الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 53، ألقاها
يناقش المقطع دلالة صيغ الرواية مثل 'حدثنا' و'أخبرنا'، ويبين اختلاف العلماء في التفريق بينهما. يُظهر هذا الاختلاف في الدلالة على السماع المباشر أو غير المباشر.
استدل العلماء بالحديث على جواز مخالفة نية الإمام للمأموم في الصلاة، حيث صلى معاذ بن جبل بالناس نافلة بعد أن صلى الفريضة مع النبي. يُدلل على جواز اختلاف النية بين الإمام والمأموم.
يُناقش المقطع أهمية مراعاة الإمام لمشاعر المصلين وتأثير طول الصلاة عليهم، ويستدل بحديث معاذ بن جبل حين طول في الصلاة. يُشدد على ضرورة اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة أثناء الصلاة.
المقطع يبين أهمية الالتزام بصفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما وردت في الأحاديث، مع مراعاة المصلحة وتقدير الإمام للظروف. يُشدد على أهمية اتباع السنة في الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مغب بن هاد الوالي، رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وإسماعيل بن إبراهيم هو الذي قال له ابن علي، إمام من أئمة أهل البصرة، وقد فضله أكثر أهل العلم على أقرانه من أهل البصرة، حتى إن كثيرًا من أهل العلم، كأحمد وابن معين، يفضلونه حتى على حماد بن زيد. وكان أهل الكوفة يقولون لأهل البصرة: هاتوا حفاظكم، ونأتي بحفاظنا، وجنبوا إسماعيل بن إبراهيم، أي أنه ليس هناك من حفاظنا من يقارنه لشدة حفظه، رحمه الله تعالى، إنه كان حافظًا كبيرًا. وكان يقال له: إسماعيل بن علي، وكان يكره هذا الاسم، قيل: إن عليًا اسم أمه. وكان الإمام الشافعي، رحمه الله، إذا روى عنه، يقول: حدثنا إسماعيل الذي قال له ابن علي. قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وأبناء إسماعيل ثلاثة، أحدهم وهو الكبير إبراهيم، وهو جهمي، إبراهيم بن إسماعيل بن علي، صاحب عبد الرحمن بن كيسان الأصم، وهو جهمي معتزلي. وأبوه كان إمامًا من أئمة السنة، لكنه فارق أباه، وفارق مذهب أبيه إلى مذهب جهم، وتأثر بعبد الرحمن بن كيسان الأصم. وهذا يدل على أن الدراسة عند أهل البدع مؤثرة، وأن الرجل مهما كان على السنة أو في الخير، لا ينبغي له أن يذهب إلى أهل البدع يدرس عندهم، ولو كان يدرس علمًا نافعًا، يدرس عند أهل السنة، خير له. فكثير ممن كان على السنة، ذهب يدرس عند بعض أهل البدع بعض العلوم، كالنحو أو الأصول، فرجع بعد ذلك وتأثر بهم. فهذا رجل أهله كلهم على السنة، ودرس عند كيسان، كأنه يريد علم الكلام، فضل الله عليه بالعلم، فذهب وصار معتزليًا، بل من أئمة المعتزلة الجهمية الذين ينفون الأسماء والصفات. وأما ابناؤه الآخران، فهما على السنة وعلى الحديث، وكلاهما من مشايخ النسائي، وأحدهما أيضًا وهو محمد، من مشايخ الإمام مسلم، كذلك. قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، وهو أيضًا بصري، رحمه الله، وكان من حفاظ أهل البصرة، ممن روى عن أنس. وقال مرة: أخبرنا عبد العزيز بن صهيب. وهذا كأنه على التفريق، وقد مشى بعض أهل البصرة على التفريق بين «حدثنا» و«أخبرنا». وأما أهل المدينة وأهل الحجاز، جميعًا، ما كانوا يفرقون بينهما، بل استقر أمر أهل البصرة أيضًا في عدم التفريق. وأما المتأخرون، ففرقوا، كما ذكر ذلك عبد الله بن المبارك، رحمه الله، فكانوا يجعلون «حدثنا» في السماع والتحديد، و«أخبرنا» في العرض، عندما يعرض المحدث حديثه على شيخ، فيقول: أخبرنا. لكن غالب أهل المدينة والحجاز، ما يفرقون بينهما، فيقولون: حدثنا، لأن أكثر سماع أهل المدينة والحجاز، كلهم أكثر سماعهم بالعرض، يعرضون على الشيخ ما يحبون الإملاء أو