الدرس في كتاب الطهارة 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الأول شرح حديثين نبويين يتعلقان بالاستتار عند قضاء الحاجة والدعاء بعدها، مع تفصيل معاني الاستتار ووجوبه ومعاني الدعاء بعد قضاء الحاجة.
يناقش المقطع الثاني استخدام الأحجار للاستنجاء، ويشرح حديثا عن استنجاء النبي عليه الصلاة والسلام بثلاثة أحجار، مع استعراض آراء الفقهاء حول اشتراط عدد الأحجار للاستنجاء.
المقطع الثالث يناقش شرط عدد الأحجار في الاستنجاء، ويشير إلى أن الأحاديث تشترط ثلاثة أحجار للاستطابة، مع تفسير معاني الاستنجاء والاستطابة والاستجمار.
ينتقد المقطع الأخير تفسيرا أو شرحا معينا، ويشير إلى بعض التفاصيل غير الصحيحة، مع توضيح بعض المصطلحات أو المفاهيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى الغائط فليستتر». رواه أبو داود، وهذا الحديث فيه ضعف، لكن فيه شواهد تدل عليه. قال: هذا الحديث في السنن، يشبه أن يكون لأبي هريرة، وكذلك في التلخيص. وقال: من دار على بي سعيد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف، قيل: إنه صحابي، ولا يصح، والراوي عنه مختلف فيه. الحديث كالذي سلف دال على وجوب الاستتار. والراوي قال: وقد قدمنا شطرة ولفظة في السنن عن أبي هريرة: «من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فيبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائطة فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». فهذا الحديث الذي خرجه أبو داود عن أبي هريرة، وليس له هنا عن عائشة رواية، ثم هو مضعف. ثم سمعت الحديث ليس عن عائشة، إنما عن أبي هريرة، فكان على المصنف أن يعزو إلى أبي هريرة، وأن يشير إلى ما فيه على عادة الإشارة إلى ما قيل في الحديث. وكأنه يرى ذلك لأنه قال في فتح الباري: إسناده حسن، وفي البدر المنير: إنه حديث صحيح، صححه جماعة منهم ابن حبان والحاكم والنووي. وهذا كما قلنا مسألة الاستتار، الاستتار هنا يحمل على نوعين: الاستتار على نوعين: الاستتار من الناس لأجل العورة؛ لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب بعيدا لأجل أن يستر من الناس، أو يكون في حائط -حائط معنا بستان محاط- أو حفيرة من النخل -هدف معناه شجر مجتمع- فهذا كله لأجل أن يستتر، وهذا يعتبر سترا. وأيضا الستر الآخر أن يستتر من بوله حتى لا يقع البول فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن باله فليستتر» أو «من أتى الغائط فليستتر». هنا بهذا الحديث، وفي حديث ابن عباس أنه كان لا يستتر من بوله -كان لا يستتر من بوله المراد لا يستتر من بوله- فلهذا الاستتار يطلق على المعنيين معا: استتار من العورة، وكذلك استتار من العجل النجاسة. وقيل: إنه لا يستتر من بوله معناه أنه لا يجعل وقاية بينه وبين البول لأجل العبارات الأخرى: كان يستنزه من بوله. وكذا قال: وعنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من الغائط قال: «غفرانك». خرجه الخمسة وصححه الحاكم وبحاتم. قال: «غفرانك» بالنصب على أنه مفعول في المحذوف، أي يطلب غفرانك. خرجه الخمسة وصححه الحاكم وبحاتم. ولفظه: خرج تشعر بالخروج -قال تشعر بالخروج من المكان كما سلف في لفظ دخل- لكن المراد عام منه ولو كان في الصحراء. قيل: واستغفاره صلى الله عليه وسلم من تركه لذكر الله ووقت قضاء الحاجة؛ لأنه كان يذكر الله على كل أحيانه. قال: فجعل تركه لذكر الله في تلك الحال تقصيرا، وعده على نفسه ذنبا، فتداركه بالاستغفار. وقيل: معناه التوبة من تقصيره في شكر نعمته التي أنعم بها عليه، فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعمة، ففزع إلى الاستغفار منه. قال: وهذا أنسب لي وافق حديث أنس: «كان رسول الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني». وقلنا: إن هذا لا يصح. هذا الحديث لا يصح. طيب. قال: رواه ابن ماجه. ورد في وصف نوح عليه السلام أنه كان يقول من جملة شكره بعد الغائط: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى» ولو شاء حبسه. وقد وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه عبد شكور -وصفه الله أنه كان عبدا شكورا- عندكم الله إذا هنا غلط. الله آه صلى الله عليه وسلم قاله: قد وصفه صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يحتمل أن استغفاره للأمرين معا عن خروج العذى، وكذلك عن خروج العذى منه هذا فيه شكر، وكذلك التوبة من تقصيره أو استغفار من التقصير الذي حصل. وقد يقال: إنه صلى الله عليه وسلم وإن ترك الذكر بلسانه حالة التبرز لم يترك بقلبه. قال رحمه الله: وإن ترك الذكر بلسانه حالة التبرز لم يترك بقلبه. وفي الباب الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الحمد لله الذي أحسن إليه في أوله وآخره». وحديث عمر أنه كان يقول إذا خرج: «الحمد لله الذي أداقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه». وهذه كلها سنن لا تصح. قال: وكلها سنن وضعيفة. وقال أبو حاتم: وصح ما فيها حديث عائشة. قلت: لكن لا بأس في الاتيان بها جميعا شكرا على النعمة، ولا يشترط الصحة للحديث مثل هذا؛ لأنه من فضائل الأعمال. قال: وعلي بن مسعود رضي الله عنه قال: «أتي النبي عليه الصلاة والسلام الغائطة فأمرني أن أأتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، قال: فأتيت بروثة فأخذها، فأخذهم وألقى الروثة وقال: هذا رجس أو رجس». أخرجه البخاري، ورد أحمد وراءه، وزاد أحمد والدارقطني: «أتيني بغيرها». طيب. هذا الحديث قال: عن مسعود. قال: ذهب الإمام الرباني وعبد الرحمن عبد الله ابن أم عبد الهذلي -معنا بالذال الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه- واحد السادسين. قال: من كبار السابقين الأولين، من كبار البدريين، ومن نبلاء الفقهاء والمقربين. قال: أسلم قديما، حفظه من فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». قال: فضائله جمة عديدة، وتوفي بالمدينة سنة 32، وله نحو من 60 سنة. توفي سنة 32 قبل صفين. قال: أسلم قديم، حفظه من فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة. ثم قال ذلك عن نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». وفضائله جمة عديدة، وتوفي بالمدينة سنة 32. قال: «أتي النبي عليه الصلاة والسلام الغائطة فأمرني أن أأتيه بثلاث أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، قال: فأتيته بروثة فأخذها، فأخذهم وألقى الروثة». زاد بن حبان أنها كانت زوجة. قال: ورثته حمارا. وقال: إنها ركس -بكسر الراء- قاله الكافي والقاموس: أنه الرجس. وزاد أحمد والدارقطني: «أتيني بغيرها». أخذ بهذا الحديث الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث، فاشترطوا ألا تنقص الأحجار عن الثلاث مع مراعاة الإبقاء، وإذا لم يحصل بها زاد حتى ينقى. وهذا قد مر معنا بالأمس. واستحب الإيتار، وتقدمت الإشارة إلى ذلك. ولا يجب الإيتار لحديث أبي داود: «ومن لا فلا حرج». قال: واستحب الإيتار، وتقدمت الإشارة في ذلك. ولا يجب الإيتار -معنا الإيتار أي ثلاث أحجار- من ذهب إلى الخلاء ليستنجي بثلاث أحجار. قال الخطابي: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلت اشتراط العدد من الفائدة، فلما اشترط العدد لفظا وعلم الإنقاء معنا دل على إرادة الأمرين. وأما قول الطحاوي: لو كانت ثلاث شرطا لطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثالثا، فجوابه أنه قد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالث كما في رواية أحمد والدارقطني. في كلام صنع قد قال بفتح أن الرجال وفقات. قوله: «ائتوني بغيرها». قال: فالجواب على الطحاوي أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاث، وحتى علق الروثة على المسعود أنه لم يتم امتثال الأمر حتى يأتي بثالثة. ثم يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بأحد طرفي الحجرين، فمسح به المسحة الأولى، وثالثة إذن المطلوب تثليث المسح، وهو بأطراف حجر واحد -حجر واحد بأطرافه الثلاثة- وهذا كما قلنا قول الشافعي. وهذه الثلاثة لأحد السبيلين، واشترط الآخر ثلاثة أيضا، أو ثلاثة أيضا ستة للحديث الوارد بذلك. مسند أحمد على أن في النفس من إثبات ستة أحجار شيئا؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ما علم أنه طلب ستة أحجار، مع تكرر ذلك منه مع أبي هريرة والمسعود، فهو لم يطلب زيادة، وإنما طلب هذه الثلاثة الأحجار فقط، دل على وجوب الثلاثة الأحجار. قالوا: لحديث «من أتى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه». عند أحمد والنسائي وأبي داود. وقال: إسناده حسن صحيح. قال: مع أن الغائط إذا أطلق ظاهر في خارج الدبر وخارج القبل يلازمه. فإذا قال: فرج، فالمراد به الفرج الذي يخرج منه الغائط، لكن يدخل معه كذلك. قال: حديث عائشة: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار». قال: رواه عند أحمد والنسائي وأبي داود، أو قال: وأبي داود والدارقطني. وقال: إسناده حسن صحيح. مع أن الغائط إذا أطلق ظاهر في خارج الدبر وخارج القبل يلازمه. وفي حديث خزيمة بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطابة، فقال: «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع». أخرجه أبو داود. والسؤال عام للاستطابة، فقال: «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع». قال: وقال: إسناده صحيح. قال: وفي حديث خزيمة أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطابة، وقال: «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع». أخرجه أبو داود. والسؤال عام للمخرجين معا أو أحدهما، والمحل محل البيان. وحديث سلمان بلفظ: «أمرنا أن لا نكتفي بغير ثلاثة أحجار». وهو مطلق في المخرجين -أنا في المخرجين معا- ومن اشترط السن الستة فلحديث أخرجه أحمد، ولا أدري ما صحته، فيبحث عنه. ثم تتبع الأحاديث الواردة في الأمر بثلاثة أحجار والنهي عن أقل منها، فإذا هي كلها في خارج دبر. فإنها بلفظ النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، وبلفظ الاستجمار: «إذا استجمر أحدكم فليوتر». وبلفظ التمسح: «نهى رسول الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم». فإذا عرفت هذا، فالاستنجاء لغة إزالة النجاسة، وهو الغائط. والغائط كناية عن العذرة، والعذرة خارج الدبر. إذا كانت هذه العذرة تخرج خارجا فيغسل بالماء. قال: وفي القاموس: النجاسة ما يخرج من بطن من ريح وغائط. واستنجاء: اقتسل بالماء منه أو تمسح بالحجر. وفيه: استطاب، استنجاء، استطابه -من الطيب- واستجمر، استنجاء معنى أيضا. من إطلاق الاستنجاء: غسل استنجاء، اقتسل بالماء. وفيه: استطاب، استنجاء، واستجمر، استنجاء. وفيه: التمسح: مسح اليد لإزالة الشيء السائل أو الملطخ. قاله: فعرفت من هذا كله أن الثلاثة الأحجار لم يرد الأمر بها والنهي عن أقل منها إلا في إزالة خارج الدبر لا غير؛ لأنه إزالة نجاسة ليس لها عدد معين. قاله: لم يأت بها دليل في خارج القبل، ولا أصل عدم التقدير بعدد، بل مطلوب الإزالة لأثر البول من الذكر، فيكفي فيه واحدة. مع أنه قد ورد بيان استعمال الثلاث في الدبر بأنه واحدة للمسربة، وثلاث للصفحتين. وماذا أكى إلا لاختصاصها بها، وهذا لا يصح. لا يصح شيء في هذا. مع أنه أقصد لعدد كذا للمسربة، وعدد كذا للصفحة -الصفحة معنى قلب- والمسربة قبل معنى قداب. طيب إن شاء الله نكتم هذا.