الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 127، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بعث النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن محصن لجمع الزكاة من أهل دباء وأزد عمان، فجمعها من أغنيائهم وردها على فقرائهم. بعد وفاة النبي ارتدوا ومنعوا الزكاة وهجوا قريشاً، فكتب حذيفة إلى أبي بكر الذي غضب وبعث عكرمة بن أبي جهل لقتالهم.
سار عكرمة بن أبي جهل بأمر أبي بكر إلى دبا لقتال المرتدين بقيادة لقيط بن مالك، فالتقى الجيشان وانتصر المسلمون. حاصر المسلمون المرتدين في مدينة دبا شهراً كاملاً حتى طلبوا الصلح، فاشترط عليهم حذيفة صلحاً مخزياً يقرون فيه بأن قتلاهم في النار وقتلى المسلمين في الجنة.
حكم حذيفة بن اليمان على أهل دبا بقتل أشرافهم وسبي ذراريهم، وأراد أبو بكر قتل باقي المقاتلة رغم ادعائهم البخل لا الردة. ظلوا موقوفين حتى توفي أبو بكر، فأطلق عمر بن الخطاب سراحهم ومنحهم الحرية.
وصل الجيش الإسلامي إلى البصرة في أرض العراق، وكان من بينهم أبو صفرة والد المهلب وهو غلام صغير. عند قدوم غزاة أهل دبا، منحهم الخليفة أبو بكر الصديق خمسة دنانير لكل منهم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": "ذكر ردة أهل دباء وأزد عمان". قال: وذلك أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين. ودباء وأزد عمان مناطق تقع حالياً بالقرب من منطقة عسير السعودية. قال: وذلك أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين، فبعث إليهم مصدقاً يقال له حذيفة ابن محصن البارقي. مصدق: أي يجمع الصدقات. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل عماله الذين يجمعون الصدقات وهم العاملون عليها، فأرسل إليهم هذا الصحابي حذيفة ابن محصن البارقي. ثم الأزد من أهل دباء، أي من أهل هذه البلد، وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم. ففعل ذلك حذيفة، وهذه هي مصرف الزكاة: أن تأخذ من الأغنياء ممن ملكوا نصاباً، ثم ترد على الفقراء ممن لا يجدون حاجتهم. قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا الصدقة، أبوا أن يعطوا حذيفة الصدقة وارتدوا. فدعاهم حذيفة إلى التوبة فأبوا، وجعلوا يرتجلون، يعني يرتجزون، يعني يرتجزون بهذه الأبيات: "لقد أتانا خبر الرديء، أمست قريش كلها نبي". ظلم لعمر الله، عبقري. يعني يريدون أنه إذا مات الرسول فقريش كلها تريد أن تكون نبياً وأن تخلفه، وهذا ليس بصواب، هذا من البهتان. وإنما ولوا عليهم خيارهم ليقوم بأعباء الخلافة، ولم يدعوا أنه نبي وأنه كذلك مرسل من ربه، وإنما هو يقوم بما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم. فكتب حذيفة إلى أبي بكر بأمرهم، فاغتاظ غيظاً شديداً، أي غضب غضباً شديداً عليهم، وقال: "من لهؤلاء، ويل لهم، لمن يخرج إليهم لقتالهم وردعهم". ثم بعث إليهم عكرمة ابن أبي جهل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمله على سفلي بن عامر بن صعصع مصدقاً، يعني يجمع الصدقات. فلما بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حاز إلى تبالة في أناس من العرب. وتبالة كما ذكرنا هي بلد في المملكة، قيل أنها في بلد يقال لها بيشة، وهي من محافظات منطقة عسير في هذا العصر، من محافظات المملكة السعودية. وليس تبالة هذا التي هي عندنا مشهورة، آه لا، وإنما هذه تبالة يعني سميت، والله أعلم، بتسمية تلك البلد، لأن هذا الاسم اسم تبالة قديم، قديم قبل الإسلام، قبل الإسلام. وهذه تبالة التي فيها ذو الخلصة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم جريراً أن يهدمها، وكان صنماً يعبد من دون الله، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة، يعني يرجع ذلك الأمر في آخر الزمان، في آخر الزمان. وجاءت في بعض الروايات أن ذا الخلصة في تبالة بهذا اللفظ، فتبالة هذه أخرى ليست هذه التي هي قريبة منا، إنما هي في المملكة وهي معروفة بهذا الاسم إلى يومنا هذا، إلى يومنا هذا، وهي قرية من قرى تلك البلاد. قال: فلما بلغت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى تبالة به ناس من العرب ثبتوا على الإسلام، يعني اجتمع مع من ثبت على الإسلام ولم يرتد بعد وفاة النبي، فثبتهم الله على الإسلام. قال: وكان مقيماً بتبالة في أرض كعب بن ربيعة، فجاءه كتاب أبي بكر: "سِر فيمن قبِل لك من المسلمين إلى أهل دبا"، يعني اذهب إلى أهل دبا أنت ومن معك من المسلمين. فسار عكرمة في نحو ألفين من المسلمين، وكان رأس أهل الردة لقيط بن مالك الأزدي، يعني هو الذي ترأس أهل الردة واجتمعوا حوله. فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمة أنهم جموع كثيرة، يعني أن أهل الردة جموع كثيرة، فبعث طليعة، طليعة يعني جزء من الجيش، جزء من الجيش، وكان للعدو أيضاً طليعة، يعني ما