الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التوحيد هو أعظم ما أمر الله به، ويتطلب عمل القلب واللسان والجوارح، وله مراتب مختلفة تبدأ بقول لا إله إلا الله وتنتهي برؤية الأمور كلها من الله.
يتطلب تحقيق توحيد لا إله إلا الله خلو القلب من المخالفة والإنكار، والاعتقاد والعمل والقبول والانقياد كلها شروط أساسية لتحقيق هذا التوحيد.
التوحيد يتطلب رؤية كل الأمور من الله وعدم الالتفات إلى الوسائط، وعبادة الله وحده دون غيره، وعدم اتباع الهوى الذي يصرف عن عبادة الله.
التوحيد هو حقيقة الإلتفات إلى الله عز وجل وقطع العلاقة مع غيره فيما يطلبه العبد، وهو المقام الذي أراده الله من العباد وهو مقام الصديقين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن أنفس العمال وأجلها قدرًا توحيد الله جل وعلا، فتوحيد الله سبحانه وتعالى من أعظم ما أمر به، أعظم ما أمر الله عز وجل به، كما قال شيخ الإسلام محمد العبد: هو توحيده سبحانه وتعالى. قال: غير أن التوحيد له قشران، الأول: أن تقول بلسانك لا إله إلا الله، ويسمى هذا القول توحيدًا، لكن هذا قد يصدر من المنافق، فلهذا يحتاج إلى أمر آخر. وهذا يبين أن التوحيد لا بد فيه من عمل القلب واللسان والجوارح. لا بد في التوحيد من قول، وهو قول كلمة التوحيد، وعمل، أي أن يعبد العبد ربه جل وعلا مخلصًا له الدين، وكذلك اعتقاد. لكن هنا المؤلف اكتفى بذكر اللسان على أنه قول وعمل. قالوا: القشر الثاني لا يكون في القلب مخالفة ولا إنكار لمفهوم هذا القول، بل يستمر القلب على اعتقاده ذلك والتصديق به. وهذا هو توحيد عامة الناس. وهذا يقول المؤلف رحمه الله: هذا هو التوحيد، لكن ليس هذا كماله. كماله مثل ما ذكر قبل: أن يرى الأمور كلها من الله. لكن مجرد أن يقول بلسانه لا إله إلا الله، ويعتقد بقلبه أنه لا معبود بحق إلا الله، يعتقد بقلبه. يقول هنا: أن لا يكون في القلب مخالفة ولا إنكار لمفهوم هذا القول، معنى: ليس هناك ما يخالف هذا القول لا في اعتقاده، ولا أيضًا في عمله، ولا في قوله. فإن كان هناك ما يناقض هذه الكلمة أو ينكر مفهوم هذه الكلمة، فإنها لا تنفعه، فيكون توحيده ناقصًا. فلهذا إذا كان يعتقد أن غير الله جل وعلا يستحق أن يعبد، أو يعتقد أنه يجوز أن تصرف العبادة لغير الله، فهذا مناقض لهذه الكلمة، لهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأهل مكة، وخاصة قال لأبي جهل ومن معه: قولوا ما أريد منكم إلا كلمة واحدة، قالوا: والله نعطيك عشرًا، ليس كلمة بل نعطيك عشرًا، قال: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجاب. قال: ويجتمع القلب على اعتقاده ذلك، اعتقاده لهذه الكلمة أن لا معبود بحق إلا الله، والتصديق به، وهو ما يكون من شروط لا إله إلا الله من الانقياد والقبول. التصديق يشمل هنا الانقياد، وهو الإذعان، ويشمل كذلك القبول. فإذا كان يعمل أو يعبد غير الله، حتى وإن كان لا يعتقد أن هذا يجوز، لكن مثلًا مجاراة للناس، فهو أيضًا يعتبر مشركًا. لماذا؟ لأنه لم يذعن لله. أن الإنسان يعبد القبر، يستغيث بالمقبورين، أن الإنسان مثلًا يعتقد في الله أنه هو الذي يجب أن يدعى، ووجد الناس يستغيثون بغير الله، فيقول لهم: هل ينفعكم هذا؟ يقولون: نعم، ينجينا وكذا، فيقول ويفعل مثلهم، فهذا أيضًا يعتبر مشركًا. فكل من فعل شيئًا من صرف العبادة لغير الله، فهو لم ينقاد لهذه الكلمة مقتضاها وشروطها. وكذلك كل من قبل أن يكون هناك إله غير الله، أو هناك من يعبد دون الله، فهو أيضًا مشرك، لا تنفعه هذه الكلمة لأنه ناقضها. قال: ولباب التوحيد أن يرى الأمور كلها من الله، ثم يقطع الالتفات إلى الوسائط التي تكون بينه وبين الله، معنى: يجعلها وسائط يدعوهم من دون الله، أو يعبدهم من دون الله، على أنها وسائط مثل ما قال كفار قريش أو غيرهم من الكفار: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال: وأن يعبده سبحانه عبادة يفرده بها، ولا يعبد غيره. ويخرج هذا التوحيد عن اتباع الهوى، فكل من اتبع هواه فقد اتخذ هواه معبودًا، قال الله تعالى: ﴿فَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. معنى: الآن يريد أي هوى يكون في غير عبادة، معنى: يصرفك عن عبادة الله إلى عبادة غيره، فهذا يعتبر شركًا وهوى، وأيضًا مناقضًا للتوحيد. وليس هنا الهوى المراد به ما يكون في المسائل العملية، وإنما المراد به ما يصرفك عن عبادة الله حتى يعبد غيره. قال: وميل النفس للمألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى. قال: ويخرج هذا التوحيد عن السخط على الخلق والالتفات إليهم، السخط على الخلق وعناء الغضب عليهم والالتفات إليهم، فإن من يرى الكل من الله كيف يسخط على غيره أو يؤمل سواه؟ فعنى: أنه لا ينبغي له أن يجعل نفسه معلقًا بغير الله، لا ذمًا ولا ثناءً، لا التفات من ناحية اللياذ بالخير، ولا من الشر. يعني: يجعل عياذه ولياذه بالله، والعياذ هو الالتجاء إلى الله عز وجل لدفع شره، واللياذ الالتجاء إليه سبحانه وتعالى لجلب خير. قال: وهذا التوحيد مقام الصديقين، وهو كما تقدم هو حقيقة التوحيد الذي أراده الله عز وجل من العباد، أن يلتفت العبد إلى ربه جل وعلا ويقطع العلاقة مع غيره فيما يطلبه، ويطلبه من الله جل وعلا.