الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 69، ألقاها
يشرح حديث أنس بن مالك حول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الظهر في السفر. يبين معنى الحديث وشرحه وفقا لما جاء في الصحيحين.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في السفر بحسب حاجته. جمهور العلماء ذهبوا إلى جواز الجمع للمسافر، والأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها إذا لم يكن هناك حاجة.
الجمع يجوز في البلد عند الحاجة أو الضرورة مثل المرض أو المطر. يحذر من الجمع بدون عذر، ويفرق بين الجمع والقصر في الصلاة.
يشير إلى نهاية النص مع التعبير عن العلم الإلهي والتسليم بقدرته. يتضمن الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بالمنهاج الواضح، رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو داود، رحمه الله: حدثنا مسدد، ومسدد هو ابن مسرحد، أبو الحسن البصري. قال البخاري: هو مسدد من كبار حفاظ الحديث، أي لثباته في الحديث وحفظه المتقن، فكان لا يفوت حديثا، وعنده شدة تثبت أيضا في الحديث. ولهذا قال الإمام أحمد: قال الإمام أحمد لابنه عبد الله: إذا كتبت عنه - أي عن مسدد - فلا تعد، لأنه متثبت في الحديث، لا يحدث إلا وهو متثبت. وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن السعيد القطان يقول: لو أني أتيت إلى مسدد إلى بيته، لكان يستاهل أن يؤتى إليه؛ لأجل أنه يحفظ. وكذلك إكراما لهذا الشيخ الذي يحمل هذا العلم؛ لأن العلماء كانوا إذا رأوا طالب علم ذكي ويحفظ، وعنده أيضا خير، فكانوا يهتمون به. كان يهتمون به، وكذلك أيضا يسمعونه أكثر، حتى أن الشيخ منهم يجلس، ولو وحده، يسمع له. ولهذا كان أحمد يسمع لمسدد، وكان يسمع لأحمد بن عبد الله العجلي، كان يملي عليه الحديث. قال أحمد بن عبد الله العجلي، صاحب كتاب التقات: كنت أسمع من مسدد إملاء الحديث، حتى كنت أضجر. قال: فإذا أضجرت، فكان يقول: اسمع يا أحمد، اسمع، هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فيحدثني خمسين حديثا بعد أن أضجر. فكانوا يهتمون بذلك، رحمهم الله. وكان مسدد من أثبت الناس في البصرة. قال: أخبرنا يحيى، وهو ابن سعيد القطاني. قال الإمام أبو حاتم، كما ذكر ذلك عمر بن حكام: مسدد عن يحيى بن سعيد القطاني، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿كَالدِّينَارِ﴾. ومعنى كالذهب دينار، أي كالذهب. هذه السلسلة: مسدد عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ﴿كَالدِّينَارِ﴾. قال أبو حاتم: وكأنك تسمعه من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، وهو القطاني الإمام، الجبل، قال: عن شعبة. وشعبة هو الحجاج أبو بسطام، رحمه الله. وكان أول من اهتم بهذا العلم وأكثر فيه، رحمه الله، في البصرة. قال: حدثني حمزة العائدي، رجل من بني طابة، وهو حمزة الطائي. جاء في بعض الأحاديث أنه حمزة بن عمر الطائي. وقد وثقه كثير من أهل العلم، منهم النسائي، وكذلك يحيى بن معين، وجماعة من أهل العلم والثقات. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: وقد روى هذا الحديث غير واحد عن أنس، ومنهم قتادة. وكذلك حافظ الشام، حافظ المدينة والحجاز، والإمام الزهري، رحمه الله. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي الظهر». فقال له رجل: «وإن كان بنصف النهار؟» قال: «وإن كان بنصف النهار». