الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 15، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستعرض الشرح أحاديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما في جواز القبلة والمباشرة للصائم مع أمن الفتنة، ويوضح الفرق بين المباشرة العامة والقبلة الخاصة. كما ينقل قول عائشة: يحرم عليه فرجها، مع أقوال العلماء في تفسير الإربة وحكم من أمنى بالنظر.
يستعرض المقطع استدلال الإمام البخاري من تراجمه وأحاديثه المعلقة على جواز مباشرة الصائم وتقبيله لزوجته، مبيناً أقوال العلماء بين المنع المطلق والكراهة والتفريق بين الشاب والشيخ. ويرجح القول بالجواز المطلق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما في حديث عائشة رضي الله عنها.
يبين المقطع جواز التقبيل والمباشرة للصائم اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويناقش حكم من أنزل المني هل يفطر أم لا. حيث ذهب الجمهور إلى الفطر والقضاء، بينما رأى ابن حزم والشيخ مقبل الوادعي عدم الفطر، مستدلاً بحديث عمر بن أبي سلمة على أن ذلك ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
يوضح المقطع أن عدم ذكر عائشة رضي الله عنها أنها تملك نفسها لا يُعد حجة للتفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملكها. والصحيح جواز المباشرة والتقبيل للصائم مع ضرورة الاعتدال وعدم الإفراط.
موقع دار الحديث بالفيوم يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. قال: باب المباشرة للصائم. وقالت عائشة رضي الله عنها: يحرم عليه فرجها. حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه. قال: قال ابن عباس: مآرب: حاجة. وقال طاووس: غير أولي الإربة لا حاجة له في النساء. وقال جابر بن زيد: إن نظر فأمنى يتم صومه. وقال أيضا رحمه الله: باب القبلة للصائم. قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا عبد الله بن المسلم، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت. وقال أيضا: حدثنا المسدد، قال: حدثنا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها رضي الله عنها قالت: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حاضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: ما لكِ؟ أنِفِسْتِ؟ قلت: نعم. فدخلت معه في الخميلة، وكانت هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسلان من إناء واحد، وكان يقبلها وهي صائم. هذا الباب الأول، والذي بعده شيء ثانٍ: المباشرة. ما معنى المباشرة والقبلة؟ القبلة معروفة، ومباشرة من التقاء البشرة بمعنى الجسم، ومعنى الضم هذا معنى المباشرة. القبلة من جملة المباشرة، فالمباشرة عام والقبلة خاص. فبَوَّب الإمام البخاري رحمه الله بباب المباشرة للصائم، وبوَّب أيضا بعد ذلك بباب القبلة للصائم. فالمباشرة ما أخذ من التقاء البشرة فهي تشمل التقبيل، وتشمل الضم، وتشمل الجس وغيره ونحو ذلك. فما حكم المباشرة؟ ذكر أنه صنف رحمه الله معلقا، وقالت عائشة ربي الله عنها: يحرم عليه فرجها. ومعلوم أن فقه الإمام البخاري يؤخذ من تراجمه، فقه الإمام البخاري رحمه الله يؤخذ كما ذكر العلماء من تراجمه، أي من التراجم التي يودعها في صحيحه، فتعرف مذهب البخاري أو ما هو مذهب البخاري من خلال التراجم، ومن خلال الآثار التي يذكرها في صدر الترجمة. فالإمام البخاري يذهب من خلال ما يظهر من هذه الترجمة، وما أورد من حديث معلق وحديث مرسول، يظهر أنه ممن يرخص في المباشرة، ومباشرة الصائم لمراته أو جاريته وتقبيلها. فيه مذاهب: منهم من ذهب إلى المنع مطلقا، لا يجوز للصائم أن يباشر، لا يباشر ولا يقبل، ولا يجوز بيده ولا لشيء من ذلك، واستدلوا بالآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قالوا: فالآن باشروهم أي بعد غروب الشمس، فالمباشرة جائزة في الليل، فهذا يدل على أن المباشرة غير جائزة في النهار، لأن الله أباح ما كان ممنوعا في الليل، أباح في الليل ما كان ممنوعا في النهار. ويرد على ذلك: بأن عائشة رضي الله عنها بينت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم. فإذا ما هو المراد بالمباشرة في الآية؟ المراد بالمباشرة في الآية: الجماع. المراد بالمباشرة في الآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي جامعهم، يعني إذا أردتم ذلك، مأخوذ من التقاء البشرة والبشرة. ومنهم من ذهب إلى أن المباشرة مكروهة والتقبيل مكروه للصائم. ومنهم من فرق بين الشاب والشيخ الكبير، فرخصوا ذلك للشيخ الكبير ولم يرخصوا للشاب، وروي في ذلك حديثان ضعيفان عن النبي صلى الله عليه وسلم في التفريق بين الشاب والشيخ. ومنهم من فرق فأجازه لمن يملك نفسه، ومنعه لمن لا يملك نفسه، بعض الناس يكون مالكا لنفسه وبعضهم لا يملك نفسه، لعله لو قبل يذهب ينزل وهو لا يشعر، أو يتمادى فيجامعه، غير ذلك. ومنهم من رخص مطلقا في المباشرة والقبلة للصائم بدون تفصيل، وهذا هو الراجح لأنه فعله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، حديث عائشة قالت: يحرم عليه فرجها يعني الجماع، والحديث الثاني الموصول: كان يقبل ويباشر وهو صائم. والله سبحانه وتعالى جعل نبيه صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة والقدوة، فهذا يدل على أنه جائز. وقوله: وكان أملككم لإربه، رواية بفتح الهمزة لإربه بمعنى حاجته، ورواية بكسرها لإربه بمعنى عضوه وهو ذكر، والذي عليه الأكثر من أهل العلم هنا أنه بالكسر لإربه أي لحاجته، وممن قال أي لعضوه يعني أنه لا يتمادى يملك نفسه. وهذه الترجمة الثانية التي فيها باب القبلة للصائم، فذكر حديث عائشة: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت. أشارت بهذا الضحك إلى أنها هي التي كانت تقبل، أشار بهذا الضحك إلى أنها هي التي كانت تقبل. فالحاصل أنه لا بأس للصائم أن يباشر بمعنى يضم ويمس أو ينظر أو يقبل، هذا لا بأس به للصائم. وإذا أنزل ما الحكم؟ إذا أنزل نقل بعض العلماء الإجماع على أنه لو أنزل أنه يفطر بهذا الإنزال وعليه القضاء، والواقع أن المسألة فيها شيء من الخلاف، خالف ابن حزم وبعض أهل العلم فقالوا لا يفطر، وهذا اختيار شيخنا مقبل رحمه الله أنه لا يفطر بذلك، وهذا الأقرب الراجح: أنه لا بأس بالمباشرة وتقبيل للصائم لكونه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. إذا قال قائل: هذه خصوصية للنبي عليه الصلاة والسلام، إذا قال قائل: هذه خصوصية، فما الجواب؟ الجواب: أنه روى الإمام النسائي من حديث عمر بن أبي سلمة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما حكم تقبيل الصائم؟ سأله: هل يقبل الصائم؟ فقال له: سل هذه، إشارة إلى أمه، فقالت: النبي صلى الله عليه وسلم يقبل. فقال عمر بن أبي سلمة، الذي هو ربيب النبي عليه الصلاة والسلام: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم. لا، هذا يدل على أن هذا ليس من خصوصية، بل فعله النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا بأس به، فلا بأس. إذا قال قائل: عائشة تقول: كان أملككم لإربه، هذا يدل على أنها كانت تفرق بين من يملك نفسه ومن لا يملك نفسه. فأجاب العلماء: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك نفسه، فهل عائشة رضي الله عنها أيضا تملك نفسها؟ فهذا لا حجة فيه للتفريق، لأنه إذا كان عليه الصلاة والسلام يملك نفسه، فعائشة كانت امرأة شابة ولم تذكر عن نفسها أنها كذلك تملك نفسها. فالصحيح أنه لا بأس، لكن على الإنسان أن ينتبه ولا يتمادى. وفق الله الجميع لتقرب إلى الله، والحمد لله شكرا.