السماع أو الإملاء، وإنما يعرضون ما كان معهم من أجزاء على الشيخ، وهو يستمع إليهم ويؤيد ويصدقهم أو يسكت، كما كان يفعل عند مالك، رحمه الله، كذلك كان يفعل الزهري وغيره، هذه كانت طريقة أهل المدينة. وأما أهل العراق، غالبًا، فهم يحبون السماع، فيكونوا على طريقة السماعيات، ويحدث بنفسه بالحديد، وطلب إما أنهم يستمعون أو بعضهم يكتب. فكانوا ما يفرقون بين الصيغ، إلا كما قلنا: أهل العراق كان بعضهم يفرق بين الصيغ، فيقول: حدثنا في السماع، وأخبرنا في العرض. بل بعد ذلك، بعضهم في الكوفة يقول: أخبرنا، حتى في العرض والمناولة. بل جاء بعض المتأخرين، جعل «أخبرنا» حتى بالإجازة. وأما عند المتقدمين، فهي قليلة أن يطلقوا «أخبرنا» عن الإجازة. وأكثر من فعل ذلك أبو نعيم، أو أقصد: أبو اليمان الحاكم ابن نافع، أبو اليمان شيخ الإمام البخاري، فإنه فعل هذا، فكان أخذ من شعيب بن أبي حمزة، أخذ منه حديثًا، منها ما أخذه سماعًا، ومنها ما أخذه إجازة، ومنها ما أخذه مناولة، فكان يقول في كلها: أخبرنا. وذكر أنه - أي أبو اليمان - ذكر أنه أخبر، وعرض ذلك على الإمام أحمد، فقال له: أحسنت. وجاء عن الأثرم وغيره، أنهم نقلوا عن الإمام أحمد، أنه أنكر هذا عن أبي اليمان. أنا كنت أقول: الإمام أحمد، رحمه الله، الأولى أن يأتي بالصيغة التي جاء بها المحدث، أو بالحق، أنا يأتي، يقول مثلًا: ما سمعه، يقول: حدثنا، وما لم يسمعه، وهو إجازة، إما يقول: أجاز لي، وهو أفضل، أو يقول مثلًا: أنبأنا، على ما قاله بعض العلماء، أنهم يجعلون «أنبأنا» في المناولة والإجازة. وهذا كان في زمن الرواية، أما ما جاء بعد زمن الرواية، فاختلطت الأمور، فكان كثير منهم يقول: أخبرنا، حتى في الوجادة، يقول: أخبرنا وجادة، أحيانًا بدون إجازة، بل حتى في الإجازة العامة والإجازات الخاطئة، يقولون: أخبرنا. لكن بعد زمن الرواية، الاعتماد ليس على السماع، أكثر اعتمادهم على النسخ، أكثر اعتماد الناس على النسخ. وأما السماع، فكان في زمن الرواية أكثر الاعتماد عليه، أكثر من اعتمادهم على النسخ. فلم يؤثر هذا الخلط في صيغ التحديد، فلهذا بعض العلماء كان يحاول أن يأتي بالصيغة التي جاء بها المحدث، مثل ما يفعل الإمام مسلم، رحمه الله، فتجد أنه يفرق بين «حدثنا» و«أخبرنا». والبخاري أحيانًا يفعل ذلك، وأيضًا الإمام محمد، كثيرًا ما يفرق بين من يقول: حدثنا، ومن يقول: أخبرنا، مثل ما فعل هنا. وأما بقية الأئمة، فقليل من يفرق بين «حدثنا» و«أخبرنا». وبعض أهل العراق، أو أهل المشرق، أبسط أهل المشرق، تجد أنه يلزم «أخبرنا»، دائمًا يقول: أخبرنا، في أسانيده. وأيضًا غالبًا لإمام النسائي، رحمه الله، غالبًا من يقول: أخبرنا. والمذهب المشهور، وهو الذي عليه أكثر الأئمة، أنه لا سوى بين «حدثنا» و«أخبرنا». قال: حدثنا، وقال مرة: أخبرنا، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، وهو أبو حمزة الأنصاري الخزرجي. قال: كان معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام - وهو يريد أن يسقي نخله - فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذًا طول، تجوز في الصلاة، ولحق بنخله يسقيه. فلما قضى معاذ الصلاة، قيل له: إن حرامًا دخل المسجد، فلما رأىك طولت، تجوز في صلاتك، ولحق بنخله يسقيه. قال: إنه لمنافق، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟ قال: فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم - أي أخبر حرام أن معاذًا قال هذا الكلام - قال: فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعاذ عنده، والأنصار يسمون حرامًا بالراء، وأهل مكة يسمون حجامًا بالزاي. أنا إذا رأيت هذا