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. الحديث أخرجه النسائي، كما في طبعة الحلبي. قال: أخبرنا عبيد الله بن السعيد، قال: حدثنا يحيى بن السعيد به. قال: وخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة به. وهذا الحديث قوله هنا: «وإن كان بنصف النهار»، قال: «حتى يرتحل حتى يصلي الظهر». لا يرتحل، معنى إذا كان وقت الظهر لا يرتحل، إذا زاغت الشمس لا يرتحل حتى يصلي الظهر. وإن ارتحل قبل، فإنه يؤخر الظهر حتى يجمعه مع العصر، كما جاء في الحديث. حديث أنس الذي في الصحيحين، وهو حديث عقيل عن الزهري عن أنس، رضي الله عنه. قد جاء في الصحيحين أن أنسا، رضي الله عنه، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا، لم يرتحل من ذلك المنزل». أو قال: «إذا نزل منزلا، فإن كان قبل الظهر، أو قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى العصر، وصلاهما معا». أخر الظهر إلى العصر، وصلاهما معا. «وإن كان ارتحل بعد أن زالت الشمس، قال: يصلي الظهر ثم يركب». يصلي الظهر ثم يركب، أي يصليها وحده، ثم بعد ذلك يركب، أي يسافر. والمراد إذا نزل منزلا، المراد أنه إذا كان في سفر ونزل منزلا، نزل منزلا لعلة أن يركع، أو لعلة مثلا الصلاة، أو أنه مثلا لعلة أنه ينام في ذلك المكان. المهم لغير هذه من أسباب ينزل، معروف أن المسافر لا يطيق. معنى أن العرب كانوا يسافرون بأقدامهم يمشون، وأحيانا يركبون بعض الرواحل. فاحتاج المسافر إلى مراحل، يحتاج المسافر إلى مراحل ما يستطيع أن يمشي دائما ليلا ونهارا، لا شك أنه سيتعب، وقد لا يكمل سفره. لكن يجعلون ذلك على مراحل، فإذا مشوا مسافة، يجلسون في مكان يستريحون. فكان هكذا النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل مكانا. معنى إذا كان في الصباح، فإنه ارتحل قبل الظهر. هذا معنى حديث أنس: إذا ارتحل قبل صلاة الظهر، فإنه يؤخرها، ثم يجمعها مع العصر، يعني يؤخرها إلى صلاة العصر، يصليها جمع تأخير. وإن ركب، وإن ارتحل قبل أو بعد زوال الشمس، فإنه يصليها، يصلي الظهر ثم يركب. وجاء في بعض الأحاديث أنه قال: «يصلي الظهر والعصر». وما جاء في حديث أنس، فكله خطأ، لم يأت عن أنس حديث صحيح أنه قال ذلك. وما جاء أنه قال: «صلى الظهر والعصر بعد الزوال»، فهذا حديث خطأ. وجاء في حديث معاذ: أنه فعل وهو نازل في تبوك، فعل وهو نازل في تبوك، معنى جالس في تبوك، لما جلس تسعة عشر يوما، فإنه كان يصلي الظهر والعصر معا، ثم يدخل، ثم يصلي المغرب والعشاء معا. فلهذا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى جمع تقديم. ولو لم يكن إلا ما جاء في الحج في عرفة، فإنه يكفي. ولهذا أكثر العلماء ذهب إلى جواز جمع التقديم للمسافر، جمع التقديم للمسافر. مع أن بعض العلماء يقول: مثل الحنفية ينكرون الجمع كله، يقولون: ما في جمع إلا في عرفة. وذهب بعض أهل الحديث إلى أن الجمع التقديم لم يثبت، وإنما الثابت هو جمع التأخير. الثابت هو جمع التأخير. لكن الصحيح في حديث معاذ: أنه جمع، يمكن أن يكون جمع تقديم، ويمكن أن يكون جمع تأخير. وأيضا يدل عليه جمع عرفة. والذي يقول: أنه خاص، يحتاج إلى دليل، الذي يقول: أنه خاص بعرفة، يحتاج إلى دليل التخصيص. وإلا فالنبي صلى صلاة سفر، فجمع بين الظهر والعصر. فلهذا جمهور العلماء ذهبوا إلى جواز الجمع للمسافر، سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير، بحسب حاجته. ولا شك أن الأفضل للمسافر، إن كان نازلا، إن كان نازلا وليس هناك له حاجة في الجمع، فالأفضل له أن يصلي كل صلاة في وقتها، أن يصلي كل صلاة في وقتها، يصلي الظهر ركعتين، يصلي العصر ركعتين، يصلي المغرب كما هو معروف، ثم يصلي العشاء ركعتين في وقتها. وهكذا الفجر، فهذا هو الأفضل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في منى، لما جاء في منى في اليوم الثامن من ذي الحجة، جلس في منى. إيش الذي فعل في منى؟ صلى صلوات الخمس، لكن كل صلاة صلاها في وقتها، ركعتين، صلى الظهر ركعتين، وصلى العصر ركعتين، وهكذا صلى العشاء ركعتين، وصلى المغرب، وصلى الفجر. بعد ذلك من صباح يوم التاسع، فصلى كل صلاة في وقتها، عليه الصلاة والسلام. فقال الحافظ الإمام ابن تيمية، رحمه الله: أن هذا بجمع العلماء على أن الأفضل للنازل المسافر أن يصلي كل صلاة في وقتها. لكن إن احتاج إلى الجمع، فله هذه الرخصة، رخصة له أن يجمع. وكما قلنا: الصحيح سواء كان جمع تقديم أم جمع تأخير، جمع تقديم أم جمع تأخير. وكذلك أيضا إذا أراد أن يجمع وهو في بلده، فالصحيح أنه يجوز إذا كان هناك حاجة للجمع. وهذه