شرح الجوهرة الفريدة 106

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 106، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في النسخ وأدلته

يشرح هذا الفصل مفهوم النسخ وأدلته من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ويبين أن النسخ خاص بالأحكام الشرعية وليس الأخبار. يُظهر أن الله له الملك المطلق ويمكنه أن يحكم وينسخ ما يشاء.

النسخ في الأحكام الشرعية وتطبيقاته

يناقش هذا الفصل النسخ في الأحكام الشرعية، مشيرًا إلى أنه لا يدخل في العقائد ومكارم الأخلاق، ويقدم أمثلة على الأحكام التي نسخت مثل ما يتعلق بالقتال والصبر.

آراء الفرق المختلفة حول النسخ وأنواعه

يستعرض هذا الفصل آراء مختلف الفرق حول النسخ، حيث يرفض اليهود النسخ ويتهمون الله بالبداءة، بينما يجيز الرافضة البداء، وأهل السنة يثبتون النسخ. يشير أيضًا إلى أنواع النسخ التي ستتم مناقشتها لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس السابق بعض المباحث التي تتعلق بالنسخ، ومن ذلك تعريف النسخ لغة، وبمعنى الإزالة أو النقل، وبعبارة أدق ما يشبه النقل. يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته، حلت محله. يقال: نسخت الريح آثار القوم أو أقدام القوم، أي أزالتها. ويقال أو تقول: نسخت الكتاب، أي نقلته. وبعبارة أدق ما يشبه النقل، لأنك إذا نسخت الكتاب لم تنقل حروفه ذاتها، وإنما ما يشبهها. إذا نسخت كتابا، هل أنت نقلت تلك الحروف في ذلك الكتاب إلى الكتاب الآخر؟ الجواب: لا، وإنما يشبه تلك الحروف. وذلك يقول بعض العلم: بإعبارة أدق ما يشبه النقل، لأنك نقلت ما يشبه تلك الحروف التي في ذلك الكتاب إلى كتاب آخر. وذكرنا النسخ في عرف الشرع: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب أو السنة. النسخ ثابت في الكتاب والسنة، وبدلالة الإجماع والعقل. فكتاب الله جل وعلا دل على النسخ، وهكذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا إجماع الأمة، وهكذا العقل. أما الكتاب، فقوله جل وعلا: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾، هذه الآية صريحة في النسخ، وأن الله جل وعلا ينسخ حكما بحكم آخر. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾، خفف عليهم، تخفيف ولا نسخ كما في آية المصابرة. وهكذا آيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا منسوخة، نسخت بآيات أخرى. وهكذا في السنة، ومن أدلة السنة: قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم، رحمه الله، من حديث بريدة، قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». أولا كان النهي عن زيارة القبور، ثم نسخ هذا النهي بالأمر بالزيارة، وهو مستحب. زيارة القبور عادت إلى ما كانت عليه قبل النهي، وجاء الترغيب في ذلك بقوله عليه السلام: «فإنها تذكركم الآخرة». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرا». وأجمع أهل العلم على ثبوت النسخ في الكتاب والسنة، ودلالة العقل كذلك. العقل يدل على النسخ، لأن الله جل وعلا هو الذي له الملك، خلق العباد، وجعل لهم الأحكام، فله جل وعلا أن يحكم على عباده بما شاء، أن يأمرهم بأمور، ثم يخفف عنهم، ويأمرهم بأحكام، ثم يخففها إلى آخر ذلك. العقل يقتضي ذلك. إذا قلت لشخص: من له الملك؟ هل له التصرف فيما شاء؟ أن يحكم بما شاء، ويلغي ما شاء؟ لا شك أن كل العقل يقول: نعم. من له الملك له التصرف، وإلا كيف يكون له الملك وهو ممنوع من التصرف فيما شاء؟ فمن له الملك له التصرف فيما شاء، يحكم بما شاء، ويأمر بما شاء، ويلغي ما شاء. حتى على سبيل الناس اليوم، إذا قيل: ملك من الملوك أصدر مراسيم فيها أوامر، ثم ألغيت هذه المراسيم، وغيرت إلى غيرها، هذه الأمور إلى أمور أخرى، قال رئيس: ما هو ذلك في الأمور العادية التي يحتاجها الناس، فيما تكون فيها المصالح، مما لا يخالف الشرع. والله جل وعلا هو الملك المطلق، فله أن يحكم بما شاء، ولذلك الله جل وعلا ينسخ ما شاء، ويأمر بما شاء، وينسخ ما شاء، وله الحكم جل وعلا المطلق. فدلالة النسخ ثابتة: بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل. النسخ لا يكون في الأخبار، الأخبار لا يدخلها النسخ: كتابه، السنة. لأن نسخ الأخبار يستلزم تكذيب خبر الله، أو خبر رسوله عليه الصلاة والسلام. وإذا حكم أهل العلم على بعضها بالنسخ، بالأخبار، بالكفر، لأن تكذيب خبر الله، الأخبار ما يدخلها النسخ، لأنها شيء ثابت، أخبر عنه. فكيف ينسخ؟ ولا في العقائد، العقائد ما يدخلها النسخ، ما يمكن أن يقول: دعاء الأموات منسوخ، دعاء الأولياء منسوخ، لا. دعاء الأولياء ممنوع منه في أي وقت، في كل زمان ومكان، عبادة غير الله. وهكذا هذه العقائد جاءت بها كل الشرائع، كل الأنبياء جاءوا بهذه الشرائع، هذه أمور محكمة، ما يدخلها النسخ. وهكذا مكارم الأخلاق، مكارم الأخلاق لا يدخلها النسخ، لا يمكن أن يقول: الصدق منسوخ، والكذب منسوخ، كان الكذب منهيا عنه، ثم نسخ الكذب إلى الجواز، هذا لا يمكن. الكذب محرم، محرم، لا يأتي أحد يقول: الكذب منسوخ، أو الصدق منسوخ إلى الكذب، أو الكذب إلى الصدق. الكذب حرام، الصدق مطلوب، هذه أمور جاءت بها كل الشرائع، فمكارم الأخلاق التي أُمر الناس بها في كل الشرائع، هذا لا يدخلها النسخ. وهكذا العقائد، لكن النسخ يدخل الأحكام. النسخ يتعلق بالأحكام، حكم ثم ينسخ، أمر ثم ينسخ، أمر إيجاب إلى إباحة، أو إلى استحباب، أو نهي إلى استحباب، أو إلى إباحة، وهكذا. فهو يدخل الأحكام. وما جاء في كتاب الله جل وعلا في بعض الآيات التي ظاهرها خبر، وفيها نسخ، يقول قائل: كيف هذه آية في كتاب الله جل وعلا هي خبر؟ قال جل وعلا: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾، هذا خبر، والآية منسوخة، والآية منسوخة بقوله جل وعلا: ﴿قد علم الله أن فيكم ضعفا﴾، ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إن يكن منكم مئة يغلبوا مئتين﴾، هذا خبر، يخبر الله جل وعلا أن عشرين صابرين يغلبوا مئتين، ثم أخبر جل وعلا أن مئة صابرين يغلبوا مئتين. نقول: هذه الآية، وإن كانت في صورة الخبر، إلا أنها أمر، حكم، المراد به الأمر، يعني أن يصابر عشرون من المسلمين مئتين من الكافرين، هذا في أول الأمر، أمر