الدرس في شرح العقيدة الواسطية 28، ألقاها
يبدأ الدرس بشرح قاعدة أهل السنة والجماعة في التعامل مع الصفات الإلهية وتطبيقها على مختلف الفرق الإسلامية. يُبيّن أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
يتناول الدرس الرد على المعطلة الذين ينفون صفات الله تعالى، مع التركيز على إثبات صفة المحبة لله تعالى على وجه حقيقي وليس مجازي، مستنداً إلى الآيات القرآنية وحديث جبريل عليه السلام.
يشرح الدرس الآيات التي تشير إلى محبة الله تعالى وصفات من يحبهم الله، مثل الإحسان والعدل والتوبة، مع التأكيد على أهمية اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لنيل محبة الله.
يفسر الدرس اسم الله "الودود" على أنه إما من يفعل الود ويحب من يطيعه، أو أنه يحبه عباده، ويُظهر توافق هذا التفسير مع مذهب أهل السنة والجماعة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. مضى معنا في الدرس السابق الجواب على الأشاعرة أو على الأشاعر الذين قالوا: إن صفات الفعل مردها إلى الإرادة، وأنهم لا يثبتون لله عز وجل صفات الفعل، لا يثبتون لله عز وجل محبة ولا غضبا ولا رضا ولا ساخطا ولا غيرها من الصفات؛ لأنها بزعمهم يستلزم منها النقص في حق الله عز وجل. وقالوا بخصوص المحبة: بأنها يستلزم منها ميل المحب إلى محبوبه والاستلذاذ به، قالوا: هذا منزه والله عز وجل منزه عن هذا، وتقدم معنا جواب الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى على هؤلاء، وأنه قال رحمه الله تعالى فيما قال: إن ما فررتم منه وما أثبتموه في المعنى سواء في المعنى، بمعنى أنكم فررتم من إثبات صفات الفعل لله عز وجل من محبة ورضا إلى غير ذلك، وفي المقابل من سخط وغضب؛ لأنها كما قلتم فيها نوع نقص. قال لهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكذلك الإرادة، الإرادة هي ميل إلى شيء لجلب نفع أو لدفع ضر، فقالوا: أشاعرة، قالوا: هذه إرادة المخلوق واضحة، فقال: وكذلك يقال في صفات الفعل، أن هذه التي ذكرتم وهي محبة المخلوق، وهذا كذلك رضا المخلوق إلى غير ذلك واضحة. فإن قالوا: والله عز وجل منزه عن هذا، بل نثبت لله عز وجل إرادة تليق بالله عز وجل، فيقال لهم: كذلك يقول في بقية الصفات، فكذلك يقول في بقية الصفات، أثبت لله محبة تليق به، لا تماثل صفات المخلوق، ورضا يليق به، وغضب يليق به إلى غير ذلك، لا يماثل صفات المخلوق. فإن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة في الرد على الأشاعرة في هذا الباب، وهي قاعدة ذكرها الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه "القاعدة التدمرية". ما هي القاعدة؟ أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فما أثبت المثبت من الصفات يقال له: كذلك أثبت بقية الصفات، فالأشاعرة مثلا أثبتوا سبع صفات، وقالوا: إن هذه الصفات السبع تليق بالله عز وجل، لا تماثل صفات المخلوقين، فأثبتوا لله عز وجل سمعا وبصرا وعلما وإرادة وكلاما وقدرة. إذا نظرنا إلى هذه الصفات السبع، هل المخلوق متصف بهذه الصفات أم لا؟ المخلوق عنده علم، وكذلك يتكلم، إرادة وقدرة وسمع وبصر وحياة، فلماذا أثبتتم هذه الصفات دون بعضها مع أن المخلوق متصف بها؟ سيكون الجواب: هذه الصفات لائقة بالله عز وجل، لا تماثل الصفات المخلوقين، فيطبق معهم هذه القاعدة، ما هي هذه القاعدة؟ أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، كذلك يقال لهم في بقية الصفات: هي ثابتة لله عز وجل على الوجه اللائق بالله عز وجل، ولا يستلزم من ذلك مماثلة للمخلوق. فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، طيب إذا جاء المعتزلي فقال: أنا لا أثبت صفة أصلا، فماذا ستلزموني؟ أنا ما أثبت لا صفة ولا شيئا، ما أقول بإثبات صفة، ما أقول بإثبات صفة. يقول: أما ستلزموني بأن إثبات الصفات يستلزم منها الحدوث؛ إذ لا صفة إلا لمخلوق، فالمعتزلي ينتقل معه إلى أمر آخر، فيقال له: أنت تثبت لله عز وجل الأسماء، فيقول: نعم، يثبت الأسماء لله عز وجل المعتزلي. فيقال له: أنت أثبت الأسماء لله عز وجل، ومن المخلوقين ما هو مسمى بهذه الأسماء، فمن أسماء الله عز وجل العزيز، ومن أسماء المخلوق العزيز، ومن أسماء المخلوق الرحيم، ومن أسماء الله عز وجل الرحيم، وهكذا قل في بقية أو في كثير من الأسماء، لا سيما الأسماء المشتركة. فما هو سيكون جوابه؟ أنا أثبتت أسماء لله عز وجل لائقة بالله عز وجل، لا تماثل أسماء المخلوقين، فيقال له بجواب مختصر: كذلك نقول: نحن نثبت لله عز وجل صفات لائقة بالله عز وجل، لا تستلزم مماثلة المخلوقين. فالقول في بعض ما أثبته كالقول في البعض الآخر الذي نفاه من الأسماء والصفات، فما أثبته من الأسماء نستدل به على إثباته للصفات، فهو أثبت أسماء ونفى الصفات، والباب واحد، باب أسماء الله عز وجل وصفاته واحد. طيب إذا جاءنا جهم فقال: أنا لا أثبت صفة ولا أثبت لله عز وجل إسما، فما هو الجواب؟ يقال له: هل أنت تثبت لله عز وجل وجودا؟ الله عز وجل موجود أو غير موجود؟ إذا قال: غير موجود، كفر، انتهى الأمر معه. وإذا قال: موجود، يقال له: القول في الصفات كالقول في الذات، وهذه أيضا قاعدة أخرى مستخدمة مع هؤلاء الجهمية، يستخدمها أهل السنة والجماعة، وذكرها أيضا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه "القاعدة التدمرية"، وهي أن القول في الصفات كالقول في الذات. فيقال له: هل تثبت لله عز وجل وجودا؟ فيقول: نعم، فيقال له: والمخلوق كذلك موجود، فيجزم من قولك أنك شبهت الله عز وجل بالمخلوق، فماذا سيقول؟ لا، هذا وجود يليق بالله عز وجل، والله عز وجل وجوده يليق به، لا يماثل وجود المخلوق. فيقال له في هذه الحال: القول في الصفات كالقول في الذات، طيب إذا كان على سبيل الجدل مع هؤلاء الجهمين، قال: أنا أقول: لا أثبت لله عز وجل الوجود، يقال له: ما لم يكن موجودا فهو معدوم، فهو معدوم. إذن أثبت لله عز وجل أنه معدوم، فشبهته بالمعدومات، ففررت من شيء فوقعت فيما هو أشر، وتشبيه بالموجودات أهون من التشبيه بالمعدومات، وإن كان الكل باطل. فإن قال: أنا لا أقول بأنه موجود ولا معدوم، ما زال يفر من الإلزام، لكن يفر إلى أين؟ إلى أشد، كالعيس لا كالفار من الرمضاء إلى النار، إنسان في حر الشمس والصحراء يهرب من هذا الحر إلى نار، فهذا مثله فر من الوجود إلى العدم، ثم من العدم إلى الممتنع. فقال: لا أقول إن الله عز وجل موجود ولا أنه معدوم، وما كان كذلك فهو ممتنع؛ لأن نفي النقيضين كالجمع بينهما، وكلاهما ممتنع، فيقال له: كذلك شبهت الله عز وجل بالممتنعات. فالحاصل: هذا خلاص ما يقال مع هؤلاء المعطلة، هذا جواب إجمال في الرد على هؤلاء المعطلة، وقد ذكر هذه الأجوبة واستفصل فيها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه، وذكرها كذلك في كتابه الجليل "القاعدة التدمرية". قال رحمه الله تعالى: وأما أهل الحق فيثبتون المحبة صفة حقيقية لله عز وجل على ما يليق به، فلا تقتضي عندهم نقصا ولا تشبيها بالمخلوق، ولا تشبيها بالمخلوق من جميع الوجوه. فإن التشبيه ها هنا المراد به التشبيه المستلزم للنقص، فقوله رحمه الله تعالى: وأما أهل الحق فيثبتون المحبة صفة حقيقية، قوله حقيقية ليؤكد المعنى، وأن إثبات أهل السنة والجماعة صفة المحبة ليس بمجازي. لأن من أهل الأهواء كالأشاعرة بل والجهمية يقولون: إن نثبت لله عز وجل المحبة مجازا، ما معنى مجاز؟ أي أنها ليست حقيقية، المحبة المثبتة لله عز وجل ليست حقيقية؛ لأنهم يقولون عند التفصيل والتحقيق: إن المراد بالمحبة إرادة الثواب. وهذا كما يسمونه تأويلا، ولكنه تأويل باطل؛ لأنه صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته من غير قرينة أصلا إلى معنى آخر من غير برهان، فالقرينة عندهم عقلية، ما هي القرينة عندهم؟ يقولون: إن الله عز وجل مستحيل أن يوصف بالمحبة؛ لأن المحبة يستلزم منها الميل إلى المحبوب والاستلذاذ به، وهذا في حق الله عز وجل لا يجوز. فقوله رحمه الله تعالى: وأما أهل الحق فيثبتون المحبة صفة حقيقية، قوله حقيقية ليرد على من أثبت المحبة لله عز وجل وجعلها صفة لله عز وجل ولكن مجازا، عملا وكما ذكرنا وكررنا أن الشيخ محمد بن خليل هراس لمعرفته بمداخل أهل الأهواء رحمه الله تعالى ينبه بمثل هذه التنبيهات الدقيقة. فقوله حقيقة ليرد على أهل المجاز، وأن إثبات أهل السنة والجماعة المحبة إثباتا حقيقيا على وجهه، وليس مجازيا كما قاله من قال من المخالفين لهم، قال رحمه الله تعالى: كما يثبتون لازم تلك المحبة، وهي إرادته سبحانه إكرام من يحبه وإثابته. كذلك أهل السنة والجماعة إذا أثبتوا الصفة، كذلك أثبتوا لازما، فإن الله عز وجل إذا أحب عبدا وإذا رضي عن عبد أثابهم بالثواب الجزيل، فهم يثبتون الصفة ويثبتون لازمها ومقتضاها. قال رحمه الله تعالى: وليت شعري بماذا يجيب النافون للمحبة عن مثل قوله عليه السلام في حديث جبريل: "إن الله عز وجل إذا أحب عبدا قال لجبريل عليه السلام: إني أحب فلانا فأحبه، فيقول جبريل عليه السلام لأهل السماء: إن ربكم عز وجل يحب فلانا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغضه فمثل ذلك" رواه الشيخان. والشيخ اختصر الحديث ها هنا، والحديث كما ترون استدل به الشيخ الهراس رحمه الله تعالى على أن الله عز وجل إذا أحب عبدا قال لجبريل عليه السلام: إني أحب فلانا فأحبه، فإذا قيل: فماذا قال في جبريل؟ محبة حقيقية. ثم بعد ذلك ينادي جبريل لملائكة السماء أو لأهل السماء: إن الله عز وجل يحبه فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، كيف تكون محبة لأهل السماء؟ هل هي محبة حقيقية أم إرادة الثواب أيضا؟ قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى في الآية الأولى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٨٤] بالإحسان العام في كل شيء، لا سيما في النفقة المأمور بها قبل ذلك، والإحسان فيها يكون بالبذل وعدم الإمساك، أو بالتوسط بين التقتير والتبذير. التقتير بمعنى الإمساك أو شدة الإمساك، والتبذير هو بمعنى الإسراف، وإن كان بعض أهل العلم يفرق بين التبذير وبين الإسراف، فيجعلون التبذير المبالغة في النفقة الحلال، أي إخراج الحلال فوق حده، وأما الإسراف يقولون: هذا يكون بفعل المعاصي. إذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، والله لا يحب المسرفين، وقال في المبذرين: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]. فشاهد أن الله عز وجل لا يحب هؤلاء، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالحاصل أن التقتير وهو شدة الإمساك، والتبذير وهو النفقة فوق الحد المطلوب المعتدل يسمى تبذيرا. قال رحمه الله تعالى: وهو القوام الذي أمر الله به في سورة الفرقان، كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. قال رحمه الله تعالى: ومثله في الصحيح عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". كما ترون فيه أي في الحديث أمر أو خبر من نبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، هذا خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، جاءت بالكسر وجاء بالفتح "القتلة" و"القتلة"، وكذا "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة"، وجاء كذلك "الذبحة" بالفتح. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فهو تعليل للأمر بالإحسان؛ فإنهم إذا علموا أن الإحسان موجب لمحبتهم سارعوا إلى امتثال الأمر به، وهذا واضح. قالوا: أما قوله في الآية الثانية: ﴿وَأَقْصِطُوا﴾ [الحجرات: ٩] فهو أمر بالإقصاط، وهو العدل في الحكم بين الطائفتين المتنازعتين من المؤمنين، وهو من "قصط" إذا جار، فالهمزة فيه للسلب. قال رحمه الله تعالى: ومن أسماء الله تعالى "المقصط"، هذا لم يثبت هذا الاسم عن نبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، وإنما ورد هذا الاسم ضمن حديث الأسماء التسعة والتسعين الذي سردها بعضهم عند حديث أبي هريرة: "إن لله تسعة وتسعين اسما"، والحديث لا يصح كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى باتفاق أهل المعرفة. قال رحمه الله تعالى: وفي الآية الحث على العدل وفضله، وأنه سبب لمحبة الله عز وجل، قالوا: أما قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] فمعناه: إذا كان بينكم وبين أحد عهد كهؤلاء الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فاستقيموا لهم على عهدهم مدة استقامتهم لكم. فـ "ما" هنا مصدرية ظرفية، ثم علل ذلك الأمر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، فمن أو من استقام كما أمره الله عز وجل فإنه من المتقين، والله عز وجل يحب المتقين. قالوا: أما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فهو إخبار من الله سبحانه وتعالى عن محبة لهذين الصنفين من عباده، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. قال: أما الأول فهم التوابون، أي الذين يكثرون التوبة والرجوع إلى الله عز وجل بالاستغفار مما ألموا به، على ما تقتضيه صيغة المبالغة، فهم بكثرة التوبة قد تطهروا من الأقذار والنجاسات المعنوية التي هي الذنوب والمعاصي. فقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ﴾ كما هو ظاهر فيه معنى الإكثار من التوبة والأوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وهذا يدل على صفة عظيمة لهؤلاء، سواء ألموا بماذا بذنوب أم لم يلموا بذنوب. قال رحمه الله تعالى: وأما الثاني فهم المتطهرون الذين يبالغون في التطهر، وهو التنظيف بالوضوء أو بالغسل من الأحداث والنجاسات الحسية، وقيل: المراد المتطهرين هنا الذين يتنزهون من إتيان النساء في زمن الحيض أو في أدبارهم، والحمل على العموم أولى. أي الحمل على كل المعاني على أنهم الذين يبالغون في التطهر، قالوا: هل تنظيف بالوضوء أو بالغسل من الأحداث والنجاسات الحسية، وكذلك ما يدخل في هذه النجاسات التطهر من إتيان النساء في حال الحيض؛ لأن الحيض نجس إجماعا، أو إتيان النساء في أدبارهن؛ لأنه مكان نجاسة كذلك إجماعا. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد روي عن الحسن في سبب نزولها: أن قوما ادعوا أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية محنة لهم. وفي هذه الآية محنة لهم، هذا الأثر عن الحسن رحمه الله ورضي الله عنه رواه ابن جرير الطبري وغيره من طريق أبي بكر أو من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسلم، وقد ضعف ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى هذا الأثر. قال رحمه الله تعالى: ثم ذكر رحمه الله تعالى أن الراجح في نزولها قول محمد بن جعفر بن الزبير: أنها في وفد نجران من النصارى، زعموا ودعوا أنهم يحبون الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. قال رحمه الله تعالى: في هذه الآية قد شرط الله لمحبته اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا ينال تلك المحبة إلا من أحسن الاتباع والاستمساك بهديه عليه السلام، فمن أسباب محبة الله عز وجل اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] تضمنت الآية إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما "الغفور" و"الودود"، قال: أما الأول فمبالغة "الغفر"، ومعناه: الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده والتجاوز عن مؤاخذتهم. قال: وأما الثاني فهو "الودود" الذي هو خالص الحب وألطفه، وهو إما من "فَعُول" بمعنى "فاعل"، فيكون معنى الكثير الود لأهل طاعته، والمتقرب إليهم بنصره لهم ومعونتهم، أو من "فَعُول" بمعنى "مفعول"، فيكون معناه المودود لكثرة إحسانه، المستحق لأن يوده خلقه فيعبدوه ويحمدوه. قال رحمه الله تعالى: فالحاصل من هذا أن "الودود" كما ذكر إما أن يكون من "فاعل" بمعنى الذي يفعل الود فيحب من يحب ممن كان من أهل طاعته، فيكون "ودود" بمعنى "واد"، وإما أن يكون "ودود" بمعنى اسم مفعول، بمعنى أنه يحبه عباده، وهذا فيه إشارة إلى ما تقدم من مذهب أهل السنة والجماعة من أن الله عز وجل يحب.