شرح العقيدة الواسطية 18

شرح العقيدة الواسطية 18

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في صفة المجيء والإتيان لله تعالى

يناقش هذا الفصل صفة المجيء والإتيان لله تعالى مستندا إلى آيات قرآنية، ويؤكد على إثبات هذه الصفات لله تعالى دون تكييف أو تعطيل أو تحريف أو تشبيه أو تمثيل. يُظهر أن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفات ثبوتا حقيقيا يليق بجلال الله.

تفاصيل إثبات صفة المجيء والإتيان لله تعالى

يتناول هذا الفصل مسألة إثبات صفة المجيء والإتيان لله تعالى استنادا إلى الآيات القرآنية، ويبين أن أهل السنة يؤمنون بهذه الصفة بينما خالفهم المبتدعة في ذلك. يُظهر أن الآيات تشير إلى مجيء الله يوم القيامة لفصل القضاء ونزول الملائكة.

الرد على تأويلات المبتدعة لآيات الصفات

يرد هذا الفصل على تأويل المبتدعة لبعض آيات الصفات مثل مجيء الله وإتيانه، ويشير إلى أن تأويلهم بمجاز الحذف يؤدي إلى التشكيك في خطاب القرآن ويفتح بابا للتحريف والتأويلات الباطلة. كما ينتقد تأويلات المعتزلة والأشاعرة لصفات الله الفعلية.

التفريغ النصي الكامل

طيب، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي هذا الباب يذكر لنا ما يتعلق بصفات المجيء والإتيان لله جل في علاه. قال: وقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾. قال: وقوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾. قال: وقوله: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا﴾. قال: وقوله: ﴿يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات، وكما يلاحظ أنها جاءت في إثبات صفة المجيء والإتيان لرب الأرباب جل في علاه. وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفات ثبوتا حقيقيا، وأن الله جل وعلا هو الذي يأتي وهو الذي يجيء؛ لأنه أخبر هذا عن نفسه، ذكر هذا عن نفسه، فهو أعلم بنفسه من غيره. قد يقول قائل: وكيف يأتي وكيف يجيء؟ قل: الله أعلم، فنحن نثبت الصفة، وأما ما يتعلق بكيفيتها فالله أعلم بها. وقد مر معنا في أوائل الواسطية أن معرفة كيفية الشيء يمكن أن تتعرف عليها بأحد أمور ثلاثة: إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره، أو بخبر الصادق. وبهذه الأمور الثلاثة يمكن أن تتوصل إلى معرفة كيفية الشيء. أخبرت مثلا عن جهاز معين، كيف ستعرف عليه؟ إما أن أريه لك، أو تكون عرفته بمشاهدة نظيره، أو يكون هناك خبر صادق عن هذا الجهاز. فأي شيء لا يمكن أن تتعرف على حقيقته وعلى ماهيته وعلى كيفيته إلا بأحد هذه الأمور الثلاثة. وهذه كلها منتفية عن الله؛ لأن ربنا لا يرى، وليس له نظير، وما عندنا خبر صادق من رسول الله في كيفية صفة من صفات الله. إذن يلغى هذا الباب تماما، فنحن نؤمن بإثبات الصفات، أما الكيفية فنعلق العلمها إلى الله، نقول: الله أعلم كيف يأتي، الله أعلم كيف يجيء. أخبرنا بما جئه ولم يخبرنا بكيفيته، فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة المجيء والإتيان ثبوتا حقيقيا يليق بجلال الله جل وعلا، من غير تكيف ولا تعطيل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تمثيل. مما يذكر في هذا الباب أن هذه من الصفات الفعلية، وهي المتعلقة بمشيئة الله جل وعلا، يأتي متى ما شاء أن يأتي سبحانه وتعالى. وهكذا قل في مسألة المجيء، أهل البدع قاطبة على إلغاء هذه الصفات، فلا يثبتون صفة المجيء ولا يثبتون صفة الإتيان لله سبحانه وتعالى، بل يعطلونها أو يشبهونها أو أنهم يؤولونها ويحرفونها. كذلك مما يذكر من هذه الآيات على أن هذه الآيات التي فيها صفة المجيء جاءت على صيغة الأفعال، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله؟ يأتي، وقوله: ﴿أو يأتي ربك﴾، كذلك، وجاء ربك، كل ذلك على صيغة الأفعال. والأفعال كما يقول علماء اللغة يستفاد منها أمران اثنان: كل فعل يتضمن الحدث ويتضمن الزمن. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿أو يأتي ربك﴾، يأتي فعل ماذا تضمن؟ تضمن الحدث وهو الإتيان، ومن هنا أثبتنا الصفة من المصدرية من الفعل، وكذلك تضمن الزمن، وماذا؟ أنه في المستقبل، أو يأتي ربك، فهذا الإتيان والمجيء أمر مستقبلي. قد يقول قائل: إذا كان كذلك، فكيف تقول في قول الله: ﴿وجاء ربك﴾، جاء فعل ماضي؟ خذها قاعدة من قواعد التفسير: إذا رأيت أمرا مستقبلا جاء بصيغة الماضي، فاعلم أن المراد بذلك تحققه. هذه قاعدة تفسيرية في الأمور المستقبلة، قول ربنا: ﴿وجاء ربك﴾، هل بمعنى أن الله قد جاء؟ لا، لم يأت هذا الموعد؛ لأن المجيء سيكون يوم القيامة، فكيف جاء بصيغة الماضي؟ قيل: هذا دليل على شدة تحققه وأنك كن مستيقنا بهذا أنه واقع لا محالة حاصل بلا منازعة. أورد المؤلف رحمه الله تعالى عدة آيات في بيان صفة الإتيان والمجيء لرب الأرباب جل في علاه. في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾، هل هنا استفهام بمعنى النفي، هل ينظرون؟ أي: ما ينظرون إلا أن يأتيهم الله. هل ينظرون؟ ينظرون هنا بمعنى ينتظرون، وأضمر هذا المعنى. وفي مسألة الرؤية أن النظر معناه يختلف باختلاف دلالاته وتعديته، إذا عدي بإلى له معنى، إذا عدي بفي له معنى، إذا لم يعد بشيء فإنه يأتي بمعنى الانتظار، كهذه الآية: ﴿هل ينظرون﴾؟ أي: هل ينتظرون؟ هنا النظر بمعنى الانتظار؛ لأن النظر هنا ما تعلق بشيء. ومعنى الآية: ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم الله، وهذا في إثبات لصفة الإتيان؛ إذ أن هذا الفعل أضيف إلى الله إضافة فاعلية، من الذي يأتي؟ هو الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿في ظلل من الغمام﴾، هنا في بمعنى مع، أي: المفيدة للمصاحبة، وليس هنا في تفيد الظرفية؛ لو قلنا أن في تفيد الظرفية لجعلنا أن الله عز وجل محاط بهذه الظلل من الغمام، ولا أحد يقول بهذا. بل ربنا لا يحاط بخلقه به سبحانه وتعالى، فهنا في ظلل أي: مع ظلل، فلا تأتي هنا بمعنى الظرفية. وما معنى الظلل؟ ظلل جمع ظلة، وهو ما يظل الشيء، وهذا الظل قد يكون بغمام، قد يكون بغيره. والغمام هو السحاب الأبيض الرقيق، كما قال ربنا: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾، وهذا في معرض ذكر منة الله عز وجل على بني إسرائيل. والغمام يكون أجمل ما يكون في السماء، يأتي غمام تستظل، ويكون الجو مستنيرا، بخلاف الغمام إذا جاء أسود أو محمر فإنه يأتي بظلمة. قال سبحانه وتعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾، وهذا إشارة إلى تأكيد إتيان الرب عز وجل، وأنه إتيان حقيقي سبحانه وتعالى. ويكون أن هذا الغمام يأتي أول ما يكون من نزول الرب، من يجيء الرب يكون بنزول هذا الغمام، ثم يكون نزول الرب ومجيئه سبحانه وتعالى. قال: ﴿والملائكة﴾، وكذلك تأتي الملائكة فتنزل إلى الأرض، وهذا كله متى؟ عند فصل القضاء. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾، هذه الآية في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون﴾، قد مر معنا، أي: هل ينتظرون؟ استفهام بمعنى النفي، ينظرون بمعنى الانتظار. إلا أن تأتيهم الملائكة، أي: هذا الكفار هل ينتظرون إلا أحوال ثلاثة حينها لن ينتفعون بأي عمل، وما هي الأحوال الثلاثة؟ الحالة الأولى: إلا أن تأتيهم الملائكة، هذا الحالة الأولى عند مجيء الملائكة وإتيان الملائكة، وتأتي الملائكة لماذا؟ ابن الجرير الطبري رحمه الله تعالى يذكر لنا قاعدة في هذا الباب على أن الآيات التي فيها ذكر إتيان الملائكة ومجيء الملائكة تحمل على أمرين اثنين: إما لقبض الأرواح، وإما تأتي بالعذاب المستأصل للكفار. هذا ذكرها ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، وهذا يفهم على هذه الآيات، مثل هذه الآية: ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾، فالملائكة تأتي للكفار لماذا؟ إما أن تأتي لقبض أرواحهم، وإما أنها تأتي بالعذاب المستأصل. وسواء قلنا هذا أو ذاك، فإن باب التوبة قد أغلق؛ لأن عند قبض الأرواح لن تنفع التوبة، وعند رؤية العذاب لن تنفع التوبة. فهذه الحالة الأولى، أي: هل الكافر ينتظر هذه الحالة التي تأتي حينها تتقفل عليه أبواب التوبة، ومن ثم أبواب الرحمة والمغفرة؟ إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك، وهذه الحالة الثانية، هل ينتظر الكافر هذه الحالة؟ ويكون إتيان الرب جل وعلا متى؟ عند فصل القضاء، وحين هل يمكن الكافر أن ينتفع بعمل؟ الجواب: لا؛ لأنك أصبحت في إطار جزاء لا عمل فيه. إذا عاين الكافر مشاهد القيامة وقام من قبره ورأى هذه الأهوال، هل ينفعه إيمانه؟ ما يكون من حسرته؟ لعلي أعمل صالحا فيما ترك؟ لا، لا يترك هذا. هذه الحالة الثانية التي هل الكافر ينتظرها أن تأتي؟ ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾، وهي أشراط الساعة الكبرى؛ لأن علامات الساعة قد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر بهذه الآية: ﴿أو بعض آيات ربك﴾ بطلوع الشمس من مغربها. جاء هذا في الصحيحين من تفسيره عليه الصلاة والسلام بأن المقصود ببعض آيات ربك بطلوع الشمس من مغربها. وهذه الآية إذا ظهرت حينها لن تنتفع نفس لم تكسب إيمانها خيرا، فمهما تاب التائب إذا رأى الشمس تطلع من المغرب. فإننا اعتدنا أنها تأتي من المشرق وتغرب، فإذا رأيت قد ظهرت من المغرب وآمن من في الأرض جميعا، لن تنتفع بتوبة. فهذه الأحوال الثلاثة ذكرها ربنا جل وعلا تحذيرا للكافر بأنك يا من أنت على كفرك وأنت في هذه الدنيا، لا تنتظر أن تأتيك هذه المراحل الثلاثة؛ لأنها إن جاءت حينها لن تنتفع من توبتك ولا من عملك. عند قبض الروح، أو عند فصل القضاء، أو عند ظهور أشراط الساعة الكبرى، ومنها طلوع الشمس من مغربها. وهذه الآية كذلك ساق العلماء على أن "أو" لا تفيد الترتيب هنا؛ لأن هنا بعض آيات ربك حقها أن تكون هي الأولى، لكن أخرت، فاستفاد العلماء ذلك. كذلك في قوله تعالى: ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾، بذكر ماذا؟ الإتيان، إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، هذا التأكيد والتكرار لهذا الفعل في ماذا؟ على أن هذا الإتيان حقيقي، والكل يأتي، فالملائكة تأتي، وأمارات الساعة تأتي، والله جل في علاه يأتي. فتكرار هذا الفعل في هذه المواطن الثلاث تأكيد لحصول هذا الفعل. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، كلا إذا دكت الأرض دكا دكا، وهذا يوم القيامة عندما تدك الأرض. وقد أكد هذا الفعل لعظمته دكا دكا، بحيث أنه لا يبقى شيء إلا وقد دك، أترى هذه الجبال حولنا تدك فلا يبقى هناك شيء بارز؟ الكل يسوى في الأرض، الكل يسوى بالأرض، فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، كل ذلك تهيأ لهذه الأرض في استقبال الأمم البشرية. يبعثها الله من لدن آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة، الكل سيحشرون في أرض المحشر، وقد هيئت الأرض لذلك بأن لا تجد فيها صعودا ولا نزولا، لا تجد فيها ارتفاعا، بل تدك دكا دكا. قال: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك﴾، في إثبات لصفة المجيء لله، وجاء ربك، كما قلنا، والفعل ماضي يفيد التحقق في الأمور المستقبلية. وجاء ربك أضيف هذا الفعل لله سبحانه وتعالى، فالله هو الذي يجيء جل فعلا، وما جئه يكون يوم القيامة لفصل القضاء. قال: ﴿وجاء ربك والملك﴾، الملك هنا أل للعموم، أي: وجاء ربك وكل ملك، وكل ملك ينزل، كل الملائكة تنزل ينزلون. قال: ﴿صفا صفا﴾، أي: صفا من وراء صف، إشارة إلى أن هذا النزول والمجيء كذلك حقيقي؛ لأنه قرن بمجيء ملائكة وهو أمر حسي محسوس. قال: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا، ويوم أي: واذكر يوم تشقق السماء بالغمام، تشقق، قال علماء: أبلغ من تنشق من حيث الوضع اللغوي؛ لأن ظاهرها يدل على أن الانشقاق تم شيئا فشيئا. يوم تشقق السماء تتشقق كما تقول: تتشقق الأرض عن النبات، فيشكل لك هذا على أن النبات يخرج شيئا فشيئا. قال: ﴿ونزل الملائكة تنزيلا﴾، وكذلك الملائكة ينزلون، ونزولهم بالتدريج، وقد ذكر العلماء في بعض الآثار المروية في هذا الباب يحسن جماعة من أهل العلم على أن النزول يكون أولا للملائكة في السماء الدنيا، ثم من بعدهم الملائكة في السماء الثانية، ثم الملائكة من السماء الثالثة، هكذا يكون تنزيلهم تدريجيا. ونزل أي: تنزيل لكن على دفعات، وقد ذكر العلماء آثارا في هذا الباب على أن أول من ينزل الملائكة في السماء الدنيا وهي الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، حتى يكتمل نزولهم، وبعد ذلك يكون نزول الرب. وفيها إشارة إلى أن النزول أولا يكون للملائكة، يكون أولا للملائكة، ثم بعد ذلك يكون مجيء الرب سبحانه وتعالى. لكن هذه الآية لو تمعنتموها: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾، هل هذه الآية فيها إثبات لصفة المجيء لله؟ لا في الظاهر؛ لأن ليس عندنا ذكر الرب عز وجل، عندنا تشقق وعندنا نزول غمام وعندنا نزول ملائكة. قال العلماء: إلا أنها تضمنت الإشارة بنزوله؛ وذلك لأن من فهم الآيات السابقات وعرف مقاصد القرآن وما يكون من أحوال القيامة، يعلم أن الخطى في هذه الآية يتوجه إلى نزول الرب سبحانه وتعالى. في قوله: ﴿يوم تشقق السماء﴾، قد علم أن السماء إنما تتشقق لنزول الجبار جل في علاه. وما يكون من نزول الغمام قد مر معنا أن الله يأتي بظلل من الغمام، فالغمام إشارة إلى قرب نزول الرب سبحانه وتعالى. ونزل الملائكة تنزيل إنما نزوله مع نزول الله، فهذه الإشارة وإن لم يكن