أهل الإسلام في أول أمرهم بأن يصابر عشرون مئتين، يعني الواحد يصابر عشرة، الواحد يصابر عشرة، يعني يثبت أمام عشرة من الكفار، ما أمروا بهذا. أمروا في أول أمرهم، نسخ هذا إلى أن يصابر يصابر المسلم الواحد اثنين من الكفار، في الآية التي بعدها: ﴿إن يكن منكم مئة يغلبوا مئتين﴾، مئة مع مئتين، الواحد مع اثنين. لكن عشرون مع مئتين، الواحد مقابل عشرة، هذا نسخ، وهو نسخ إلى أخف، كما سيأتي في نوع النسخ: منها ما هو نسخ من أخف إلى أثقل، ومنها ما هو نسخ من أثقل إلى أخف، ومنها ما هو نسخ إلى مساوي. فإذا النسخ يدخل الأحكام، لا يدخل الأخبار. «لن يفلح قوم ولو أمرهم إمرأة»، هذا حديث صحيح، عن أبي بكرة، هذا الحديث خبر، خبر صحيح، هل يمكن أن نقول هنا: هذا منسوخ؟ هل هذا منسوخ؟ هذا غير منسوخ، هذا خبر، وكذلك فيه الأمر، لكن هو خبر محكم: «لن يفلح قوم ولا أمرهم إمرأة». يأتي بعض المتحدثين، وبعض المتشدقين، ويقولون: أنديرا غاندي حكمت الهند وأفلحوا، ومارغريت تاتشر حكمت الإنجليز وأفلحوا، ورئيسة وزراء الهند، ما أدري ما اسمها، حكمت اليهود وأفلحوا. سبحان الله، يعني يشترون هذا الخبر، هذا غير منسوخ. «لن يفلح قوم ولو أمرهم إمرأة»، هذا ما هو صحيح، ما هو صحيح، يعني الواقع، هذا الذي يقول هذا الكلام ما آمن بالله ربا، ولا رضي بالنبي عليه السلام رسولا. «لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة»، هذا خبر محكم، خبر محكم، ما يدخله النسخ. هل هناك دليل في الكتاب، في كتاب الله جل وعلا، يدل على النسخ؟ هذا غير موجود. وهكذا في السنة، غير موجود. وفي الإجماع، غير موجود. لكن هؤلاء كأنهم يقولون: الواقع يدل، مارغريت وأنديرا وأروى بنت الصليحي في اليمن، هؤلاء حكمن، وحصل فلاح. يقولون: أي فلاح حصل؟ وأي فلاح عند الهنود في حكم أنديرا غاندي، أو عند الإنجليز في حكم مارغريت تاتشر؟ وهكذا، لا. «لن يفلح»، هذا خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا ينطق عن الهوى، وما ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. لا يأتي متحدث، متطاول، الحقيقة أنه متورط، هذا ما هو متطور، متورط، هذا ما يفلح. ويأتي آخر متحدث، ويدعو النساء إلى الترشيح في مجلس النواب، مجلس الشيوخ، ترشيح النساء في مجلس النواب، وبعدين يقول: فإن حقا لها أن تكون رئيسة. وأين حديث رسول الله: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة»؟ هذا من دعوة من يقول للنساء: رشحن أنفسكن في مجالس البرلمان، وفي الانتخابات، وإيش النهاية؟ ممكن تطلع رئيسة، هنا تطلع عدوة، مجلس النواب، وثم لها حق الترشيح في مجلس الرئاسة، وصارت رئيسة، وبدأ ما يقول: رئيس اليمن فلان، قال: رئيسة الفلانية. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة»، هذا ضلال. النسخ لا يدخل الأخبار، لا يدخل الأخبار، يدخل الأحكام، الأمر والنهي، ما يتعلق بالأحكام. النسخ أن من النسخ، أول أقوال الناس في النسخ، الناس طوائف في النسخ. اليهود أنكروا النسخ، اليهود لا يقرون بالنسخ، ويقولون: إن النسخ يستلزم البداءة على الله، يستلزم البداءة على الله. إيش معنى البداءة على الله؟ يعني كان الرجل جاهلا، إذا قلنا بالنسخ، معنى أن الرجل جاهل، أن هذا هو الأفضل، ولذلك نسخ بعد ذلك، لما تبين له أن الأفضل كذا، نسخ السابق بحكم أفضل منه. في أول أمره، كأنه ماذا؟ بداية لم يظهر له أن هذا هو الأفضل، لكن بعد ذلك ظهر له أن الأفضل كذا، فنسخ الحكم السابق بحكم آخر. فقالوا: إذن لا نقول بالنسخ؛ لأنه يستلزم البداءة. واليهود هؤلاء أهل كذب، وأهل دجل، إذا قالوا هذا، فهم ينكرون التوراة، التوراة فيها النسخ، وهم يعلمون هذا. التوراة فيها نسخ، اليهود يعلمون هذا. اليهود يعلمون: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾، يعلمون أن هناك كانت من اللحوم، نعم، والأطعمة مباحة، لكن بعد ذلك نسخ حكمها إلى التحريم، وكان حلالا لهم كذلك، إلا شيئا ثم حرم عليهم كل ذي ناب، وهم يعلمون هذا، ومع هذا لا يقولون بالنسخ. الرافضة، على العكس من ذلك، ما يقولون في النسخ؟ يقولون بالنسخ، لكن يقولون: نعم، يجيزون البداء في حق الله، وينسبون آثارا إلى علي رضي الله عنه، كذبا وزورا، يعني الله يقول: يجوز أن يكون قد أمر بأمور، ثم رأى الأفضل، ظهر له الأفضل بأن الأفضل غير هذا. سبحان الله، وهذا فيه نسبة التجهيل إلى رب العالمين جل وعلا. لكن الرافضة هؤلاء نصروا العالم، لو تقارن بين القولين، تجد أن قول اليهود هو فرارا من هذا، ما قالوا بالنسخ حتى لا نقول: إن الله جل وعلا، هذا يلزم في حقه البداءة، يعني بدا له هذا الأمر بعد أن كان خافيا له، وأنه الأفضل. والرافضة يقعون في هذا، يجيزون البداء في حق الله، وأنه يجوز أن لله جل وعلا يأتي بأحكام، ويشرع أحكاما، ثم يظهر له أن أحكاما أخرى أفضل من هذه، فينسخ الأحكام السابقة. معناه ماذا؟ هذا الكلام، حتى الطفل الصغير الذي عمره سبع سنوات، وإيش معناه؟ معناه: ما كان يعلم في السابق، وظهر له. الله جل وعلا يعلم أن الأصلح، الحكم الأول في الزمن الأول، أفضل من الحكم الثاني. الآن عندنا النسخ: رفع حكم سابق بحكم آخر. الله جل وعلا شرع الحكم الأول في الزمن الأول، وهو يعلم جل وعلا أن الحكم السابق أفضل من الحكم المتأخر الذي نسخ الحكم السابق في الزمن الأول، وأن الحكم الثاني الذي نسخ الحكم السابق في الزمن الثاني، في وقت أفضل من الحكم الأول. فالله جل وعلا ينسخ، ويحكم بما شاء، بما فيه مصلحة العباد، ومصلحة حكمته جل وعلا، ولا يستلزم النسخ البداءة على الله جل وعلا. هناك أبو مسلم الأصفهاني، من المعتزلة، لا يثبت النسخ كذلك في الشرع، وهو من المعتزلة. وأما أهل الحق قاطبة، فإنهم يثبتون النسخ في الكتاب والسنة، ولا عبرة بقول اليهود، ولا بقول الرافضة، ولا بقول أبي مسلم الأصفهاني من المعتزلة. بقية أمور ما يتعلق بالنسخ: النسخ إلى بدل، وإلى غير بدل، وأنواع النسخ: من أخف إلى أثقل، ومن أثقل إلى أخف، ومن أخف إلى مثله مساوي. وأنواع النسخ: القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، والسنة بالسنة المتواتر، والمتواتر، هذا كلها إن شاء الله سيكون الكلام فيها في درسنا اللاحق. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.