الاسم، فإن كان من أهل مكة، فهو بالزاي، حكيم الحجام. وأما إذا كان من الأنصار، فهو حرام، ما يسمون حجام الأنصار، وأهل مكة أيضًا ما يسمون حرام، يسمون حجام. قال: فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعاذ عنده، فقال: يا نبي الله، إني أردت أن أسقي نخلا لي، فدخلت المسجد ليصلي مع القوم، فلما طولت، تجوزت في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق. فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على معاذ، فقال: فتان أنت، لا تطول به، اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوها. ما قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. والحديث أخرجه النسائي في التفسير، أي من سننه الكبرى، فقال: أخبرنا عمر بن زرارة، أخبرنا إسماعيل به. وهنا نقله الشيخ، نقله من التحفة، لأن النسائي في السنن الكبرى، ما كانت موجودة في زمن الشيخ، رحمه الله. طيب، هذا الحديث فيه بعض الفوائد، وإن كان هذا الحديث صحيحًا، لكن ليس عن أنس، وكذلك فيه زيادات ليست موجودة في الصحيح. وجاء العد من الصحابة، رضي الله عنه، في الصحيح، وهنا في هذا الحديث، أول مسألة: استدل بها العلماء على جواز مخالفة النية. ومعاذ كان يؤم قومه، بعد أن يأتي ويصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي أنه يأمهم وقد صلى الفريضة، فيجوز أن يكون الإمام مخالفًا لنية المأموم في الفرض والنفل. وهذا مذهب جمهور العلماء، على أنه يجوز أن يخالف الإمام، يكون مثلًا مفترضًا، والمأموم يكون متنفلًا. وإن كان هذا المشهور عند الحنابلة، وأيضًا مذهب الشافعي، أنه لا يصح، لكن الصحيح أنه صحيح، لهذه الدلالة. هم يرون أنه إذا كان الإمام نفلًا، والمأموم فرضًا، يجوز، أما إذا كان العكس، يقولون: لا، لكن الصحيح: كله يجوز، وقد جاءت المخالفة. وأما حديث: «لا تختلفوا على إمامكم»، إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فالمراد به في الأركان، في الأفعال التي يعقدها، لا يتقدم عليه، وإنما يكون متابعًا، وهذا الذي دل عليه الحديث. فقال، حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر، فكبروا، وإذا ركع، فاركعوا، وإذا سجد، فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون. فهذا يدل على أن هذا الحديث في متابعة الإمام في أفعاله، وليس المراد في النية، فلهذا جاءت الأحاديث بجواز صلاة المتنفل خلف المفترضين، وأيضًا كذلك جواز صلاة المفترض خلف المتنفلين. ومن ذلك هذا الحديث: معاذ كان متنفلًا، فصلى بالمفترضين. كذلك حديث أبي سعيد الخدري، الذي رواه الإمام أبو داود، عندما صلى، فدخل رجل في صلاة الفجر، بعد صلاة الفجر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من يصلي مع هذا؟» فهذا أيضًا يدل على جواز الأمر، سواء كان هو إمامًا أو مأمومًا. وأيضًا حديث أبي ذر في صلاة، بل جماعة من الصحابة، فالصلاة مع الأئمة الذين يؤخرون الصلاة. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صلوا الصلاة لوقتها، ثم صلوا معهم، فهي لكم نافلة». صلوا الصلاة معهم، أو صلوا الصلاة لوقتها، ثم صلوا معهم، فهي لكم نافلة، فهو متنفل، أو متنفل، وهو مفترضون، هذا كله يدل على جواز الأمرين، سواء كان الإمام مفترضًا أو هو المأموم متنفلًا، أو العكس. وهذا الحديث أيضًا يدل عليه، وأن اختلاف النية، ليس له دخل في حديث: «لا تختلفوا عليه». فهذا الحديث أيضًا: معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يصلي بقومه، فدخل هذا الرجل - وهو حرام - وهو يريد أن يسقي نخله. وجاء في الصحيحين، وخاصة في البخاري، أنه أراد أن يعطي علفًا لناضحه، يعطي