آخره، إذا كان الإيمان باليوم الآخر أحد الأركان، أحد الأركان الستة التي يقوم عليها الإيمان، فإن الإيمان به إيمانا تاما كاملا لا يتحقق إلا إذا آمن العبد بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور الغيب التي تكون بعد الموت. والضابط في ذلك: أنها أمور ممكنة، أخبر بها الصادق، صلوات الله عليه، وسلامه، وآله. وكل ممكن أخبر به الصادق يجب الإيمان بوقوعه كما أخبر. قوله رحمه الله تعالى، وكلامه المذكور، واضح. لكن بقي أن قوله رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر: فإن الإيمان به إيمانا تاما كاملا لا يتحقق إلا إذا آمن العبد بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: والضابط في ذلك، والضابط في ذلك: أنها أمور ممكنة، أخبر بها الصادق، صلوات الله وسلامه وآله. قال: وكل ممكن أخبر به الصادق يجب الإيمان بوقوعه كما أخبر. قوله: وكل ممكن، الأولى أن لا يؤتى بهذا القيد، أن لا يؤتى بهذا القيد؛ لأنه قد يفهم، ولو من بعيد، أن مما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون مستحيلا، ما يكون ماذا؟ مستحيلا. وحينها لا يجب الإيمان به. وحينها لا يجب الإيمان به. فالأولى أن يقال: الإيمان بكل ما أخبر به. وما أخبر به فهو واقع، ممكن، لا محالة. واضح، جماعة. أملا. الأولى أن يقول: فيجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول. فيجب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول. وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ممكن، بل وواقع، لا محالة. واضح، جماعة. أملا. وهذا من تمام الإيمان بأن محمدا رسول من الله؛ لأنه مخبر عن ربه جل وعلا. وإخباراته صلى الله عليه وسلم صدق. وإذا كانت صدق، فإنها حق. والحق لا يخالف الحق، والحق لا يخالف الحق، بل يقرره. فكيف بعد ذلك يقال مثل هذه العبارة: ممكن، وما شابه ذلك؟ بل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه حق، وإنه واقع، لا محالة. وإنه واقع ماذا؟ لا محالة. أدركته العقول أم ماذا؟ أم لم تدركه العقول؟ حسبنا أن نعلم، وأن يثبت عندنا أنه خبر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما دام كذلك، فإنه حق، وجب تلقيه بالقبول، والتسليم. واضح، هذا يا جماعة. قال الشارح رحمه الله: وأما أهل المروق والإلحاد من القدرية والمعتزلة، فينكرون هذه الأمور من سؤال القبر، ومن نعيم القبر، وعذابه، والصراط، والميزان، وغير ذلك، بدعوى أنها لم تثبت في العقل. إذن، عندهم مستحيلة. واضح، جماعة. أم لا؟ فعلى القاعدة المذكورة: وكل ممكن، قد يعارضها هؤلاء بأن هذا ليس بممكن. واضح، جماعة. أم لا؟ فيكون من باب معارضة العقل للنقل، فيقدم العقل على النقل. ولكن الحق أن يقال: كل عقل خالف النقل الصحيح، فإن ذلك العقل ليس بصحيح. فإن ذلك العقل ليس ماذا؟ بصحيح. فنستدل بصحة العقل على موافقته للحق، والنقل. واضح، جماعة. نستدل بصحة العقل بموافقته لماذا؟ بموافقته للنقل. فإن خالف العقل النقل، علمنا أن ذلك العقل ماذا؟ ليس بصحيح. لماذا؟ لأن الخبر حق، ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. والحق لا يخالف الحق، بل يوافقه، ويؤيده ببرهان صاطع، وحجة واضحة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. ألم يسمع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أتم الناس عقولا، وأعلاهم إيمانا، ألم يسمعوا هذه الأخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا. هل صدر من أحدهم: وأن هذا لا يمكن، والعقل يحيله؟ الجواب ماذا؟ لا. لماذا؟ لأن عقولهم سليمة، وفطرهم مستقيمة. فوافق العقل النقل، لم يعارضه، بل وافقه، وأيده. واضح، هذا، جماعة؛ لأن إيمانهم مبني على الإسلام الصادق، والإيمان الجازم، والإذعان التام لإخبارات الله جل وعلا، وإخبارات رسوله صلى الله عليه وسلم. بخلاف هؤلاء الخلف، بخلاف هؤلاء الخلف، الذين عارضوا النقل بالعقل، وزعموا أن النقل حجة العقل بطلانا، وفسادا. فردوا العقل، أو فردوا النقل بالعقل. قال الشارح رحمه الله: والعقل عندهم هو الحاكم الأول، الذي لا يجوز الإيمان بشيء إلا عن طريقه. وهم يردون الأحاديث الواردة في هذه الأمور، بدعوى أنها أحاديث آحاد، لا تقبل في باب الاعتقاد. قال: وأما الآيات، فيؤولونها بما يصرفها عن معانيها. والإضافة في قوله: بفتنة القبر، على معنى: أي بالفتنة التي تكون في القبر. وأصل الفتنة: وضع الذهب، ونحوه، على النار، لتخليصه من الأوضار، والعناصر الغريبة. ثم استعملت في الاختبار، والامتحان. قال: وأما عذاب القبر، ونعيمه، فيدل عليه قوله تعالى في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا. يعني: الشاهد منه: أن عذاب القبر، ونعيمه، قد ثبت بكتاب الله، كما ثبت بماذا؟ بالسنة. هم يقولون: إن أخبار السنة آحاد. قد ثبت بكتاب الله جل وعلا. قال: في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. هل هذا الإسدال به واضح؟ الجواب: قال: ويوم تقوم الساعة: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. واضح، جماعة. لا. فدل على أن هذا العذاب متى؟ في القبر. واضح، جماعة. قال: وفي هذه الآية: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، أيضا جاء عن طائفة من المفسرين: أنهم فسروها، أفسروها بعذاب القبر. قال: وقوله عليه الصلاة والسلام: «القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار». طيب، هذا اللفظ، أو هذا المثل، لا يصح، هذا الحديث لا يصح بهذا المثل. والله أعلى وأعلم. قال: والمرزبة: بالتخفيف، والمرزبة: قال رحمه الله: والمرزبة بالتخفيف: المطرقة الكبيرة. ويقال لها: إرزبة، بالهمز، والتشديد. يقال: مرزبة، ومرزبة، بهذا، وهذا، بالتخفيف، والتشديد. وهي المطرقة الكبيرة. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك.

شاركنا على