شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 7

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 7

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم التوحيد وأنواعه

الدرس يشرح مفهوم التوحيد وأنواعه، ويبين موقف المشركين من توحيد الربوبية والإلهية. المشركون أقر بتوحيد الربوبية لكنهم أنكروا توحيد الإلهية والمحبة.

توحيد الربوبية عند المشركين وتأثير الشرك

المشركون كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية لكنهم كانوا يشركون في أفعال الله، ويعتقدون النفع والضر في غير الله، مما يجعلهم غير موحدين في الربوبية بالمعنى الصحيح.

التأثير المتبادل بين توحيد الربوبية والألوهية

توحيد الربوبية والألوهية متلازمان ولا يمكن الفصل بينهما، فمن يشرك في الألوهية لا يكون موحدا في الربوبية، والمشركون المعاصرون يعتقدون اعتقادات مشابهة لمشركي العرب القدماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، ففي الدرس الذي مضى ذكرنا ما ذكره الشيخ، أو الحافظ المقريزي رحمه الله، من أن التوحيد منهما هو أصل التوحيد، لكن أحيانا لا ينفع الإنسان وهو قول لا إله إلا الله إذا أتى بناقضها لا تنفعه، وإن كان أتى بكلمة التوحيد، لكن ناقض هذه الكلمة بفعله أو بقوله. فلهذا التوحيد الذي ينجو به العبد، وقد يكون أيضا ناجيا بذلك إذا لم يأت بما ينقض هذه الكلمة، لكن أعظم التوحيد أن يوكل أمره إلى الله جل وعلا، ولا يلتفت إلى غير الله جل وعلا، يكون تعلقه بالله، لا يتعلق بغير الله. ثم قال رحمه الله: ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقر بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السماوات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة، كما قد حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. قال: فلما سووا غيره به في هذا التوحيد كانوا مشركين، كما قال الله تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾، أن يسووا غيره به. وقال الله تعالى: ﴿وهم بربهم يعدلون﴾. فهذه العبارة وهذه الفقرة ذكر رحمه الله تعالى أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، والمراد به ليس كله، وإنما أنكروا بعض الأشياء، وإلا فهم مقرون بتوحيد الربوبية، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عليه. ولكن هم يعلمون أن هذه الآلهة التي يعبدونها لا تخلق ولا ترزق، ولا أيضا لها شيء من الأمر، وإنما الأمر لله جل وعلا، وهو الخالق الرازق. ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم. وقال الله عز وجل أيضا في: ﴿قل من يملك السمع والأبصار ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾. وكل هذه الأشياء كان يعترف بها المشركون، لكنهم يتقربون إلى آلهتهم وأصنامهم لأجل أن يقربوهم إلى الله، «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفة». فلهذا فهم لم ينكروا توحيد الربوبية، لم ينكروا أفعال الله جل وعلا، لكن وقعوا في شيء من الشرك فيها، أنهم لم ينكروا أفعال الله، فلهذا فهم مقرون. وخطأ أن يقول الإنسان: موحدون، يعني هم ليسوا أهل توحيد، يعني لا يقول الشخص أن المشركين وحدوا الله في الربوبية لا؛ لأنهم يشركون في الربوبية، فهم يعتقدون النفع والضر في غير الله، ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ضر ولا نفع. وكذلك ذكر الله عز وجل في أكثر من آية أنهم يدعون غيره سبحانه وتعالى، وهم يعتقدون فيه الضر والنفع. ولهذا قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: «قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء». فهذا نبي الله، فلهذا أراد ربنا جل وعلا أن يبين لهم أن الضر والنفع من الله سبحانه وتعالى، وأن هؤلاء أهل الشرك يعتقدون النفع والضر في غيره، فلهذا فهم مشركون في الربوبية، النفع والضر من أفعال الله، من ربوبية الله سبحانه وتعالى. فلهذا فخطأ أن يقول الإنسان أن المشركين موحدون في الربوبية، هذا خطأ، وإنما أقروا كما عبر بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وكذلك في عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية أن المشركين مقرون بالربوبية، فهم يقرون أن النفع من الله، وأن الضر من الله، لكن أيضا يعتقدون في غيره النفع والضر. مثل مشركي زماننا الآن، تجد كثيرا منهم من عباد القبور، ومن تعلق قلبه بالقبور، يعتقد أن النفع والضر من الله، لكن أيضا يعتقد أن هؤلاء أهل القبور أو ما يسمون بالأولياء مثلا ينفعون ويضرون، بل حتى يقولون: إن اعتقد أحدكم في حجر أنه ينفعه. فلهذا فهم يعتقدون في الأحجار والأشجار، وأيضا كذلك الأموات وغيرها من هذه الأموات يعتقدون فيهم الضر والنفع، وإن كان كثير منهم يعتقد أن هؤلاء استمدوا هذا الأمر من الله، لكن هذا ما ينفعه؛ لأن هذا الاعتقاد هو نفسه اعتقاد مشركي العرب. فكانوا ما يعتقدون أن نفع وضر الأصنام بذاتها، وإنما كانوا يعتقدون أنها من الله، وأنهم ما يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله»، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهم يعتقدون أنهم سيشفعون لهم، لكن أعطوهم حق الألوهية، بل وحق الربوبية. فلهذا فهؤلاء أهل الشرك هم مقرون بتوحيد الربوبية؛ لأن الذي يشرك في الألوهية فهو ليس موحدا في الربوبية، الذي يشرك في الألوهية ليس موحدا بالربوبية؛ لأن لازم الألوهية لازمه أن يكون موحدا في الربوبية، وإلا كان أو الذي معنى لازم الربوبية أن يكون موحدا في الألوهية، وإلا كان قد نقض أيضا الربوبية. فلهذا كما ذكرنا قبل أن توحيد الربوبية والألوهية متلازمان، وأيضا توحيد الربوبية أو توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، يتضمن توحيد الربوبية. فلهذا ما يصبح مثلا إنسان يوحد الله في ألوهيته ويشرك في ربوبيته، أو يشرك في ألوهيته ويوحد في ربوبيته، هذا خطأ. فلهذا عبر العلماء بالإقرار فقط أنهم مقرون بتوحيد الربوبية، وليسوا مؤمنين أو موحدين. وهنا الشيخ أيضا عبر بهذه العبارة أو مثلها، قال: ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السماوات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة. فهذا الذي أنكروه، وهذا الذي حصل فيه المخاصمة بين الرسل وأقوامهم. وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.