علفًا لناضحه، أن يعطي الخيل، يعطيها طعامها، لأنه جاء وقتها. ولما دخل مع معاذ، أقرأ في الصلاة، قال: وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم. وهذا الاختلاف، والقصة واحدة، أحيانًا يكون بعض الصحابة، مثلًا: يحكي على ما فهمه من القصة، وعلى ما وصل إليه من القصة، فيحكي على ما وصل إليه. وذلك أيضًا: الصحابة يحكون على ما وصل إليه، وما بلغه من هذه القصة، أو ما شاهده، وما سمع به، هذه القصة، فلهذا تجد أحيانًا هذا الاختلاف في الروايات. وقد أجمع العلماء، علماء الحديث وغيرهم، أن هذا لا يعل الحديث، ولا أيضًا إلا إذا كان فيه حكم، إلا إذا كان فيه حكم، والحديث جاء بلفظ، وليس بحكاية، فهذا هنا يرجحونه. وإلا إذا كانت الأمر في حكاية، فكله صحيح، وقد يكون يحمل ذلك على ما ذكرنا، على أن كل صحابي ذكر ما سمعه أو شاهده في هذه الحادثة. فقال: فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذًا طول، تجوز في صلاته، ولحق بنخله يسقيه. وهنا إذا كان لحق بنخله يسقيه، سيكون صلاة غير صلاة العشاء، والذي جاء في الصحيح، أنه صلاة العشاء. وأيضًا كما قلنا: جاء في الصحيح، أنه أراد أن يعطي علفًا لناضحه، وهو أقرب، إذا كان في صلاة العشاء، أو أنه يحمل كما ذكر الحافظ، على أن الأمر حصل أكثر من مرة. قال: فلما قضى معاذ الصلاة، قيل له: إن حرامًا دخل المسجد، فلما رأىك طولت، تجوز في صلاتك، ولحق بنخله يسقيه. وهذا ليس من باب الإفساد، هذا الإخبار، ليس من باب النميمة، ولا شيء، وإنما أراد أن يأتي معاذ، حكمًا في هذه المسألة، أو هل فعل حرام صحيح، أو ليس بصحيح، مثل ما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم - أقصد: ابن مسعود - نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما تكلم عليه ذاك الرجل. فهذا لأجل المصلحة. قال: ولحق بنخله يسقيه، قال: «إنه لمنافق»، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟ وهذا قاله معاذ، رضي الله عنه، إنما لما تقرر عند الصحابة، أن الرجل ما يتهاون في الصلاة، إلا وفيه شيء من النفاق، وفيه شيء من النفاق. وأراد هنا النفاق العملي، ليس النفاق الاعتقادي، فيحمل على هذا، أو أنه كما قلنا: لأنه رجل منفرد في الصلاة، ولا يفرد في الصلاة رجل على السنة، وعلى الخير، كذلك. فلهذا اعتقد معاذ بهذا، وهذا من باب التأويل، فيعذر الشخص لأجل هذا، مثل ما قال عمر في حاطب بن أبي بلتعة: «دعني أضرب عنق هذا المنافق»، يا رسول الله، فهذا لما تقرر عنده، أن مثل هذه الأمور قد تكون نفاقًا. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: «ما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». فلهذا كما قلنا: معاذ قال لهذا، لأجل ما تقرر عنده، رضي الله عنه. فلما جاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبره بذلك، أنكر على معاذ، أنكر على معاذ. قال: «فتان أنت يا معاذ». وفيه أنه يجوز للعالم أن يستد على بعض أصحابه، وهو يعلم منه أنه لا يتأثر بذلك، ولأجل أن يكون عبرة لغيره، أن يكون عبرة لغيره، فيستد عليه بالكلاب. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغضب من ذلك، حتى جاء في الصحيحين، في حديث أبي مسعود، أنه لما قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لا أتأخر في صلاة الفجر، من أجل فلان»، إني لا أتأخر في صلاة الفجر، من أجل فلان. فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «أتى غضبًا غضبًا لم يغضب مثله»، أو قال: «ما رأيته غضب مثله»، فقال: «إن منكم منفرين». فلهذا فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضب على معاذ، فقال: «فتان أنت يا معاذ»، «فتان أنت»، «لا تطول بهم». وفيه أن الإنسان ينظر ويراعي من خلفه من المصلين، فلا ينبغي أن يطول على من لا يتحملون التطويل. والأفضل للإنسان أن يصلي مثل صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا إن كان مثلًا هناك شيء من التطويل في بعض الصلوات، مثل الفجر وغيرها، فيراعي المأمومين، ولا يطول عليهم كثيرًا. فمثلًا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يقرأ من الستين إلى مئة آية في صلاة الفجر، فإذا قرأ مثل هذا كل يوم، سيطول على الناس ويشق عليهم، لكن يحاول أنه أحيانًا يفعل ذلك، يفعل هذه السنة أحيانًا، ويحاول غالبًا أن يكون أو أن لا يشق عليهم. ويأخذ من السنة الأخرى، مثلًا على سبيل المثال: نبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان يقرأ هكذا، ويقرأ من طوال المفصل، يقرأ من طوال المفصل، وما بعدها إلى عمه، فيختار من هذه السور التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا يقرأ بها في صلاة الفجر. وأحيانًا يأخذ مثلًا من السور الأخرى، يقرأ ما تيسر له، وإنشاء قرأ أحيانًا مثل ما قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مثلًا: يقرأ الصافات، يقرأ غيرها من السور، يقرأ في الركعتين على حسب تحمل الناس. فينبغي على الإمام أنه يأخذ السنة، وكذلك يراعي الناس، يأخذ السنة ويراعي الناس. وأيضًا الآن تجد بعض الأئمة، أكثر ما يقرأون، يقرأون مثلًا بعض الآيات من السور، يقرأ مثلًا بعض آيات من هذه السورة، بعض آيات من هذه السورة. وهذا لم يكن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما كان فعله عليه الصلاة والسلام، أنه كان يقرأ السورة ويكملها، إما في الركعة الثانية، أو يقرأ بسورة في الركعة الأولى، ويقرأ بسورة في الركعة الثانية. لكن من فعل هذا أحيانًا ما في شيء، لكن لا يجعله دائمًا، ويلتزم بالسنة أفضل، مثلًا. نعم، صلاة العشاء، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قرأ بغير أواسط المفصل، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قرأ بغير أواسط المفصل، بل قال لمعاذ: «اقرأ باسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها»، ونحوها من السور، ويقرأ «والليل إذا يغشى»، وغيرها من هذه السور التي أرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذًا يقرأ بها في صلاة العشاء. وأيضًا ثبت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام، أنه يقرأها في صلاة العشاء، لكن إذا مررت مثلًا بكثير مساجد الآن، تجد غالبًا في صلاة العشاء، ما يقرأون هذه السور، غالبًا يقرأون بعض الآيات من هذه السورة، وكما قلنا: أن هذا ليس فيه مانع، لكن ليس على السنة، وخاصة المداومة على هذا، وإنما السنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في حديث سليمان بن يسار، عن نبي المراد، أنه كان في صلاة المغرب يقصر، وفي صلاة العشاء يقرأ بواسع مفصل. وكذلك في صلاة الفجر يقرأ بطوال مفصل، وأما الظهر، فكان يقرأ بالشمس وضحاها، ونحوها، والعصر بنصف من ذلك. فهذه كانت صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في حديث أبي هريرة، وكذلك تدل عليها الأدلة المتكاثرة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلهذا فالالتزام بالسنة أفضل، وأحيانًا يراعي الناس، إذا كان هذا سيشق على الناس، ولو كان فيه شيء من الالتزام بالسنة، يحاول يخفف أحيانًا، ويطول أحيانًا بحسب المصلحة، ويكون الإمام فقيهًا في ذلك. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، وهناك فوائد أخرى، لكن نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.