المحاضرة بعنوان مجلس علمي في التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية، مجلس علمي والذي كان بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة بالشحر يوم الخميس 27 شوال 1446هـ الموافق 25 أبريل 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشيخ جمال بن سرور شرح القصيدة اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية، مركزاً على أهمية السؤال عن الدين والإجابة عليه ومحبة الصحابة ومودة القربى.
يتناول المقطع محبة آل البيت وتفاضل الصحابة ومعتقد أهل السنة في القرآن وأسماء الله وصفاته، مشيراً إلى وجوب محبتهم والتوسل المشروع بهم.
يشرح الناظم أصول العقيدة السلفية ويبين موقف أهل السنة والجماعة من قضايا الإيمان والتوحيد، محذراً من البدع العقدية ومشيراً لأهمية اتباع الأئمة الأربعة.
تم تقديم الشكر للشيخ جمال بن سرور على شرحه وتعليقه على المنظومة، مع الإعلان عن لقاء قادم في الشهر التالي بإذن الله في مسجد دار الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين. أما بعد، فضمن برنامج المجالس العلمية في هذا المسجد المبارك، مسجد ابن عباس بمنطقة زغفة، والذي يقيمه مشايخ دار الحديث بالشهر، فإننا في هذا اليوم من شهر شوال، السادس والعشرين من شهر شوال من عام 1446 الهجرة، سيكون هذا المجلس لشيخنا الفاضل أبي هاشم جمال بن سرور، والمعنى له بالتعليق على المنظومة اللامية أو القصيدة اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فنستمع إن شاء الله لشيخنا حفظه الله وجزاه الله خيرا على تلبية طلب هذا البرنامج في هذا المسجد. نسأل الله أن ينفع به الإسلام وأمة المسلمين. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحمد الله جل في علاه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أن يسر لنا هذا اللقاء وهذا الاجتماع، وعلى هذا المجلس المبارك من مجالس العلم. وقد سمعتم في كلمة أخينا الشيخ مصطفى حفظه الله تعالى، بأننا في هذا المجلس المبارك بصدد قراءة منظومة شيخ الإسلام رحمه الله، والموسومة باللامية. ولا شك أننا نعقد العزمة على المرور على هذه المنظومة في هذه الليلة. فإن المقام يتطلب منا الإيجاز والاختصار، لكن من غير إخلال. فحسبنا في قراءتنا لمنظومة شيخ الإسلام أننا نفك العبارات، وأن نشير إلى أهم المسائل والمقامات، مع إعراضنا عن المسائل الخلافية وما يطول ذكرها. وهذا حقه في المطولات. ومما سأعرض عن ذكره ما يتعلق بترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فترجمته حافلة، ولا يكاد أحد من قلابة العلم إلا وقد مر على ترجمة شيخ الإسلام وما يتعلق بحياته العلمية والعملية. وأما ما يتعلق بهذه الرسالة، نعم قد حصل الخلاف بين بعض أهل العلم في صحة ثبوت هذه الرسالة لشيخ الإسلام، هل هي له أم لا؟ والأكثر من أهل العلم على أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذلك للشهرة التي بلغت الآفاق في كثرة من يتناقل هذه الرسالة وينسبها لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. قال الناظم، شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: يَا سَائِلِي عَنْ مَذْهَبِي وَعَقِيدَتِي رُزِقَ الْهُدَى هُدَى مَنْ لِلْهِدَا يَسْأَلُ في هذا البيت، إخواني في الله، فيه السؤال عن الدين. يا سائلي، يا من يسأل عن دينه وعن عقيدته. وهذا أمر مطلوب شرعا، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وبالمقابل، فإن المسؤول بهذا السؤال ينبغي عليه أن يجيب، وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». فالسؤال