شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 12

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 12

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الإيمان عند السلف: اعتقاد وقول وعمل

يقرر الإمام الطبري وأئمة السلف أن الإيمان يتكون من اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وهو قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ويؤكد الإجماع أن لا وجود لإيمان بلا عمل، وأن هذا التعريف هو مذهب أهل السنة.

إجماع السلف على زيادة الإيمان ونقصانه

ينقل المقطع عن الإمام أحمد والصحابي عمير بن حبيب أن الإيمان يزيد بذكر الله وحمده وينقص بالغفلة، وقد أجمع أئمة السلف كمالك والأوزاعي والشافعي والثوري وابن المبارك على ذلك. كما شهد البخاري بأن أكثر من مئتي شيخ في صحيحه يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه.

رد الفرق المخالفة وتأكيد الإجماع

يرد الإمام الطبري وأئمة السلف على المرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والأشاعرة والكرامية الذين يخالفون قول وعمل الإيمان، مبينين أن الخلاف المعاصر في جنس الأعمال غير واقعي. ويؤكدون أن هذه المسألة ليست خلافاً حقيقياً بل أثيرت لشغب بعض الناس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة: قال: القول في الإيمان وزيادته ونقصانه. قال: وأما القول في الإيمان، هل هو قول وعمل، وهل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل، يزيد وينقص. وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعليه مضى أهل الدين والفضل. فهذا هو قول أهل السنة، كما قرره الإمام رحمه الله، وبيّن أنه قول الصحابة ومن بعدهم من أئمة الهدى. وهذا يدلك على ما كان عليه هذا الإمام من اتباع لمذهب السلف. وقد تقدم معنا أنه كان دائما يستدل بالأحاديث والآثار عن السلف في تقرير مذهب أهل السنة. وهذه المسألة - مسألة الإيمان - حصل فيها خلط كثير من الفرق الباطلة: كالم المرجئة والخوارج والمعتزلة وغيرهم. وجانبوا الصواب. والصواب هو قول أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. كل هذا يدخل في مسمى الإيمان. كما دلت عليه السنة من دخول الأعمال في الإيمان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. فدل هذا الحديث على أن الإيمان شعب، وأن الإيمان له أعلى وأدنى، وأنه يتفاوت. وهذا أيضا يدل على زيادته ونقصان، وأن أعماله أيضا تتفاوت. وهكذا جاء في القرآن: زيادة الإيمان. وقد دل القرآن على زيادة الإيمان في أكثر من موضع. وهذا كله يدل على أن الإمام كان بالسنة متبعا للكتاب والسنة. قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وهو حسن الحديث في أقل أحواله، وأبوه علي بن الحسن من ثقات أهل مرو. قال: سألنا أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان، فقال: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، وهو ثقة، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو أيضا إمام، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب. وأبو جعفر الخطمي أيضا ثقة، لكن بعض العلماء تكلم فيه من ناحية الجهالة. قال: عن جده عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص. فقيل: ما زيادته وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه. وهذا أعلى ما جاء في هذه المسألة عن هذا الصحابي عمير بن حبيب: أن الإيمان يزيد وينقص. قال: حدثنا علي بن سهل الرملي، وهو شامي ثقة، قال: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز، أي فقهاء الشام، رحمهم الله، ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. وهذا من هؤلاء الأئمة على أن العمل داخل في مسمى الإيمان، فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. وهذا كله يدل على أن السلف كانوا يقولون هذه العبارة، وكانوا قد أجمعوا عليها: على أن الإيمان قول وعمل. ومن خالف هؤلاء السلف في هذا فهو على قول مبتدع. فجاءت الجهمية، فقالوا: الإيمان هو المعرفة فقط، معرفة القلب. وجاءت الأشاعرة، فقالوا: الإيمان التصديق، تصديق القلب. وقالت الكرامية: إن الإيمان هو القول فقط. وهكذا طالت هذه البدع، وخرجوا عن قول أهل السنة الذي يقول: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا كما قلنا الذي دلت عليه الأدلة، والذي كان عليه أئمة المسلمين: مالك، والشافعي، وأيضا كذلك الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وغيرهم من أئمة الإسلام، كانوا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص. وقد ذكر ذلك من الآثار عنهم الإمام أبو عبد الله بن منده في كتابه الإيمان. ذكر عن السلف، عن جماعة من السلف، قولهم: إن الإيمان يزيد وينقص. وقد قال أيضا الإمام البخاري رحمه الله: «أخرجت في كتابي هذا - أي الصحيح - عن أكثر من مئتي شيخ، كلهم يقول: الإيمان يزيد وينقص». أو قال: «ولم أخرج عن أحد يقول بأن الإيمان قول فقط». كلهم الذين روى عنهم الإمام البخاري من مشايخه، أكثر من مئتي شيخ، كلهم يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص. وقد كان بعض أئمة الكوفة كيزيد بن قدامة - لأن الإرجاء انتشر بالكوفة انتشارا عظيما - فكان يزيد يقول: أيما رجل يقول بأن الإيمان قول فقط، فليقم من مجلسي. أنا ما أريد أحدا يجلس في مجلسي - مجلس التحديث - وهو يقول: الإيمان قول، ولا يقول: الإيمان عمل. فالإيمان مكون من اعتقاد وقول وعمل، لا يخرج أحد هذه الثلاثة عن الإيمان، بل مسمى الإيمان في هذه الثلاثة، لا يسمى إيمانا إلا إذا كان بهذه الثلاثة الأشياء. أما مسألة جنس الأعمال التي ذكرها بعض المعاصرين وشغبوا بها، فهذه مسألة لا وجود لها أصلا في الواقع. لا وجود لها أصلا في الواقع. وأيضا افترق كثير من المعاصرين على هذه المسألة، وأولى بتركها، وأولى بتركها. وأيضا كذلك، إن كان هناك صواب، فإن هذه المسألة لا حقيقة لها. ليس هناك إيمان بلا عمل. ليس هناك إيمان بلا عمل. أنا ما يكون إيمان بلا عمل، لابد من الإيمان والعمل. أما أنه يقال: إن إنسانا آمن بالله ولم يعمل شيئا قط، معنى لم يذعن للعمل. أما إذا كان مذعنا للعمل والطاعة، فهذا عند الجميع أنه مؤمن. مثل الذي أسلم في أحد، ظهر أنه عمير بن الحمام أو غيره، فأسلم وقتل، فأسلم وقتل، ولم يعمل عملا إلا الجهاد. فهذا مستثنى: أن الإنسان مثلا يؤمن ثم لم يعمل شيئا ويموت. لكن إذا كان في الحياة وهو مؤمن، وأسلم وهو في الحياة، ولم يعمل شيئا، فهذا الواقع غير صحيح. من ناحية أن الإنسان ما يعمل أبدا، مادام أنه مؤمن، لابد أن يذعن بالطاعة لله عز وجل. لابد أن يذعن بالطاعة لله عز وجل. فإذا لم يذعن بالطاعة لله فهو ليس مؤمنا أصلا. ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. وقال جل وعلا أيضا في من ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. قال: إن الفتنة: الشرك. أي أنه لا يدين لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذا فهذه المسألة لا وجود لها في الحقيقة، وإنما شغب بها بعض الناس، لأجل شيء من الاشتراق وغير ذلك. فالمهم أن الإيمان هو كما ذكر الأئمة: قول، اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وهذا خلاصة ما يذكر. والله تعالى أعلم.