تفسير آيات الصيام 7

تفسير آيات الصيام 7

الدرس في تفسير آيات الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل دعاء الصائم واستجابة الله في رمضان

توضح الآية الكريمة ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ مكانة الدعاء في شهر الصيام، وأن للصائم دعوة مستجابة. ويؤكد الشيخ على أهمية حرص الصائم على الدعاء في أوقات الإجابة، مبيناً أن الدعاء عبادة مقبولة بذاتها، وأن الله تعالى إما يعجل الإجابة، أو يدخرها ثواباً، أو يصرف بها بلاءً أعظم.

قرب الله من عباده ورد التوسل بالغير

يوضح المقطع أن الله قد يصرف عن العبد ما يطلبه لكونه غير نافع ويمنحه خيراً منه، وهذا من حكمته وكرمه. ويؤكد أن الله قريب من داعيه بلا واسطة، مستدلاً بالآيات والأحاديث، ويرد على من يزعمون الحاجة إلى وسائط كالقبوريين مشبهاً حجتهم بحجة المشركين.

أنواع القرب الإلهي وشروط استجابة الدعاء

يشرح المقطع نوعين من قرب الله: قرب عام لجميع المخلوقات بسمعه وبصره، وقرب خاص للمؤمنين بالتأييد والإكرام. ويستعرض آية استجابة الدعاء وقراءاتها، مبيناً أن الاستجابة مشروطة بأكل الحلال وتجنب الحرام، ويقسم الدعاء إلى دعاء عبادة (كالصلاة والصيام) ودعاء مسألة (طلب الحاجة).

