الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 37، ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يشفع له يوم القيامة، وأخبر أنس بن مالك بمكان وجوده في ذلك اليوم. الحديث يصف المواطن الثلاث التي يمكن أن يجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
النبي صلى الله عليه وسلم يكون على الصراط يوم القيامة، والصراط جسر فوق جهنم فيه ظلمة شديدة. يمر الناس عليه حسب أعمالهم الصالحة، ويشرف النبي على الناس أثناء مرورهم.
يمر الناس على الصراط، وتوزن أعمالهم في الميزان، ثم يذهبون إلى الحوض حيث يشرب المؤمنون. النبي صلى الله عليه وسلم يكون موجودًا في هذه المواطن الثلاث: الصراط والميزان والحوض.
يشرح ترتيب بعض أهوال يوم القيامة، حيث يأتي الصراط بعد الحساب ثم يليه الميزان والحوض. هذا الترتيب جزء من المعلومات التي يجب ذكرها في سياق الحديث عن يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال شيخنا -قبل من هذه الوالي- رحمه الله: قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن الصباح الهاجم العطار، قال: أخبرنا بذل بن المحبر، وبذل بن المحبر ليس هو من أولاد المحبر بن قحذم، فالمحبر بن قحذم له أولاد كلهم ضعفاء، وهو المحبر أيضًا ضعيف، بل إنه اتهموا بالكذب، خاصة داود بن المحبر الذي وضع أحاديث العقل، تسمعون بأحاديث العقل، أحاديث مجموعة وضعها داود بن المحبر، ثم تناقلت، تناقلها كثير من الوضاعين والكذابين، وقد رواه بعض الخلفاء في بعض كتبهم، ومنهم الحارث بن نبي أسامة رحمه الله في كتابه المسند، مسند الحارث بن نبي أسامة، فذكر أحاديث العقل كلها عن داود بن المحبر، وكلها كذب. وأما بذل بن المحبر فهو مصري ليس منهم، فهو ثقة، وقد أخرج له البخاري. قال: أخبرنا حرب بن ميمون الأنصاري أبو الخطاب، وهو ثقة كذلك، قال: أخبرنا نظر بن أنس بن مالك عن نبيه، والنظر أيضًا ثقة من أولاد أنس بن مالك الصحابي الجليل، عن نبيه أنس بن مالك، قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل. قلت: يا رسول الله، فأين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن. قال الشيخ: هذا حديث، أو قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لم يرو هذا الحديث بهذا السياق إلا حرب بن ميمون عن النظر بن أنس عن نبيه، وكل من روى هذا الحديث رواه من طريق حرب بن ميمون، فقد رواه الإمام أحمد أيضًا عن يونس بن محمد المؤدب عن حرب بن ميمون، وعن غيره كذلك. فهذا الحديث فيه أن أنسًا رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فأنا سألته السؤال أنه يدعو الله عز وجل أو أنه يتوسط له يوم القيامة بالشفاعة، فقال: أنا فاعل. وهذا يدل على شرف أنس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا قد يكون هذا مما أوحى الله عز وجل إليه بهذه الشفاعة. قلت: يا رسول الله، فأين أطلبك حتى تشفع لي يوم القيامة، فأي مكان أجدك؟ فقال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء يقفون عند الصراط ويقولون: اللهم سلم سلم، دعوتهم اللهم سلم سلم، أنه إذا وقفوا عند الصراط يدعون بهذا الدعاء: اللهم سلم سلم. وهذا يدلنا على أن الصراط قبل الميزان، فالصراط قبل أو بعد الحساب؟ إذا حشر الناس يوم القيامة وخرجوا من الموقف فإنهم يتوجهون إلى الصراط، يتوجهون إلى الصراط، والصراط هو جسر منصوب على جهنم، وجسر فيه ظلمة شديدة ليس فيها شيء من النور، فهذا الجسر مضروب على الصراط أو مضروب على النار، أنه فوق شفير جهنم هذا الصراط. فمعنى ذلك أن من وقع من الصراط سيقع في جهنم، وعياذ بالله، فلهذا أيضًا هذا الصراط في مكان فيه ظلمة، ليس هناك ما ينور وما يضيء في ذلك المكان إلا الأعمال الصالحة، يوم يقول المنافقون: ﴿نَظِرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، قيل: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾، لا يحتاجون إلى نور، لكن لا يجدونه، المنافقون يطلبون من أهل الإيمان أن يعطونهم نورًا لأنهم معهم نور، هذا النور الذي ينور لهم الطريق فيمرون في الجسر على حسب أعمالهم، فمنهم من يمر كلمحة البصر، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم كذلك كالريح المرسلة، فكلهم يدخلون في هذا الجسر بحسب عملهم، ولهذا فهم يكونون ثلاث طوائف: منهم مسلم ناج، كما جاء في حديث أبي سعيد، مسلم ناج، ومسلم مخدوش، ومكردس منكوس في نار جهنم، والعياذ بالله. إما أنه يسلم ويخرج من هذا الصراط ولا يصيبه شيء من خدش، لأن هذا الصراط عليه كلاليب، فالذي يتأخر تصيبه هذه الكلاليب تخدشه، والذي يمر بسرعة لا تمسه هذه الكلاليب، وهذا حكم من الله جل وعلا يجعل الناس بخدر أعمالهم، فمن كانت أعماله صالحة وأيضًا أعمال رضي الله عز وجل عنها فيمر ولا يصيبه شيء. فقال: مسلم ناج ينجو، وأيضًا يسلم من الخدش، وناج مخدوش ناج ينجو لكنه مع الخدش، وهذا الخدش يختلف باختلاف أيضًا كذلك أعمال بني آدم. وأما الثالث: إنه يسقط في نار جهنم، والعياذ بالله، فلهذا فالناس على ذلك الجسر بحسب أعمالهم. فقال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، معنى بعدما ينتهي الحساب يذهب الناس إلى الصراط لأجل أن يمروا على جهنم ويذهبوا إلى الجنة، فهذا يدل على أن كثيرًا من الناس يمرون الصراط يتجاوزون هذا الشيء، ثم يأتون إلى الميزان فيوزن الله عز وجل أعمالهم. وهذا الميزان على الصحيح من أقوال العلماء أنه يوزن الأعمال، ويوزن معنى الأعمال، أقصد الحسنات والسيئات، ويوزن أيضًا كذلك الصحائف، ويوزن كذلك أيضًا العاملون، أن العامل أيضًا يوزن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في رجلي أبي سعيد: «لهما أثقل عند الله أو أثقل في الميزان من جبل أحد». وجاء في الصحيح البخاري: «يؤتى بالرجل الكافر السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة»، يؤتى بالرجل الكافر السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة، فدل على أن هذا الميزان يوزن السيئات والحسنات، وكذلك يوزن الأعمال الموزونة، وكذلك أيضًا الصحائف والعاملون أيضًا كذلك. ثم من بعد ذلك يذهبون إلى الحوض، فإذا وزنت حسنات سيئاتهم ذهبوا إلى الحوض، فشرب منهم من كان متبعًا، ومن كان ممتثلًا، وأيضًا ترك دين الله جل وعلا فإنه يوق عن هذا الحوض ويبعد عن هذا الحوض. فما جاء بذلك الأحاديث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اطلبني عند الميزان»، قال: «فإن لم أجدك»، قال: «اطلبني عند الحوض»، فإني لا أخطئ هذه ثلاث المواطن، أنا يكون نبي صلى الله عليه وسلم في هذه الثلاث المواطن: عند الصراط، وعند الميزان، وكذلك عند الحوض. فهذا يدل على كما قلنا على ترتيب هذه الأشياء، فأولًا الصراط، ثم الميزان، ثم الحوض، ويكون الصراط بعد الحساب، يكون الصراط بعد الحساب. فهذا إن شاء الله تعالى شيء مما يذكر بهذا الباب، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.