الدرس في 08 فضائل الأعمال في شهر الصيام - القرآن، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان السلف الصالح يهتمون بالقرآن في رمضان، ويحرصون على تلاوته وتدريسه. من أمثلة ذلك الإمام مالك وسفيان الثوري وقيامهم بصلاة التراويح.
كان السلف يختمون القرآن في فترات زمنية قصيرة خلال رمضان، مثل الإمام أحمد والشافعي. يُتناول المقطع أيضاً مسألة الجمع بين نهى النبي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وممارسة السلف لقراءة القرآن في فترات أقصر.
الإسبال منهي عنه شرعاً وقد جاء فيه وعيد شديد، ويختلف الحكم باختلاف السبب. إذا كان لغير التكبر فالجزء الزائد في النار، وإذا كان تكبراً فالوعيد أشد، ويُستثنى من ذلك النساء للستر.
يؤكد الختام على أن الله تعالى هو الأعلم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قد اعتدنا إخواني، فلا من بداية رمضان، على إلقاء دروس بعد صلاة الظهر تتعلق بتتبع أهم الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الصيام، وبما أننا في هذا اليوم المبارك، في يوم الجمعة، والناس صيام، وما هناك ما يشغلهم، فمن باب استغلال الأوقات والمضي قدما في تتبع بقية الأعمال، فنستغل هذا المقام بالاستمرار، إخواني في الله، فيما نحن بصدده. في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن عمل من أهم أعمال أهل الصيام، ألا وهو الإقبال على تلاوة القرآن، وأشرنا إلى خصيصة القرآن في رمضان، فرمضان هو شهر القرآن، أنزله الله جل وعلا فيه، وهكذا اعتنى نبينا عليه الصلاة والسلام بأمره، إذ أنه كان يجالسه جبريل عليه السلام في كل ليلة من ليالي رمضان، فيتدارسان القرآن. وأشرنا كذلكم إلى بعض المسائل والفوائد التي لسنا بحاجة إلى إعادتها وذكرها، ومن خلال ما طرح من أدلة الكتاب والسنة، وجد سلفنا الصالح أنفسهم أنهم أمام عبادة عظيمة وشعيرة كريمة ينبغي أن يحوطوها بالاهتمام والرعاية، فكان من أمر السلف رحمهم الله تعالى أنهم أقبلوا على القرآن بكل ما أوتوا من قوة. بل إنهم لخصوا أعمال الصوام في هذا العمل، كما قال إمام الزهري رحمه الله: «إذا أقبل رمضان، فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام». ومن صور عناية السلف بالقرآن أنهم كانوا يكثرون منه في قراءتهم في صلاة القيام. فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد أمر أبي بن كعب وتميم الداري لكي يصليان بالناس، فكان القارئ منهم يقرأ بالمئين في ركعة، حتى أن بعض المصلين كان يعتمد بالعصي لشدة طول القيام بقراءة القرآن. طبعا هذا يحمل على التحمل. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «والأمر على ما يتحمله الناس»، فالذي يصلي بالناس ينظر إلى أحوالهم، فيراعي القدرة الغالبة على أكثرهم. وقد ذكر ابن أبي الحكم رحمه الله أن الإمام مالك كان إذا دخل عليه رمضان، نفر من قراءة الحديث وأقبل على تلاوة القرآن، أي ترك الحديث والتعليم وأقبل على القرآن بكليته. وهل معنى هذا أنه ما يدرس؟ لا، الجواب: يدرس، فالإمام مالك رحمه الله تعالى فعل ذلك لوجود من يكفيه ومن يعلم، إذ أن إقامة العلم، إخواني في الله، في أيام رمضان تعتبر من الأمور المهمة والأمور العظام. وكما أشرنا في الخطبة، إذ أن رمضان شهر مليء بالأحكام، فالناس بحاجة إلى التعريف والتعليم وإلى التذكير بين الفينة والأخرى بأحكام الصيام. فمالك رحمه الله تعالى إنما نفر من قراءة الحديث، يحمل على أن هناك من كفاه المؤنة وغطى ودرس، فهو تفرغ للقرآن. وهكذا مما ذكر عن سلفنا الصالح ما ذكره عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله عن سفيان الثوري: «أنه إذا دخل عليه رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على القرآن»، ترك جميع العبادات وأقبل على القرآن. ومقصود بتركه للعبادات، أي أنه يعمل عبادات ولا شك ولا ريب، ما من المسلم إلا ويتنوع في العبادات، لكن جعل القرآن هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر من وقته، يقبل بكل وقته على القرآن. وأما باقي العبادات فليس بذاك العناية والاهتمام، وإن كان يؤديها، فهذا من فعل السلف. وهكذا كان قتادة رحمه الله إذا دخل عليه رمضان كان يدرس القرآن. وقد أشرنا إلى قضية التدريس في حديث أمس، حديث ابن عباس: كيف أن جبريل مع رسول الله كان يتدارسان القرآن؟ ففيها مشروعية إقامة الحلقات في تدريس القرآن، تسميعًا، حفظًا، مراجعة، إقامة الدروس المتعلقة بعلوم القرآن، بتدريس التفسير أو التلاوة والتجويد، كل ذلك يدخل في الاهتمام والعناية بالقرآن. فكان هذا من فعل السلف أيضاً، إخواني في الله. مما يلاحظ عليه من فعل السلف، من باب العناية بالقرآن، الحرص على ختمه، على أن الواحد يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، وهذا معلوم عنهم، وهم يتسابقون في هذا الباب تسابقًا عظيمًا. رجاء بن أبي عطارد رحمه الله تعالى كان يختم القرآن في عشر، ليس في شهر بل عشر أيام يختم ختمه. ومنهم من كان دون ذلك، الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يختم القرآن في أسبوع، فإذا دخل عليه رمضان ختم القرآن في ثلاث. ومثله كذلك قتادة رحمه الله كان قتادة يختم القرآن في أسبوع، فإذا دخل رمضان ختمه في ثلاث، فإذا دخلت العشر الأواخر ختمه في ليلة. وإبراهيم النخعي رحمه الله كان يختم القرآن في أسبوع، فإذا دخلت عليه العشر الأواخر ختم القرآن في ليلتين. وإمامنا الشافعي رحمه الله تعالى ضرب في هذا المقام ما يقال عنه أنه للخيال أقرب، فقد كان إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى له في رمضان ستين ختمة، ختمة في النهار وختمة في الليل. وهذا شهير عنه، حتى قال حافظ بن حجر: «وهذا مروي عنه بإسناد صحيح»، ختمة في النهار ما يأتي الليل إلا وقد انتهى من ختمة ثانية، فما يخرج رمضان إلا بستين ختمة. وهل هذا متوقع متصور؟ نعم، أذكر عن بعض الدعاة أنه انبرى لهذا الفعل، قال: فحرصت على أن أتفرغ في النهار لقراءة القرآن، قال: فبالكاد استطعت أن أختم ختمة في النهار، قال: لكن بالكاد تفرغت عن كل شيء. فهذا أمر، إخواني في الله، متوقع. وقال العلماء: وإنما هذا يأتي في حق الذي اعتاد على قراءة القرآن، فأصبح يجري على لسانه في كل آن، ما يتلعثم، يقرأ، يمشي معه القرآن سريعا، مع البركة من الله سبحانه وتعالى. هنا تأتي مسألة، إخواني في الله، ألا وهي: قد يقول قائل: هؤلاء النخبة من السلف يقرؤون القرآن في أقل من ثلاث، في أقل من ثلاثة أيام، وقد جاء النهي عن ذلك، وهذا الثابت عن السلف. نعم، كثير، حتى أن ابن كثير رحمه الله تعالى نقل عن كثير من السلف أنهم كانوا يختمون القرآن في أقل من ثلاث. هنا الإشكال: كيف نجمع بين هذا وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث؟ بل قال عليه الصلاة والسلام: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، لا يفقه القرآن، يحجب عنه الفهم إذا أراد أن يقرأ القرآن في ثلاث، فكيف الجمع؟ هؤلاء يقرؤونه في اليوم الواحد ختمة، أو في اليومين ختمة، أو ذاك في اليوم ختمتين، والنبي ينهى عن ذلك، فكيف وقع هذا منهم؟ هنا للعلماء محامل، المحمل الأول: يحمل أن هذا اجتهاد منهم، اجتهاد منهم، اجتهدوا في هذا الباب، أنهم ولعل الحديث أن النهي لم يصلهم، ولهذا يوجد من بعض العلماء من يكره أنك تختم أقل من ثلاث، كما نقل عن ابن إسحاق وعن جماعة من العلماء يكرهون ذلك. والمحمل الثاني: أن النهي في حق الذي لا يفهم، لكن إذا وجد أن القارئ يقرأ بأقل من ثلاث مع فهم وإدراك، لا في شيء، هذا ليس فيه شيء. وهذا ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى، ذكر هذا ابن كثير رحمه الله، أنه يحمل على أن هؤلاء فهموا أن الحديث المنهي الوارد في الباب يحمل على أنه ينهى عن من قرأ أقل من ثلاث وهو لا يفهم، أما من كان يفهم لا بأس. والقول الأخير: ألا وهو أن النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، هذا في حق المداوم، في حق المداوم، من كان ديدنه، من كان منواله أنه دائما يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، يقول: لا، لا تفعل هذا يا عبد الله، فإن قد نهينا عن ذلك. قالوا: أما إن فعله أحيانا فلا بأس، وخاصة في الأوقات المباركة، كيوم عرفة، كيوم عاشوراء، كأيام العشر من ذي الحجة، وكأيام رمضان، قالوا: هاهنا لا بأس أنك تقرأ القرآن في أقل من ثلاث. وعليه يحمل عمل السلف من الأئمة ومن الهداة ومن سلفنا الصالح. فالأمر على هذا، إخواني في الله، فإن من شأن سلفنا الصالح لاغتنام فرصة العمر، وهو مضاعفة الأجر في رمضان، إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها لكل من قرأ حرفا في سائر العام، فما ظنك بالأجر المضاعف في رمضان؟ فإن الأجر يضعف ويضاعف كثيرا. ولهذا تنافس السلف على الاستكثار من قراءة القرآن، يجلس الواحد المجلس الواحد ويقرأ ويقرأ ويقرأ، فإن ختم أعاد القراءة، فإن انتهى أعاد القراءة، فما يخرج رمضان إلا بحصيلة عظيمة جدا من الحسنات لا يعلم بها إلا الباري جل في علاه. فالشاهد، إخواني في الله، من هذا المقام: أن أهل الصيام إن أرادوا الحرص على شيء من الأعمال، فالله الله يا عبد الله بالحرص على قراءة القرآن، لا كلل، لا ملل، لا تفتر، لا في ليل ولا في نهار. طبعا مع الإشارة إلى المسائل التي ذكرناها بالأمس، منها العناية بتأمله والعناية بتدبره. وأما من حرم القراءة، بمعنى لا يستطيع أن يقرأ، فليعوض بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، إذ أن الكل من ذكر الله، القرآن من ذكر الله، والتسبيح والتحميد من ذكر الله. وأيضا من لم يستطع القراءة للقرآن لأنه لا يقرأ أصلا، فلا يستغني عن الاستماع. والحمد لله الآلات التي تنقل لنا أصوات القرآن كثيرة جدا في مثل هذه الأعصار. فالشاهد، إخواني في الله، الإنسان يحرص على الزيادة من هذا الخير. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا سائل يسأل عن ما حكم الإسبال؟ من باب الفائدة، الإسبال، إخواني في الله، من المظاهر التي نهى عنها شرع في باب اللباس، وقد جاء الوعيد الشديد في ذلك، حتى أن من العلماء من يفصل في الوعيد في حق المسبل. فمن أسبل إزاره، ومن قصوب الإسبال: أنك ترخي الثوب، سواء كان إزارا أو كان قميصا أو بنطالا، فترخيه حتى يتجاوز الكعب، هذا هو الإسبال. فإن الوعيد فيه جعله العلماء على قسمين: فإن فعله هكذا، هكذا، بطبيعة أو عادة بلد، فإنما أسفل من الإزار من الكعبين في النار، لما جاء في الصحيح: هذا الجزء الزائد في النار تعذب به. هذا إذا كان أمر هكذا عادة فعلتها. وأما إن فعلت ذلك بطرا وأشرا، كحال بعض المتكبرين والمتعجرفين، لربما إذا لبس الثياب يتعمد في إسباله حتى يظهر أبهة ويتطاول على خلق الله، فهذا يدخل في الوعيد الأشد: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم»، ومنهم المسبل. وهذا التفصيل ذهب إليه العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الوعيد الشديد النازل على المسبلين. ولهذا، السنة يا عبد الله أنك ترفع، ترفع من قميصك، والرفع وطبعا والارتفاع درجات، قد يصل إلى المسب الساقين، كما حديث ابن عمر: «إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين»، حتى قال في رواية: أن النبي قال لابن عمر: «ارفع»، ثم قال له: «ارفع»، ثم قال له: «ارفع»، قيل: يا ابن عمر إلى أين؟ قال: إنه إلى أنصاف الساقين أو ما هو دون ذلك، إلى ما فوق الكعب. فحدك يا عبد الله إلى الكعب، ولا يتجاوز الكعب، سواء كان قميصا أو كان بشتا أو كان بنطالا، كما صرح بذلك العلامة ابن باز رحمه الله تعالى بأن الحكم عام في كل لباس يلبس. وهذه ظاهرة، إخواني، فشت في مجتمعاتنا كثيرة. والإسبال إن كان من جواز فهو يجوز في حق النساء، فإن النساء يرخين، كما جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن المرأة سألت النبي عن أن تغطي رجليها، فخشيت أم سلمة أن هذه التغطية ما تكفي، قال نبيها: «ترخي شبرا»، ترخي، دعها تمس بالأرض. وكما جاء ذلك عن صحابية، هو الحديث في الصحيح المسند، مما ليس في الصحيحين: أن امرأة كانت تجر ثوبها حتى أن تمر على الأرض، فقال نبينا: «يطهره ما بعده»، يطهره ما بعده، أي أن ثوبها يلامس الأرض، العباية كما يقال، يلامس الأرض ويجر ما خلفه، فربما مر على الطيب ومر على الخبيث، فسألت النبي عن طهارة ثوبها، فقال نبينا: «يطهره ما بعده». والحديث في الصحيح المسند لشيخنا مقبل رحمه الله. فالمرأة هي التي تسبل، إن صح التعبير، هي التي ترخي من ثيابها، لأنها مطالبة بالستر. وأما الرجل، فالرجل لا يحتاج إلى هذه الزيادة المفرطة من الإطالة. فالحاصل يا عبد الله: اجعل هذا الحد هو الحد الأدنى، أن لا تتجاوز الكعب في ثوبك يا عبد الله. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.