الدرس في شرح العقيدة الواسطية 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش إثبات صفة الوجه لله تعالى استنادا إلى الآيات القرآنية وإجماع السلف، ويبين تفسير الآيات التي تدل على بقاء وجه الله سبحانه وتعالى. يُشير إلى أن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة من غير تكييف أو تمثيل أو تحريف أو تعطيل.
يتناول تفسير آيات الفناء والبقاء في القرآن، ويشرح أن بعض المخلوقات لا تفنى، وأن العموم في الآيات يقتضي تخصيصًا، كما يبين دلالة ذكر الوجه الإلهي في سياق البقاء.
يفسر معنى الوجه في القرآن ويبين أن إضافته إلى الله عز وجل تكون على صورتين، كما يبين أن الوجه في قوله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ يدل على إثبات صفة الوجه لله عز وجل.
شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله جمع بين القولين في تفسير الآية، فقال إنها تدل على الجهة والصفة معًا، حيث إن الله ينصب وجهه اتجاه عبده المصلي إلى القبلة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال مؤلف كتاب شرح السنة للبربهاري رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، قال: وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الآيات الدالة على آيات الصفات، ألا وهي صفة الوجه لله جل في علاه، وهي من الصفات الذاتية. فالله عز وجل أثبت لنفسه في كتابه، وسيأتي معنا في سنته، وجها يليق بعظمته. وأهل السنة والجماعة على هذا المقام لا يتخلفون عنه، فيثبتون لله جل وعلا وجها يليق بجلاله وبعظمته، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. بل قام إجماع السلف رحمهم الله على إثبات صفة الوجه لله. فدلالة الكتاب والسنة وإجماع السلف على إثبات صفة الوجه لله. أورد المؤلف رحمه الله تعالى آيتين اثنتين. الآية الأولى قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، فيها بيان لصفة الوجه لله سبحانه وتعالى، إذ أن الوجه أضيف لله: "وجه ربك"، "يبقى وجه ربك". ففيه إثبات لصفة الوجه لله جل وعلا. وهذه الآية سياقها: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. كان الشعبي رحمه الله تعالى لا يرى الوقوف عند كلمة "فان"، يرى أنك لا تقول: "ويبقى كل من عليها فان"، بل تكمل: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام". لأن قولك: "كل من عليها فان"، ليس فيه شيء يمدح، ليس فيه ممدحة، وإنما المدح والكمال في أنك تذكر فناء الناس مع بقاء الله. قال العلماء: الآية ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ معناها أن كل المخلوقات التي كتب عليها ربنا الهلاك فإنها تهلك. وهنا يأتي السؤال: وهل هناك من المخلوقات من لا يأتي عليها الفناء؟ الجواب: نعم، هناك من المخلوقات لا تفنى ولا تبيد ولا تعدم أبدا، مثل الجنة والنار والعرش والكرسي وغيرها. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار والعرش وغير ذلك. ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين. الشاهد من هذا أنك عندما تأتي عند هذه الآية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، عليك أن تعلم أن هناك من المخلوقات من لا تفنى. فقوله: "كل"، هو عام مخصوص. وهذه مسألة أصولية، أن العموم على أقسام ثلاث: عموم باق على عمومه، وعام مخصوص، وعام أريد به الخصوص. وهذه الآية من هذا الباب، فكل من عليها فان ويبقى وجه ربك، هذه آية وإن كانت تدل على العموم، "كل" من ألفاظ العموم، لكن أريد به الخصوص، خصوص الأشياء التي تقبل الهلاك. الآية الثانية: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، هذه الآية كذلك من الآيات التي تدل على نفس معنى الآية الأولى، على أن الهلاك يعم كل ما هو قابل للهلاك. لكن هذه الآية الثانية فيها معنى آخر، أثر عن السلف، وهي أن هذه الآية تدخل في باب الأعمال. التفسير الأول أنها تدخل في باب المخلوقات، أي كل المخلوقات تهلك. التفسير الثاني أن الآية هذه أنها تدخل في الأعمال، بمعنى أن كل الأعمال تهلك إلا ما أريد به وجه الله. نرجع الآن إلى الآية الأولى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، هل تحتمل المعنيين؟ الجواب: لا، ما تحتمل إلا معنى واحد وهو فناء المخلوقات. ذكر الوجه في الآيتين، ويبقى وجه ربك، ما الإشارة وما الدلالة من ذكر الوجه وتخصيصه بالذكر؟ قال علماء السلف: وذلك لفوائد. الفائدة الأولى أن بقاء صفة من صفات الله الذاتية هو دلالة على بقاء الله. الفائدة الثانية أن تخصيص الوجه بالذكر دليل على عظمته سبحانه. خالف المبتدعة في قضية الوجه وأنكر صفة الوجه لله جل وعلا، كما درجوا على باقي الصفات. فجنحوا إلى التأويل، فأولوا الوجه بمعنى الذات، "ويبقى وجه ربك" أي ويبقى ذات ربك. ومنهم من فسر الوجه بمعنى الثواب، "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك" أي كل من عليها ثان ويبقى ثواب ربك. ففسروا الوجه بالثواب، ومنهم من فسره بالذات. وهذا تحريف وتعطيل لصفات الله عز وجل. في مسألة الإضافة، ينبغي أن نعرف قاعدة مفيدة جدا. وهي أن الذي يضاف إلى الله عز وجل يكون على صورتين اثنتين: إما أن يضاف إلى الله أعيان قائمة بذاتها، وإما أن يضاف إلى الله أشياء لا تقوم بذاتها. فإذا رأيت أمرا ما شيء كائن أو كيان أو عين أضيف إلى الله، قل: المراد من الإضافة هنا إضافة تشريف وتخصيص. وإذا رأيت أن الإضافة لشيء لا يقوم بذاته، مثل علم الله، قدرة الله، قوة الله، فهي من إضافة الصفات إلى موصوفها. فلما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، الوجه أضيف إلى الله، والوجه لا يقوم بذاته أبدا. فلما أضيف إلى الله كان من باب إثبات الصفة إلى موصوفها، ومن ذلك إثبات صفة الوجه لله عز وجل. كذلك مما يدل به على أن المراد بالوجه حقيقة النعت في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، "ذو الجلال والإكرام" نعت مرفوع، لأن النعت يتبع المنعوت. فلما كان المنعوت مرفوعا كان النعت مرفوعا، فعلمنا أن "ذو الجلال والإكرام" مقصود به صفة الوجه لا صفة الذات. نختم المقام بمسألة شبهة. قد يقول قائل: لكنكم خالفتم السلف لأن السلف أول صفة الوجه بأنه بمعنى الجهة في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. نقول: هذه الآية ليست من آيات الصفات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فهي تتكلم عن الجهات، ولذلك قال رحمه الله: ومن عدها في الصفات فقد غلط. وقال شيخ الإسلام: إن السياق يدل على المراد، حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فالمشرق والمغرب الجهات، والوجه هي الجهة. وقد جمع شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى بين القولين، فقال: إن هذه الآية تدل على الجهة وأنها تدل على الصفة، لأن المصلي إذا توجه إلى القبلة فإن الله ينصب وجهه اتجاه عبده. فاجتمع الأمران: الجهة والصفة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.