القرب بالعلم والقرب بالإجابة والتوفيق

يذكر الشيخ أن القرب نوعان: قرب الله بعلمه من جميع خلقه، وقرب خاص بعباده وداعيه يتمثل في الإجابة والمعونة والتوفيق. ويشير إلى أن هذا قد سبق بيانه، فيكتفي به في هذا الدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. قال: هذا جواب سؤال سأل النبي عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه، وقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناديه أم بعيد فنناديه؟ فنزل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وهذا الحديث لا يصح، سنده ضعيف، ذكره القرطبي، وأيضا عزاه ابن كثير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، فهو لا يصح. ومعنى أي: أقصد سبب النزول هذه الآية، هذا: "أقريب ربنا فنناديه أم بعيد فنناديه؟" لم يأت شيء صحيح في سبب نزول هذه الآية، لكن مناسبتها هنا ظاهرة؛ الله عز وجل ذكرها في آيات، أو بين آيات الصيام، ذكرها بين آيات الصيام. وهذا يدل على عدة أشياء: أولا: أن الصائم إذا صام شهر رمضان وغيره يحتاج إلى الدعاء، يحتاج إلى الدعاء كثيرا. أولا: دعاءه لقبول عمله؛ فإن قبول العمل كان الصحابة رضي الله عنهم يهمونه أكثر من العمل، لأن الثمرة هي القبول، فعمل بلا ثمر لا فائدة منه. فلهذا يجتهد العبد المسلم الصائم أن يدعو الله عز وجل أن يتقبل صيامه وقيامه، وتقبل أعماله الصالحة التي يفعلها في هذا الشهر العظيم. وأيضا كذلك تدل هذه الآية على -أيضا ذكرها في باب الصيام هنا أو بين آيات الصيام- أن الصائم له دعوة تستجاب؛ لهذا ذكر الله عز وجل هنا الإجابة: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. ودعوة الداعي: كل داعي، لكن بالأخص الصائم، الصائم. ولهذا جاء في الحديث: «ثلاثة لا ترد دعوتهم»، وجاء في رواية: «ثلاثة دعوتهم مستجابة: دعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة المظلوم». وجاء في رواية: «دعوة الوالد على ولده»، فقال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن»، وذكر منها دعوة الصائم. وفي رواية بدون ذكر دعوة الصائم، وكلاهما صحيح؛ فقد يكون بعض الرواة حفظ هذه، وبعضهم حفظ هذه. وجاء أيضا الحديث: «أن للصائم دعوة لا ترد»، لكن فيه ضعف كما قد ذكرنا. فصائم له دعوة مستجابة، يدعو الله عز وجل بخيري الدنيا والآخرة، وأيضا يلتمس، يلتمس المواطن التي يجاب فيها الدعاء: كآخر ثلث، آخر ثلث من الليل، عند السجود، آخر ساعة من يوم الجمعة، وغيرها من المواطن العظيمة. معنى: يحرص على الدعاء فيها. وليس معنى أنه في غيرها لا يدعو؛ لا، الدعاء عبادة، الدعاء عبادة. استجيب الله عز وجل للداعي، فالله عز وجل قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وقال عمر رضي الله عنه، عمر بن الخطاب: «إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء». أنا... أنا... ما أحمل قل، أهتم بإجابة الدعاء؛ لأن الله عز وجل قد وعدنا بالإجابة، لكن أهم بالدعاء: معنى كيف أدعو، وبماذا أدعو؟ فإذا انفتح العبد للدعوة، لدعوته لله جل وعلا، فالإجابة قريبة، والإجابة أيضا موعودة. وقد جاء في الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي سعيد، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا... إلا... إلا... إلا... إلا استجاب الله عز وجل له، أو ادخرها له يوم القيامة، أو صرف عنه من البلاء ما هو أعظم». معنى: دعوتك لا... لا تذهب بغير نفع؛ فإنها كلها نفع. دعوة هذه التي تدعوها: فإن كان لم يحصل لك ما تريد، لكن هناك ما هو أعظم. فهذه أولا: تدخر لك طاعة وثوابا يوم القيامة، وأيضا كذلك: أو تصرف... تصرف عن... يصرف الله عز وجل عنك أشياء هي أعظم مما تطلبه، هي أعظم مما تطلبه، يصرفه الله عز وجل عنك، ويسر لك أمرك. وهذا يعتبر استجابة، وهذا يعتبر أيضا استجابة؛ لأن الله عز وجل أعلم بمصلحة عباده. فقد يدعو الإنسان بشيء وليس فيه مصلحة. بعض الناس مثلا يدعو بأن يعطيه الله عز وجل مالا، بعض الناس يدعو مثلا بأن يعطيه كذا وكذا من أمور الدنيا، فقد يكون هذا الشيء ليس فيه مصلحة لك، قد يكون فيه ضرر عليك، فيصرفه الله عز وجل، أو يصرف الله عز وجل عنك ما هو في مصلحتك، وما يكون أعظم لك من هذا الذي تطلبه. وهذا من حكمة الله عز وجل وكرمه سبحانه وتعالى على عباده. قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. الله عز وجل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، حتى يقرب لعباده أنه لا يحتاجون إلى واسطة، لا يحتاجون إلى تكلف. لم يقل مثل ما قال في الأسئلة الأخرى: ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَقُلْ إِنِّي قَرِيبٌ﴾، لا، لم يقل: ﴿قُلْ﴾، حتى لا يكون هناك واسطة، يكون مباشر. وهذا يدل أيضا على أن الله عز وجل لا يحتاج إلى وسائط بينه وبين عبده. مع هذا، مع هذه الآية العظيمة، إلا أنك تجد أناسا من أهل التصوف، والذين ابتلوا بتعظيم غير الله جل وعلا، تجد أنهم يقولون: لابد من الواسطة. نحن وأهل الذنوب وأهل كذا وأهل كذا، فنحتاج إلى من يتوسط بيننا وبين ربنا. فيدعون غير الله جل وعلا. يا ليتهم مثلا يتوسلون به، فهذه أهون، يعني يقولون: نتوسل إليك بفلان مثلا، هذا أهون. لكن يدعونه، يقولون: معناه إذا دعوناه يدعو الله هو. يقولون: يا فلان افعل لنا كذا. تأتي المرأة تقول مثلا: تريد حملا، تريد ولدا، ويأتي الرجل يريده كذا وكذا، فيطلب من هذا، من صاحب القبر، ويظنون أنه واسطة بينهم وبين الله. وما درى هؤلاء الجهلة أن هذه هي حجة المشركين في عبادتهم للأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. أن