الحاجة ممكن أن تكون مثل الضرورة أو دونها. معنى إذا احتاج أن يجمع، يجمع. ومثل ما قال ابن عباس، رضي الله عنه: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر». وجاء في رواية في رواية مسلم: «من غير خوف ولا سفر». فدل هذا الحديث على أن الجمع يجوز في البلد. فقال ابن عباس: «ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قال: «أراد أن لا يحرج أمته». أراد أن لا يحرج أمته. فلهذا ذهب جماعة من التابعين - نسب ذلك إلى ابن سيرين، والحسن، والشعبي، وغيرهم من السلف - أنهم كانوا يقولون بجواز جمع، جمع التقديم أو تأخير، لمن احتاج أن يجمع في بلد، هناك حاجة أحرجت. مثل إنسان يريد أن يدخل عملية، فهذه العملية سيدخل فيها الظهر، فينبغي عليه أن يصلي الظهر والعصر جمعا. أو أنه مثلا يعلم أنه سيخرج بعد العصر، فيصلي جمعا. فالمهم إذا احتاج المؤمن، ووجد حرجا شديدا في الصلاة، فإنه يجمع له أن يجمع. ولهذا تجد في مذهب الشافعي: رخصوا للمريض، رخصوا للمريض. ورخصوا أيضا لمن به مرض، إذا كان في مطر. وكذلك الحنابلة رخصوا للمريض، ورخصوا كذلك إذا كان هناك مطر. رخصوا ذلك في الليل، أن يجمع بين المغرب والعشاء. ولم يجد ذلك في الظهر أو العصر، قالوا: لأنها ليست هناك مشقة. لكن الصحيح أنه يجمع؛ لأن ابن عباس قال: «من غير خوف ولا مطر». فدل على أن المطر من أعذار الجمع. وأيضا كذلك من مسائل الجمع: أنه لا يجوز له أن يجمع من غير سبب، لا يجوز له أن يجمع من غير سبب، أو يترخص في أشياء يسيرة، يترخص في أشياء يسيرة. فإن هذا لا يجوز. وقد صح عن عمر، رضي الله عنه، أنه قال: «الجمع بين الصلاتين من غير عذر، كبيرة». الجمع بين الصلاتين من غير عذر، كبيرة من كبائر الذنوب. لا يجوز للمسلم أن يجمع من غير عذر، أو أنه يترخص في الجمع بغير سبب. ذاك الذي يجعله يجمع. فلهذا ينتبه النساء: أنه لا يجمع إلا إذا وجد الحرج، وجد الحرج في الصلاة. مثلا الآن بعض الأماكن في بعض المدن، مثلا ما يستطيع، خاصة إذا كان معه نساء، ما يستطيع أن يصلي في مكان. ما تستطيع المرأة أن تدخل مثلا عيادة، أو تدخل مستشفى، أو تدخل كذا، ليس هناك مكان معد للصلاة. تجد العيادة مثلا مليئة بالناس، ما يستطيع الإنسان أن يصلي، والمرأة تصلي في تلك العيادة، إلا إذا كان مثلا يخرجون الناس، ويبقى مثلا هذه العيادة فيها مكان يصلى فيها. وهنا يجب للمرأة أن تصلي، ولا تترخص. لكن إن لم يستطع الشخص، أو المرأة أن تصلي مثلا في ذلك المكان، يجوز أن تجمع إذا جاءت إلى منطقتها. وهنا فرق بين الجمع وبين القصر، لا يخلط الإنسان بين مسائل القصر ومسائل الجمع. القصر لا يجوز في البلد، لا يجوز الإنسان أن يقصر وهو في بلده. لكن يجمع له أن يجمع، يصلي الصلاة كاملة له ذلك. لكن يقصر وهو في بلده، لا، لا يجوز. لا بد أن يخرج من بلده، إذا خرج فإنه يقصر؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. فالقصر لا بد من الضرب، وهو السير في الأرض. فلا بد أن يخرج من بلده. وأما الجمع فيجوز كما قلنا في البلد لحاجة. ولهذا اختلف العلماء في صلاة الخوف: هل يجوز أن يصلي ويقصر في بلده؟ وبعضهم جعلها أنها صلاة خاصة بذاتها. وبعضهم جعلها لأنها صلاة مسافر. لكن أن النساء يترخص في القصر، فهذا ليس بصحيح. لكن الجمع يترخص لأجل حاجة، أو كذلك الضرورة، فهذا إن شاء الله شيء مما يذكر في مسائل الجمع. وهذا الحديث أيضا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع الظهر مع العصر، وأيضا يصلي الظهر. وجاء في حديث أنه يصلي إذا ارتحل قبل الظهر، صلى أخر الظهر، وصلى مع العصر. وقال أنس، رضي الله عنه: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، صلى الظهر في الحديبية أربعا، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين». صلى الظهر في المدينة أربعا، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين. إن شاء الله هذا ما يذكر، ونكتفي به. والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم.