التعليق على كتاب كشف الشبهات 9

الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 9، ألقاها

مقدمة في الرد على شبهات أهل الباطل

يتناول المؤلف رحمه الله كيفية الرد على شبهات أهل الباطل، مبيناً أن الرد يكون على طريقتين: مجمل ومفصل، مستدلاً بالآية الكريمة على أهمية التمييز بين الآيات المحكمات والمتشابهات. يحذر من أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة.

الرد على استدلال المشركين بالمتشابه القرآني

يشرح الكاتب كيفية الرد على المشركين الذين يستدلون بالآيات المتشابهة لتبرير عبادتهم لغير الله، مبيناً ضرورة الرجوع إلى الآيات المحكمة التي تنهى عن دعاء غير الله، وأن اتباع المتشابه يدل على الزيغ في القلوب.

فضل الصبر في الرد على أهل الباطل

يُبين أن الرد على أهل الباطل ودفع السيئة بالحسنة نعمة من الله تعالى، وأن الصبر وحسن التعامل مع أهل الباطل يعد حظاً عظيماً لمن وفقه الله لهذا الخير، ونال بذلك فضلاً كبيراً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله في رسالته "كشف الشبهات": وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل. المؤلف رحمه الله سيذكر في هذا الموضع أن خصومه من دعاة الشرك لما دعا رحمه الله إلى التوحيد، بخلاص العبادة لله، والتحذير من الشرك وعبادة القبور وعبادة الصالحين، فوقف له الخصوم في طريقه، واحتجوا بحجج وشبه لرد الحق الذي جاء به ونصرة الباطل الذي هم عليه. وذكر المؤلف رحمه الله في هذا الموضع الرد على مثل هذه الشبه التي يستدل بها أهل الباطل على باطلهم، وأن الرد عليهم على طريقين، وعلى حالين: مجمل ومفصل. مجمل يعني رد عام يمكن الرد به على كل شبهة يستدل بها صاحب الباطل، يكون ردا إجماليا عاما، وردا مفصلا على كل شبهة بعينها. قال: أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". هذا الرد المجمل وهو ما ذكر الله عز وجل في هذه الآية من سورة آل عمران: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ أي القرآن، ﴿منه آيات محكمات﴾ أي واضحة بينة ليس فيها شيء من الاشتباه، ﴿هن أم الكتاب﴾ أي أصل الكتاب، هن أم الكتاب أم الشيء أي أصله. فهذه الآيات الواضحة البينة هي أصل القرآن الذي يرد إليه ما وجد فيه من متشابه. ﴿وأخر متشابهات﴾ يعني آيات أخرى فيها شيء من الاشتباه، وفيها شيء من الخفاء وعدم الوضوح والبيان، يعني وضوح المعنى أو المراد. ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ الذين في قلوبهم زيغ يعني ميل عن الحق وعن الهدى وعن الصراط المستقيم، فيتبعون ما تشابه منه يتبعون هذه الآيات المتشابهة التي تحتاج إلى بيان المراد منها، ووضوح ذلك بردها إلى المحكم، بردها إلى الآيات المحكمة، فيأخذون هذه الآيات المتشابهة ويستدلون بها ابتغاء الفتنة، ابتغاء الفتنة فيما يذهبون إليه من باطل، وكذلك إيقاع الناس في الشك والريب فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما هو من الحق فيشككون فيه بالاستدلال بهذه الآيات المتشابهة. ﴿وابتغاء تأويله﴾ التأويل في القرآن على معنيين كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، المعنى الأول بمعنى التفسير، يطلق التأويل بمعنى التفسير، فعلى هذا المعنى فقوله جل وعلا: ﴿وابتغاء تأويله﴾ يعني ابتغاء تفسيره، لكنهم يفسرونه بغير تفسيره الصحيح، يفسرونه بغير تفسيره الصحيح. المقصود أن أهل الباطل وأهل الزيغ يتبعون المتشابه من أدلة الكتاب والسنة ليستدلوا به على باطلهم دون أن يردوه إلى المحكم وإلى الواضح البين الذي يتضح به المراد من هذه الآيات. والنبي عليه الصلاة والسلام حذر من أمثال هؤلاء القوم، كما ذكر رحمه الله: "وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". يعني هؤلاء أهل الزيغ الذين يجب الحذر منهم، الحذر مما يستدلون به وما يقولونه، والحذر منهم ومن مجالستهم والسماع لهم؛ لأن ذلك سبب لوقوع الشبهة في القلب، وربما يتأثر بها المستمع. ثم ذكر رحمه الله مثالا في تطبيق هذا الرد المجمل، قال: مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاما للنبي صلى الله عليه وسلم يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه. وما ذكرته وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه. وما ذكرت لي -أيها المشرك- من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله. هذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله، فلا تستهن به، فإنه كما قال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. هذا المثال ذكره رحمه الله في تطبيق هذا الرد المجمل، إذا قال من يغلو في الأولياء والصالحين ويصرف العبادة لهم من دون الله جل وعلا، استدل بقول الله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر شيئا من الكلام الذي يستدل به من كلام النبي عليه الصلاة والسلام على ما يذهب إليه من باطله من جواز التقرب إلى هؤلاء الصالحين أو هؤلاء الأموات أو أولئك الملائكة أو الأنبياء. فهذا دليله الذي يستدل به يريد بذلك -أي هذا المبطل- أن الله عز وجل أخبر أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إذن لهم منزلة عند الله. وإذا كانوا كذلك فنحن نتقرب بهم إلى الله جل وعلا، نحن عندنا ذنوب وعندنا معاصي وعندنا أخطاء، وهؤلاء عندهم أعمال صالحة وطاعات وقربات، فنحن نتقرب بهم إلى الله جل وعلا، فنطلب منهم الشفاعة وندعوهم ونستغيث بهم لطلب القرب والشفاعة. والشفاعة حق، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "الشفاعة حق". وبيّن عليه الصلاة والسلام أنها ثابتة. فأنت ترد عليه بالرد المجمل، تقول: الله عز وجل أخبرنا أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما ذكرت من هذه الآية: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ حق، لكن لا أفهم ما مقصدك، وما دليلك من هذه الآية على ما تذهب إليه من دعاء هؤلاء الصالحين أو الاستغاثة بهم أو صرف العبادة لهم؟ وعندنا آيات محكمة يجب الرجوع إليها، واضحة بينة في أنه لا يجوز دعاء غير الله، ولا طلب الشفاعة من غير الله جل وعلا. كقوله سبحانه: ﴿أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾، وقوله: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾، ﴿هم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾، وقوله جل وعلا: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾، وغيرها من الآيات الواضحة البينة التي فيها تحريم دعاء غير الله، وتحريم صرف العبادة لغير الله. وكونك تقول: نريد طلب القرب والشفاعة، هذا هو بعينه عبادة أولئك المشركين الأوائل الذين عبدوا الأصنام وعبدوا الصالحين، ما أرادوا من ذلك إلا أن يقربوهم إلى الله زلفى، وأن يشفعوا لهم عند الله. وكفرهم الله سبحانه وتعالى بذلك، كما قال عز وجل: ﴿ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾. إذن فلا فرق بين عملكم وبين عمل أولئك المتقدمين. إذن هذه الآية التي استدللت بها لا دليل فيها على ما ذهبت إليه من جواز دعاء هؤلاء الأولياء أو طلب الشفاعة منهم أو التقرب إليهم بأنواع العبادات والطاعات. ورددنا هذه الآية إلى الآيات المحكمة الواضحة البينة، وبهذا تبطل حجة هذا المبطل. كذلك أيضا في قوله: وما ذكرت لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، يعني تقول: إن المشركين أقرّوا بربوبية الله، وأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهم عبدوا غير الله، ليس لاعتقاد أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت، وإنما لاعتقاد أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم عند الله جل وعلا. وكفرهم الله سبحانه وتعالى بسبب ذلك. ثم إن هذه الآية في الحقيقة ليس لهم فيها أدنى دليل على ما ذهبوا إليه. فقوله جل وعلا: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، ﴿من هم﴾؟ ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. ليس الولي من كان على قبره قبة أو على رأسه عمامة، أو طائفة من الناس مخصوصين، بل كل مؤمن تقي فهو لله ولي. وربما كان الإنسان غير معروف أو ليس له قيمة عند الناس، وهم من أولياء الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره". ثم إذا كان هذا وليا من أولياء الله، ما معنى ذلك؟ هل معنى أنك تدعوه أو تستغيث به أو تصرف له العبادات من دون الله؟ من أمرك بهذا؟ ومن أجاز لك هذا؟ هذه الولاية له هو الذي ينتفع بها، هذا بينه وبين الله، هو بشر مثلك، فقير إلى الله ومحتاج إلى الله سبحانه وتعالى، لا يستغني عن الله. ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. هذا مجمل هذه الشبهة التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وكيفية الرد عليه على سبيل الإجمال. هذه الآية وما استدل بها ترد إلى المحكم من الآيات الواضحة البينة في تحريم دعاء غير الله جل وعلا، والاستغاثة بغير الله، أو طلب الشفاعة من غير الله؛ لأن الشفاعة حق لله. قل لله شفاعة جميعا، ولا يشفّع أحد عند الله إلا بإذن الله. وارغب -أيها المسلم- عن الشافع والمشفوع له. وقوله: وما ذكرت لي -أيها المشرك- من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرف معناه، يعني لا أعرف معناه الذي تقصده، لا أعرف معناه الذي تريد إثباته من هذه الأدلة، فليس هذا موجودا في هذه الأدلة، ولا يدل عليه من قريب ولا من بعيد. كما ذكرنا في آية قوله جل وعلا: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وليس فيها جواز دعاء الأولياء والصالحين أو الاستغاثة بهم أو صرف العبادة لهم من دون الله. ولا هكذا أيضا أدلة الشفاعة، ليس فيها دليل على جواز طلب الشفاعة من غير الله، وأن تقول: يا فلان اشفع لي، ويا فلان كن شفيعا لي، ليس فيها شيء من ذلك. فقوله: لا أعرف معناه، أي الذي تستدل به. ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي عليه الصلاة والسلام لا يخالف كلام الله. لا يمكن أن يحصل تناقض في كلام الله، وكذلك أيضا أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يخالف كلام الله جل وعلا. هذا أيضا على جهة الإجمال. إذن يكون الرد على الشبه على جهة الإجمال أولا برد الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة، وأن اتباع المتشابه هذا من فعل أهل الزيغ وأهل الضلال. والأمر الثاني أن المشركين أقروا بالربوبية، وهذا ما نفعهم. المشركون أقروا بربوبية الله، وأن الله عز وجل المتفرد بالخلق والملك والتدبير، ومع ذلك ما عصمت دماؤهم ولا أموالهم بسبب وقوعهم في شرك الألوهية، وصرفهم العبادة لغير الله جل وعلا. والأمر الثالث أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يخالف كلام الله. قالوا: هذا جواب جيد سديد، لكن لا يفهم إلا من وفقه الله، يعني من وفقه الله لهذا الفهم أن يرد على الشبهة بجهة الإجمال بهذا الرد. وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى للعبد. وهي كما قال الله عز وجل: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. يعني لا يلقى دفع السيئة بالحسنة إلا من وفقه الله، من كان ذا صبر وذا حظ عظيم. وهكذا من وفق لفهم هذه الحجة والرد على أهل الباطل بهذا الرد، فهو ممن وفق لهذا الخير العظيم، وكان ذا حظ عظيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على