نحن نتقرب إليهم حتى يقربون إلى الله. نفس الحجة التي احتج بها أهل الشرك، وهي احتج بها أيضا القبورية؛ لأن عملهم واحد، هو شرك بالله جل وعلا. فلهذا الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، قال: لأنه تعالى الرقيب الشهيد المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهو قريب أيضا من داعيه بالإجابة، فهو مطلع على عباده، مطلع على أسرارهم، مطلع على ما يخفون في صدورهم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فلذا فهو يعلم كل شيء عن عبده، فإذا تكلم ودعا، فربنا جل وعلا قريب منه، قريب في علوه، وعلي في دنوه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قريب في علوه، مع علوه جل وعلا، وأنه فوق السماوات، إلا أنه قريب من عباده بعلمه وإحاطته وسمعه وبصره. وأيضا مع قربه من عباده إلا أنه علي جل وعلا فوق سبع سماوات. وهذا القرب على أنواع، قال: فهو قريب أيضا من داعيه بالإجابة، أيضا أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. حديث ابن مسعود في الصحيحين: كان بعض الناس يرفعوا صوته بالدعاء وبالتكبير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع بصير، أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، إن الذي تدعونه سميع بصير». ذكر السمع والبصر، أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. أن الإنسان إذا دعا الله عز وجل، الله عز وجل قريب، يسمعه، يسمع السر وأخفى، أخفى من السر، ويعلم ما في الصدور، فكيف بمن يتكلم بالشيء؟ كما قالت عائشة رضي الله عنها: «سبحان الذي سمع الأصوات كلها»، فلما ذكرت أمر التي... التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تجادل في سورة المجادلة، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾، قالت عائشة رضي الله عنها: «وإني في الغرفة، لم أسمع ما تقول». أنا كانت عائشة قريبة، لكنها ما سمعت ما تقول، لخفض صوتها للنبي عليه الصلاة والسلام، تعظيما له، إجلالا له، فخفضت صوتها بالكلام، فسمعها الله عز وجل. قال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فهو قريب أيضا من داعيه بالإجابة. قرب الله عز وجل على نوعين: قرب عام، وقرب خاص. القرب العام: هذا يكون لكل عباده، فهو قريب منهم بسمعه وبصره. وقرب خاص: وهو قرب بعباده الصالحين، قرب لعباده الصالحين. وهذا القرب فيه معنى قرب سمع وبصر وإحاطة، وكذلك تأييد وإكرام. فلذا فهو قرب خاص، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه جل وعلا وهو ساجد». وجاء: «أقرب ما يكون العبد في الثلث الأخير من الليل»، وغيرها من هذه القرب. فهذا قرب خاص فيه استجابة الله عز وجل لعباده، وكذلك تأييدهم وإكرامهم. وهناك قرب عام كما ذكرنا: هو قريب من كل أحد من مخلوقات، يسمع ويبصره جل وعلا، ويحيط به، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. قالوا: لهذا قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. هنا قال: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾، وهذه جاءت في قراءة أكثر القراء أنها بدون ياء في الوصل وفي الوقف: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. أنا حتى لو وصل القراءة لا يقول: دعاني، فأنا إذا قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فليستجيبوا... أنا لا يقول: دعاني على النهاية، إلا في قراءة المدينة، فيها عند الوصل أنه يأتي بياء. وهنا قوله جل وعلا: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، أن متى ما دعا الداعي أجابه الله عز وجل. قيل: قيل أن هذه الآية خاصة بدعوة المؤمن، وقيل أنها عامة: أن الله عز وجل يستجيب حتى للكافر إذا دعا، لكن استجيب الله عز وجل بحكمته سبحانه وتعالى، وأيضا بما يكون فيه المصلحة، وأيضا بما يكون به الداعي. فالداعي أحيانا يكون مثلا قد يكون غير... غير مسلم، كافر، فقد يستجيب الله عز وجل للكافر. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «واتق دعوة المظلوم»، مع أنه أرسله إلى أناس كفار من أهل الكتاب، قال: «واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»، ولو كان رجلا كافرا، فقد يستجيب الله عز وجل له. وأيضا المؤمن بحسب دعوته، فقد لا يستجاب له بسبب شيء فيه، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلون»، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه: يا رب يا رب، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وغذي من حرام، فأنى يستجاب له؟ أنى يستجاب لمثل هذا الذي غاص في الحرام؟ فمطعمه حرام. جاء في الحديث الذي حسنه الشيخ الألباني: «يا سعد، أطب مطعمك تستجب دعوتك». فهناك شروط وقيود، وقد تكلمنا عليها في بعض السنوات في رمضان، في دروس في الدعاء في هذه الدار، وهي مسجلة، من أراد أن يسمعها فموجودة في الموقع. معنى: في شروط الدعاء، وكذلك أدابه وغير ذلك. قالوا: لهذا قالوا: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. دعاء العبادة: والعبادات نفسها: الصلاة، الصيام، وغيرها. الأصل أن هذه العبادات هي دعاء؛ فإن العبد يصلي لأجل أن يتقبل الله عز وجل صلاته، كأنه يقول: اللهم تقبل صلاتي عن عبادتي. وكذلك أيضا بصيامه وحجه، وهذه دعاء عبادة. ودعاء مسألة: وهو دعاء الطلب، أن يطلب العبد من ربه جل وعلا: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني. قال رحمه الله: والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. وهذا قد ذكرناه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكتفي في درس האחר.