فيها الصراحة بنزول الله عز وجل إلا أنها تضمنت ما يتعلق بنزوله جل في علاه. هذا إخواني في الله ما يتعلق بالآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في مسألة الإتيان والمجيء. وأهل السنة قاطبة يرون الذي قد سمعتموه، يؤمنون بأن الله جل وعلا من صفاته المجيء والإتيان. والمبتدعة خالفوا في هذا، أهل البدع خالفوا تعطيلا وتأويلا وتحريفا. ومن أعظم ما يستدلون به في إبطال صفة المجيء أو صفة الإتيان ما يكون أنه بهذه الصفة بإثباتها يدل على الجسمية، لو قلنا بأن الله يأتي ويجيء إذن أثبتنا أن الله جسم من الأجسام، وهذا محال. والرد عليهم إخواني في الله يقال: أن هذا القول منكم مخالف للنص، يقول ربنا جل وعلا: ﴿أو يأتي ربك﴾، أن تقول: لا، رب أنت ما تأتي، ﴿وجاء ربك﴾، تقول: يا رب أنت ما تجيء، هذا معارضة لكتاب الله جل وعلا. وليجوز بحال لأنسان معظم لكتاب الله ولسنة رسوله أن يصادم القرآن بهذه المصادمة، الله يثبت وأنت تنفي ما أثبته الله لنفسه، وهذا من أعظم البغي والعدوان. إذا قال لك رجل: يا أخي أنا سأذهب أو أنا سأتي، تقول: لا، ما تأتي يا رجل، سأتي، تقول: لا، ما ستأتي، أنا ما أدري تأتي، ما لك تتكلم بهذا الكلام؟ إذا كان هذا ما يرضاه أحد أن يخاطب به بشر، فما بالك تخاطبه رب الأرباب جل وعلا؟ يخبرنا ربنا عن نفسه وهو أعلم بنفسه بمجيئه وإتيانه، ثم تقول: لا، رب ما سأتي، إيش قصدك بهذا الكلام؟ لو علموا فداحة ما تلفظوا به لما نطقوا بما تكلموا به. كذلك الأمر الثاني: يقول: من أين جاءت الجسمية؟ أنتم الآن أتيتم بالجسمية عندما شبهتم الله بخلقه. وكما قلنا ونكرر على أن أصحاب التصحيف والتحريف والتأويل إنما وصلوا إلى هذا المقام عندما أولا شبهوا الله بخلقه، لما شبهوا الله بخلقه حينها ترتب على مذهبهم وعقولهم مسألة التجسيم، حينها نفوا الصفة. لماذا أوصلتم إلى هذه المرحلة؟ لماذا تشبهون الله بخلقه أصلا؟ لماذا تمرون على هذه القنطرة؟ مجيء، إتيان، رحمة، رضا، أولا هذا مما عليه المخلوق، إذن نجعل الله كالمخلوق، إذن نغير، إذن نزلتم أولا إلى مرحلة التشبيه والتمثيل لله، ثم قمتم بالتعطيل. وما الذي أحوجكم إلى أن تدخلوا إلى هذه القنطرة؟ الله ليس كمثله شيء، إذا كان الإنسان وهو إنسان يختلف من حيث إتيانه ومجيئه، فإتيان المخلوق مثلا الصغير ليس الكبير، والكبير ليس كالمريض، والمريض ليس كالعجوز العتي. وإذا كان هذه الصفة تختلف من مخلوق إلى مخلوق، من إنسان إلى حيوان، والحيوان إذا قورن مجيئه وإتيانه بالدواب أو البهائم أو بالحشرات أو بالهوام أو بالطيور يختلف، عوالم كثيرة، عوالم كثيرة، هل كان من اللزوم أن الكل يأتي بإتيان واحد؟ الجواب: لا، كل يأتي بإتيان يليق به. والله جل وعلا إتيانه يليق بجلاله وعظمته، فإن قال: طيب كيف يأتي؟ قل: الله أعلم، هو يأتي سبحانه وتعالى، لكن قل: الله أعلم بكيفية إتيانه. وشخص يقف عند النصوص ولا يستعظم مثل هذه الآيات من آيات الأسماء والصفات، تأتي مسألة مهمة جدا وهي التي يتعلق عليها المبتدعة كثيرا في هذا المقام في فهم هذه الآيات. قالوا: نقول فيها يا أهل السنة، هذه الآيات: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، أو ﴿يأتي ربك﴾، أو ﴿جاء ربك﴾، قالوا: هذه الآيات فيها شيء أنتم ما تعرفونه، وهو ما يسمى عندنا بالمجاز، والمجاز عند أهله له أقسام، هناك مجاز يسمى بمجاز حذف، وأنك تأتي إلى كلام وتعلم أن هذا الكلام قد حذفت منه كلمة. مثل ما نحن بصدده، تجد مثلا أن الفعل يذكر والفاعل الحقيقي لهذا الفعل يحذف، يحذف الفاعل الحقيقي، الفاعل الحقيقي يحذف. طيب قالوا: مثل هنا في هذه الآية: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾، هنا فاعل قد حذف تحت ما يسمى بمجاز الحذف، وما هو؟ قال: إلا أن يأتيهم أمر الله، فالفعل هو الأمر لكن حذف. أو في قوله: ﴿أو يأتي ربك﴾، قالوا: الفاعل الحذف هنا ويفسر عندهم إما بالعذاب أو يأتي عذاب ربك أو بالأمر أو يأتي أمر ربك، فالفاعل الإتيان والمجيء ليس الله وإنما أمره أو عذابه. كذا في قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، أي: ﴿وجاء أمر ربك﴾، ﴿وجاء أمر ربك﴾. قالوا: هذا موجود في القرآن، يستدلون علينا مثلا بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾، واسأل القرية، هل القرية تسأل؟ لا، قرية يعني أهل القرية، أين الأهل؟ حذفت، فأضيف القرية محل الأهل وليست القرية المرادة بالسؤال. قال: وهكذا في هذه الآيات: ﴿وجاء ربك﴾، ﴿يأتي ربك﴾، ﴿أن يأتيهم الله﴾، قالوا: هذه الآيات فيها مجاز حذف. والرد عليهم إخواني في الله من عدة وجوه. الرد الأول: ينبغي أن تعلم أن هذا الذي يدعون بالمجاز على فرض صحته، يقول علماء: لابد لهم من أصول، هناك أصول المجاز، من أصول المجاز أن يستبدل بالمعنى الأول معنى آخر لعلاقة بينهما. هذا لابد أنك تستبدل هذا المعنى الأول، واسأل القرية، هذا المعنى الأول تستبدل بمعنى ثاني: أهل القرية، لعلاقة بينهما، ولأن المقام لا يناسب، هذه أصول في مسألة المجاز. فحينها يتم بهذا المجاز، يقول: هذا المجاز مجاز حذف صحيح، أني أحذف كلمة وآتي بالمعنى الثاني. نأتي الآن إلى هذه المسألة، مثال تحقيقا، نعم، في "وسأل القرية" صحيح، "وسأل القرية" استبدلناها "القرية" بأهلها، فهناك علاقة بين القرية وبين أهلها، أهلها سكان القرية. ولماذا جئنا بهذا التأويل أو بهذا المجاز على قولهم؟ قال: لأن القرية ما تسأل، ما يناسب تسأل جدران، وإنما الذي يناسب أنك تسأل أهل القرية، فهناك مناسبة. طيب نأتي لو تمثلنا هذا في هذه الآيات: ﴿وجاء ربك﴾، ﴿يأتي ربك﴾، لماذا هذا لا يناسب؟ ثانيا: هذه اللفظة وهذا السياق تكرر أكثر من مرة، تكرر أكثر من مرة، لو أن هذه الآية جاءت في موطن واحد، جاءت في موطن واحد لقلنا: صح يحتمل هذا. من الذي أتى؟ هل هو الله أو عذابه أو أمره؟ نقول: مثلا يحتمل هذا، لكن كيف قد تكرر هذا الأمر؟ كيف قد تكررت هذه الآيات تباعا وتكررا؟ ما يأتي المجيء ولا يأتي الإتيان إلا مقرونا وموصوفا به الرب سبحانه وتعالى. زد على ذلك أننا لو فعلنا هذا الفعل كما قال ابن القيم رحمه الله: أننا أطلنا النفس في هذا المقام، إذن لكان هناك شك في كل خطاب من خطاب القرآن. إذا جاء خطاب قرآني وقال: ربه، لا، لا، الله، قال: ولحد ثاني، قال: هذا معنى أصلا، إذا كان الأمر تحكم على كل فعل يضاف إلى الله بأن تقول: لا، ليس المقصود به الرب، وإن المقصود به غيره، أتى الله أي: أتى أمره، جاء ربك أي: جاء عذابه. طب زد على ذلك: كل الصفات ما يتعلق بحياة الله، ما يتعلق بسمع الله، بأن الله يبصر، هل الله يبصر لغيره؟ الذي يبصر، بأن الله جل وعلا هو الذي يريد، الله الذي يعلم، الله قد علم، الله قد علم ولا علم غيره. سيفتح لك المجال في كل آية من آيات الله، وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وسيعود هذا إلى التشكيك في الخطاب، أصبح كل خطاب يخاطب نبيه الرب عز وجل أصبحنا في شك من هذا الذي يوجه لنا الخطاب؟ هل هو الله أم ملك من ملائكته أم أمره أم عذابه؟ الله أعلم. فأصبح هذه يعني مفسدة عظيمة ستصلت على كتابه، وهكذا فعل القوم إذا ضاقت عليهم الأمور فتحوا باب التأويل تحت ما يسمى بحجة المجاز، فأضافوا الفعل إلى غير الله عز وجل، فكان القرآن ألعوبة. زد على ذلك كما أشار إليه علماء في هذه المسألة أن الكلام لا يستقيم، الأمر إخواني في الله ليس فقط هو تحكم، تحكم محض، ثم تطرح المعلة التي تريدها وأنت لا تفكر بسياق الكلام. كمل كمل كلام، لو مثاله انظر لهذه الآيات التي يقدرونها في قول سبحانه وتعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾، أسألكم سؤال يا من تقولون بأن الذي يأتي هو أمره، انظر التأويل، هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله في ظلل من الغمام؟ يأتي أمر الله في ظلل من الغمام، يعني تصور هذا كيف يأتي أمر الله؟ أنت انتهينا من الله يأتي أمره يأتي في ظلل وعنده غمام كيف هذا؟ هذا خطاب عقلي يا من تدعون العقل، هم يا معتزلة يا أشاعرة أنكم من أحسن الناس عقولا وأكمل عقولا من أهل السنة الأغبياء اللي يسموننا بالحشوية. أنا نمانع، طب أنتم تعون، أنتم الآن قلتم بهذا التأويل: يأتي أمر الله في ظلل من الغمام، أنا ما فهمت، أنتم فهمون يا معتزلة؟ ما معنى يأتي أمر الله في ظلل من الغمام؟ هل هذا يستقيم؟ والله ما يستقيم هذا، لا يستقيم. زد على ذلك في قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، وجاء ربك قالوا: أمر الله، أسألكم سؤال: هل أمر الله يأتي يوم القيامة فقط؟ أو أوامر الله تأتي على عباده يوم القيامة؟ ولا نحن في هذه الدنيا نعيش بدون أوامر الله؟ لأن معنى وجاء ربك أي: جاء أمر الله، متى يجي أمر الله؟ يأتي يجي أمر الله يوم القيامة بمعنى أن يوم القيامة يأتي أمر الله. طيب ونحن الآن كيف نعيش؟ ما هناك أوامر تأتي إلينا لا نهارا ولا صباحا، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقوله: ﴿كن فيكون﴾، كل شيء كان بأمر الله عز وجل، فما هذا الهذيان؟ ما هذا التضييع؟ ما هذا التميع؟ ما هذا التأويل السمج الذي ما دلت عليه لا شرعية ولا توافق عليه حتى العقول السوية؟ وزد على ذلك أن الله عز وجل لو أراد أن يأتي أمره لصرح بهذا، قال سبحانه: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾، هنا أتى من الذي أتى؟ أتى أمره، من الذي صرح بهذا؟ هو الرب عز وجل الله. الذي صرح هنا بأنه أتى أمره، كان بإمكانه في الآيات السابقات أن يأتي يقول: أو يأتيهم أمر الله، لك ما ذكر أمره، ذكر يأتي هو بنفسه. فربنا لو أراد الأمر لذكره بنفسه كما ذكر هنا، أو قال: أتى أمر الله فلا تستعجلوه، فالله عز وجل لو أراد أن يضيف الإتيان إلى أمره لذكره، ولو أراد الإتيان لعذابه لذكره، ولما أراد الإتيان لنفسه ذكره. فربنا أعلم بمن يأتي سبحانه وتعالى يأتي، فربنا جل وعلا تحمل آيات على ما نطق به جل في علاه. هذا إخواني في الله خلاصة من يذكر من هذه المسائل حول مسألة الإتيان والمجيء، وأن الكل ماذا؟ يتعلق بصفات الله الفعلية التي نثبتها على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.