في الدين والإجابة عليه من المطالب الشرعية. يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي، الأصل أن كلمة مذهب تطلق على الفروع، بمعنى على المسائل العملية، على الفقهيات. ويكأن السائل هاهنا سيسأل عن مسائل عقدية وعن مسائل فقهية. لكن الناظر في هذه الأبيات من أولها إلى آخرها إنما هي تنسى بك باب عقيدة فقط. ما عندي فقهيات. فإذا يحمل هنا على كلمة مذهبي أي ما أذهب إليه في اعتقادي. يا من تسأل عن مذهبك في العقيدة وعن عقيدتك، فإليك الجواب. وفي قوله: «رُزِقَ الْهُدَى مَنْ لِلْهِدَايَةِ يَسْأَلُ»، فيه بيان على أن الأرزاق لا تكون فقط بالمال أو بالنعم الدنيوية، بل إن من الأرزاق، وهي من أعظم الأرزاق، ما يكون من النعم الدينية. رزق الهدى، رزق. فالصلاح والهداية والاستقامة والرشاد، هذه أرزاق من رب العباد. قال: «اسْمَعْ كَلَامَ مُحَقِّقٍ فِي قَوْلِهِ لَا يَنْثَنِي عَنْهُ وَلَا يَتَبَدَّلُ». اسمع الأمر بالاستماع. أنصت، يسائل، اسمع لما أقول. اسمع كلام محقق. المحقق هو المتثبت، هو المدقق، هو المتأصل. اسمع كلام محقق قد يقول قائل: هذه دعوة، ما جليل المؤلف على أنه محقق؟ جليله برهانه هذه المنظومة. قال: «حُبُّ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ لِمَذْهَبٍ وَمَوَدَّةُ الْقُرْبَى بِهَا أَتَوَسَّلُ». بدأ المؤلف رحمه الله تعالى من أوائل مسائل المعتقد، ما يتعلق بعقيدة أهل السنة في جنب الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وإنما بدأ بهم لعلو شأنهم. قال: «حُبُّ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ لِمَذْهَبٍ». حب الصحابة، حقوق الصحابة كثيرة. وإنما اختصر واحتزل المؤلف رحمه الله تعالى إلى أعظم حق، وهو حق المحبة. ينبغي أن نجعل في أنفسنا وفي قلوبنا وصدورنا من المحبة والإجلال والإعظام لجنب الصحابة. وهذا أحد الحقوق، لكنه حق جامع شامل، وهو كذلك مانع. فكل من أخل بمقام المحبة، محبة الصحابة، فليس بمؤدي لحقوق الصحابة. فمن كان من أمره ومن شأنه أن يسبهم أو يشتمهم أو يحذر منهم أو يغط الطرف عنهم أو أنه يلعنهم أو أنه يهجوهم ويهجورهم أو أنهم يفشي بآفاتهم وعيوبهم بقصد الطعن والغمز فيهم، هل هذا محب؟ لا، هذا ليس بمحب، هذا أخل بجنب الصحابة. قال: «وَمَوَدَّةُ الْقُرْبَى بِهَا أَتَوَسَّلُ». وأشار المؤلف رحمه الله إلى صنف آخر من الناس، وهؤلاء كذلك ينبغي أن نكن لهم المحبة والإجلال والإعظام، وهم ما أشار إليهم بقوله: «وَمَوَدَّةُ الْقُرْبَى»، وهم آل البيت، آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما جاء ذكر في كتاب الله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. فمحبة آل البيت من الأمور الشرعية، بل جاء ذلك في أحاديث كثيرة. كقوله عليه الصلاة والسلام: «أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي». فقال رحمه الله تعالى: «وَمَوَدَّةُ الْقُرْبَى بِهَا أَتَوَسَّلُ»، أتوسل أي أتقرب. أي أن مما أتقرب به إلى الله جل في علاه، ما يكون من محبة لجنب الصحابة، وما يكون من محبة لآل بيت رسول الله. فهذا الذي به أتقرب، أي أتوسل. وهذا من التوسل المشروع، التوسل المشروع. ولا يكون التقرب بذواتهم، فإن هذا من التوسل الممنوع، لأن العلماء قسموا التوسل، وهو التقرب إلى الله، إلى توسل مشروع وإلى توسل ممنوع. فإذا كان التوسل بالأعمال الصالحة وبحبهم، فهذا مما يرضى عنه ربنا عز وجل. أما بذواتهم، بالتبرك بشعورهم وثيابهم، فهذا من التوسل الممنوع، وهو البدعي. قال: «وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ قَدْرٌ عَلِيٌّ وَفَضَائِلُ لَكِنَّمَا الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ». ولكل من ذكر من الصحابة ومن آل البيت، ولكل منهم قدر علي، وهذه المنزلة ثبتت عنهم. ولهم عبر الشريعة الإسلامية، هذا على الإجمال. لكن إن جئنا على التفصيل، فإليك التفصيل. أما ما يتعلق بأمر الصحابة، نعم فكلهم لهم منزلة عليا. كلهم لهم منزلة عليا. وقد أجمع أهل السنة على أن الصحابة كلهم عدول، كلهم عدول. ما هناك أحد يقدح في علمه أو في دينه أو في أمانته، بالإجمع. أما آل البيت، ففيه التفصيل. هل كلهم له قدر علي؟ لا، لأن من آل البيت من لربما من له من التمسك بالدين، ومن هو على الجادة، من ينبغي أن نحبه على ما كان من تمسكه بالدين. وهناك من آل البيت من انسل، خرج عن الصراط المستقيم، وانحرف عن الجادة. فهل هذا نحبه؟ الجواب لا، بل نبغضه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ قَدْرٌ عَلِيٌّ وَفَضَائِلُ لَكِنَّمَا الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ». الصحابة قد ذكرنا أنهم كلهم لهم منزلة عليا، ومع ذلك فهم يتفاضلون. يتفاضلون فيما بينهم. فهم ليسوا على منزلة واحدة. فهناك من هو أفضل من آخر. فمثلا، عند مقام المهاجرين أفضل من مقام الأنصار. قال: «وَأَقُولُ فِي الْقُرْآنِ مَا جَاءَتْ بِهِ آيَاتُهُ فَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُنَزَّلُ». في هذا البيت، إشارة كذلكم إلى بيان لمعتقد من معتقدات أهل السنة. فقال رحمه الله تعالى: «وَأَقُولُ فِي الْقُرْآنِ». أي لفظا واعتقادا، لأن القول يكون لفظا ويكون بالاعتقاد. وأقول في القرآن، القرآن هو كلام الله كما سيأتي معنا. والقرآن مأخوذ من قراءة، قراءة وقراءة في لغة العرب تأتي على معنيين اثنين، بمعنى تلا، تلا. اقرأ أي أتلو. فلان قراءة أي تلا. فإذا قلنا أن القرآن مأخوذ من قراءة بمعنى تلا، إذن القرآن بمعنى مفعول، أي متلو، أي أنه كتاب متلو يتلى. والمعنى الثاني أن القرآن مأخوذ من قراءة الذي هو بمعنى جمع، جمع. يقال قرأ الماء بالحوض، معنى قرأ الماء بالحوض أي جمع الماء بالحوض، جمع. فعلى هذا المعنى يكون القرآن بمعنى فاعل، أي أن القرآن جامع. القرآن جامع للأحكام والتشريعات. قيل جامع لخلاصة الكتب السماوية السابقة. قال: «فَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُنَزَّلُ». وصف القرآن بأنه كريم. وهذا لوصف القرآن، وإنه لقرآن كريم. وصف ربنا كتابه بالكرم، كريم. ومعنى كريم أي أنه كثير الخير، كثير الخير، كثير البركة. فهذا القرآن كتاب مبارك، مبارك بركته في كل نواحيه. إن جئت إلى قراءته فقط، ففيه بركة الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها. قال: «وَأَقُولُ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَالْمُصْطَفَى الْهَادِي وَلَا أَتَأَوَّلُ». وأقول قال الله جل جلاله، جلاله أي صاحب العظمة، صاحب العظمة. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. وأقول قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي، أي النبي عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك بيان على أن مصادر التشريع تعود إلى الكتاب والسنة. إلى الكتاب والسنة. قل: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ». فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين. وأن أخذهما يكون على فهم سلف الأمة. الأخذ بهما. وأقول قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي، تأخذ بأقوال الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة. قال: «وَجَمِيعُ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَمْرُهَا حَقًّا كَمَا نَقَلَ الطِّرَازُ الْأَوَّلُ». وجميع آيات الصفات، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة في باب إثبات أسماء الله وصفاته. أنه يثبتون كل ما أثبته الله لنفسه، وكل ما أثبته نبينا لربه. كل ما يتخلفون عن هذه الكلية العامة. لكن من غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل. كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وهذه المدرسة، وهي مدرسة أهل السنة والجماعة، والتي بنوها لأنفسهم من لدن نبينا، على ضوء ما جاء من الكتاب والسنة. قد خالفوا فيها عدة مدارس من مدارس المبتدعة. فهناك عندي مدرسة التعطيل، ممن ألغوا الأسماء والصفات. وعند مدرسة التمثيل، وهم ممن أثبتوا الأسماء والصفات، مشابهة لخلق الله. قال: «وَأَرُدُّ عَهْدَتَهَا إِلَى نَقَالِهَا وَأُصُونُهَا عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ». وأرد عهدتها إلى نقالها، أي ما جاء من النصوص، أرد العهد إلى النقال. والعهد بمعنى المسؤولية. ولهذا يقولون: العهد على الناقل. وهذا البيت، إخواني في الله، إنما يتحدث عن المصدر الثاني، وهي السنة. السنة. لأن من أراد أن يستدل بدليل من السنة، يحتاج إلى أمرين، ما هو؟ أولا صحة الدليل، والثاني إلى موطن الاستدلال. وأما من أراد أن يستدل بالقرآن، فلا يحتاج إلى الأمر الأول، وهي الصحة، لأن القرآن ثابت متواتر. قال: «قَبِحًا لِمَنْ نَبَذَ الْقُرْآنَ وَرَاءَهُ وَإِذَا اسْتَدَلَّ يَقُولُ قَالَ الْأَخْطَلُ». قبحا لمن نبذ القرآن، نبذ أي طرح، طرح وترك عمدا وقصدا. الأخذ بما في كتاب الله. وإذا استدل يقول: قال الأخطل. هنا أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يشير إلى مسلك من مسالك المبتدعة. وأنهم بعدما طرحوا كلام الله، وعدم الاستدلال بالقرآن، أخذوا يستدلون بأقوال البشر، بأقوال البشر. ومثل هنا بقوله: يقول قال الأخطل. وهذا فيه بيان لعقيدة الأشاعرة، لأنهم الذي يستدلون بهذا القائل. الأشاعرة في مسألة كلام الله جل وعلا، ينكرونه، ويقولون أن المقصود بكلام الله، وأن الله يتكلم بمعنى أن كلام الله نفسي، نفسي، ليس بكلام حقيقي. قال: «وَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ حَقًّا رَبَّهُمْ وَإِلَى السَّمَاءِ بِغَيْرِ كَيْفٍ يَنْزِلُ». والمؤمنون يرون حقا ربهم، حقا أي بالحقيقة، حقيقة. لأن من المبتدعة من يقول: نعم نحن نرى ربنا، لكن لا بأبصارنا، وإنما ببصائرنا، بالبصيرة. وهذا في الحقيقة إلغاء في الحقيقة إلغاء لهذه العقيدة. ولهذا أكد المؤلف على هذا الأمر. قال: «وَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ حَقًّا رَبَّهُمْ». حقيقة. ومما يؤكد هذا المعنى، ما جاء في حديث جرير: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا». عيانا أي بأعينكم. فليس عندي هنا معنى مجازي أو معنى إضماري أو بمعنى النظر الذي في البصيرة، لا. قال: «وَأَقِرُّ بِالْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ الَّذِي أَرْجُو بِأَنِّي مِنْهُ رَيَّا أَنْهَلُ». وأقر أي أعترف وأوقن، وهي من العقائد التي ينبغي أن ينصاع لها المسلم والمسلمة. وأقر بالميزان، وهو الذي سيكون يوم القيامة لوزن الأعمال. وهذا الميزان ثابت بالكتاب والسنة، بإجماع سلف الأمة. ونضع الموازين القسط ليوم القيامة. أخضى ربنا عز وجل أن الموازين تنصب يوم القيامة. وقد أنكر المبتدعة عقيدة الميزان. قال: «وَكَذَا الصِّرَاطُ يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنَّمَ فَمُسْلِمٌ نَاجٍ وَآخَرُ مُهْمَلٌ». وكذا الصراط يمد فوق جهنم. فوق متن جهنم. وهنا شغب بعض المبتدعة يقول: كيف هذا؟ وعنى هل معنى أهل التوحيد يعني أهل أهل الصلاح وأهل الجنة يمرون فوق جهنم؟ نعم يمرون، لكن مرور. وإن منكم إلا واردها. قال: «وَالنَّارُ يَصْلَاهَا الشَّقِيُّ بِحُكْمَةٍ وَكَذَا التَّقِيُّ إِلَى الْجِنَانِ سَيَدْخُلُ». والنار يصلاها أي النار الذي أعدها الله في يوم الآخرة، يدار أعدها الله للعصاة. والنار يصلاها يصلاها بمعنى يدخلها، بمعنى الدخول. يصلاها الشقي بحكمة، أي بحكمته عز وجل. فالله هو الحكيم، فالله هو الحكيم. حكيم إما من الإحكام، وهو الإتقان. أو أن الله حكيم مأخوذ من الحكمة، والحكمة هي وضع الأشياء في موابعها، لغايات حميدة. قال: «وَلِكُلِّ حَيٍّ عَاقِلٍ فِي قَبْرِهِ عَمَلٌ يُقَارِنُهُ هُنَالِكَ وَيُسْأَلُ». ولكل حي عاقل في قبره، وحياة الإنسان في قبره تعود على مسألتين اثنتين. المسألة الأولى فتنة القبر، وهي السؤال الذي ما من أحد إلا وسيُسأل عنه في قبره. وهي فتنة القبر. والأمر الثاني يتعلق بعذاب القبر ونعيمه. فالقبر إما روض من رياض الجنة، أو حفرة من حفرة النيران. فقال: «لِكُلِّ حَيٍّ عَاقِلٍ فِي قَبْرِهِ عَمَلٌ يُقَارِنُهُ هُنَالِكَ وَيُسْأَلُ». عمل يقارنه الذي يكون معك في قبلك، عملك. قال: «هَذَا اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ أَحْمَدَ يَنْقُلُ». هذا اسم إشارة إلى ماذا يشير الناظم؟ يشير إلى ما مضى من ذكر المنظومة، ما سمعته مني من هذه الأمور والمعتقدات والأفكار والآراء. هذا ما به اعتقاد أئمة الإسلام، اعتقاد أئمة الإسلام. هذا أي ليس هذا معتقد أنا، حتى لا يقى أن هذا كله محض افتراء أو أن هذا محل اجتهاد من شيخ الإسلام. قال: «فَإِنْ اتَّبَعْتَ سَبِيلَهُمْ فَمُوَفَّقٌ وَإِنْ ابْتَدَعْتَ فَمَا عَلَيْكَ مُعَوَّلٌ». فإن اتبعت سبيلهم، فموفق. في إشارة إلى أن من علامات التوفيق، يا عبد الله، أن تلازم سير العلماء الكبار، ممن رسغت أقدامهم في الإسلام. فعليك بهم. ولهذا قال: «فَإِنْ اتَّبَعْتَ سَبِيِيلَهُمْ فَمُوَفَّقٌ». السبيل الذي ساروا عليه. لا أنك تجعل أحد منهم هو الذي تمشي وتوالي وتعاذي عليه. وتجعله هو ماذا الذي هو تقلده وتقلده تكون مقلدا له في أقوالك وأفعالك. لا، لا تقلد. وإنما خذ بسيرتهم ومسلكهم الذي ساروا عليه. هذا الصراط الذي ساروا عليه. هذا الذي ماذا تكون فيه العصمة. أما الأحاق والأفراد والأعيان والأشخاص، فليسوا بمعصومين. وفي هذا البيت كذلك التحذير من البدعة. قال: «وَإِنْ ابْتَدَعْتَ فَمَا عَلَيْكَ مُعَوَّلٌ». إن ابتدعت، أشار إلى خطورة البدعة. وأنا من أعظم ما يصدك عن الهداية، الابتداع في الدين. وكذلك التعظيم للمبتدعة الضالين. بل أجمع العلماء على أن فعل البدعة والوقوع في البدعة، أعظم من الوقوع في المعصية. وفق الله الجميع لكل ما يحبه ويرضى. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. نشكر لشيخنا المبارك الفاضل أبي هاشم جمال بن سرور، على هذه الكلمات المباركات النيرات الطيبات، في التعليق على هذه المنظومة، في هذا المجلس المبارك، الذي هو المجلس الثاني من مجالس برامج المجالس أو برنامج المجالس العلمية، والتي يقيمها مشايخنا الفضلاء الكرام، مشايخ دار الحديث بالشفر، في هذا المسجد. إن شاء الله تعالى نلتقي إلى مجلس آخر في الشهر القادم، بإذن الله. نسأل الله للجميع التوفيق والسداد. الحمد لله رب العالمين.