التقى جميع الجيشين، وإنما من هذا الجيش جزء ومن ذاك الجيش جزء. فالتقت الطليعتان فتناوشا ساعة، يعني فترة زمنية، ثم انكشف أصحاب لقيط، يعني ظهر أمام المسلمين، وقتل منهم نحو مئة رجل، وهو لشك كثير، عدد كثير قتل من أصحاب أهل الردة. وبعث أصحاب عكرمة فارساً يخبره، يعني يخبر عكرمة، فأسرع عكرمة حتى لحق طليعته، يعني حتى اجتمع جميع الجيش مع الطليعة التي أرسلها. ثم زحفوا جميعاً وسار على تعبئة، يعني تجهيز الجيش، حتى أدرك القوم، فاقتتلوا ساعة، يعني جميع الجيش التقى، ثم هزمهم عكرمة وأكثر فيهم القتل. ورجع فلهم إلى لقيط بن مالك فأخبروه أن عكرمة مقبل، فلهم يعني جماعتهم، فقوي جانب حذيفة ومن معه من المسلمين، فناهضهم وجاء عكرمة فقاتل معهم، إذن اجتمع من ثبت مع حذيفة ومن ثبت مع عكرمة. قال: فانهزم العدو حتى دخلوا مدينة دبا، فحصرهم المسلمون شهراً، يعني هؤلاء أهل الردة في هذه المدينة والمسلمون حواليها، ما استسلموا وما يعني رموا السلاح، وإنما استمروا وهم محاصرون شهراً كاملاً. وشق عليهم الحصار إذ لم يكونوا قد أخذوا له أهبة، يعني لم يستعدوا، فما تزودوا من الطعام والشراب ونحو ذلك، فشق عليهم، وانتهى ما معهم من طعام ونحوه، فأرسلوا إلى حذيفة يسألونه الصلح، فقال: لا. يعني طلبوا الصلح فقال حذيفة: لا، إلا بين حرب مجلية أو سلم مخزية. قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها، يعني حرب ظاهرة، وهو ما وقع لهم في ما وقع من يعني مواجهتهم للمسلمين، فقد قتل منهم عدد كثير، فهذه الحرب المجلية، فما هي الحرب المخزية أو السلم المخزي، ما هو سلم مخزي؟ قال: أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال أي حذيفة: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن كل ما أخذناه منكم فهو لنا، وما أخذتموه فهو رد لنا، يعني ما أخذناه منكم لا تطالبون برده، وما أخذتموه منا ترجعونه إلينا. قال: وأن على حق وأنتم على باطل وكفر، ونحكم فيكم بما رأينا، هذا أولاً مبدئياً، ثم نحن نحكم فيكم بما رأينا، إن رأينا قتلكم، إن رأينا أسركم، نعم. فأقروا بذلك، وافقوا على هذا، نعم، لأنهم رأوا الهلاك. فقال: أخرجوا عُدولاً، لا سلاح معكم، يعني ترمون بالسلاح وتخرجون بأرواحكم فقط عُدولاً. ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة: إني قد حكمت فيكم أن أقتل أشرافكم وأسبي ذراريكم، يعني النساء والأطفال. فقتل من أشرافهم مئة رجل، أشرافهم يعني كبرائهم، وسبى ذراريهم. وقدم حذيفة بسببهم المدينة، يعني عند أبي بكر رضي الله عنه، وهم ثلاثمائة من المقاتلة وأربعمائة من الذرية والنساء. وأقام عكرمة بدبى عاملاً عليها لأبي بكر، يعني في هذه المدينة. فلما قدم حذيفة بسببهم أنزلهم أبو بكر رضي الله عنه دار رملة بنت الحارث، يعني أنهم أسارى، ومنهم عدد كبير، أربعمائة من الذرية والنساء وثلاثمائة من الرجال المقاتلة. قال: وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة، أي أبو بكر. القوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، يعني بخلنا عليها. طيب، كيف بخلتم عليها ثم لما جاءكم المسلمون نازعتم وقاتلتم ودافعتم؟ فهذا دليل على اعتقاد في قلوبكم، ولذلك لم يعذرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قالوا: ولكن شححنا على أموالنا. وفي هذا دليل على عزة الإسلام والمسلمين، متى ما أقاموا الجهاد في سبيل الله، فانظر كيف أذل الله الكفر والكافرين، أذلهم الله، وما ذاك إلا بالجهاد في سبيل الله وبصدق المسلمين في نصرة دين الله، فلا عزة ولا رفعة للمسلمين ولا ذل ولا هزيمة للمشركين إلا بالجهاد في سبيل الله. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». الشاهد: «وتركتم الجهاد في سبيل الله». أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، ويصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وكما جاء أيضاً في حديث ثوبان: «يوشك أن تداع عليكم الأمم كما تداع الأكلة إلى قصعتها». قالوا: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولا ينزعن الله المهابة من صدور عدوكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». فإذا أحب المسلمون الدنيا وكرهوا الموت ولم يجاهدوا ويقاتلوا في سبيل الله تسلط الأعداء عليهم وصاروا ذليلين مهانين. أما إذا أقاموا بهذه الشعيرة العظيمة فإن الله عز وجل يذل بهم المشركين ويخزي الكافرين. فانظر إلى عز الإسلام لما قاموا بهذه الشعيرة العظيمة. قال: فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول كما ذكرنا لأنهم قاوموا وقاتلوا، ولو لم يفعل المسلمون ذلك لبقوا على ما هم عليه من الكفر. وكلمه فيهم عمر، وكان رأيه أن لا يسبوا، فلم يزالوا موقوفين في دار رملة حتى مات أبو بكر. فدعاهم عمر فقال: انطلقوا إلى أي بلاد شئتم فأنتم قوم أحرار. فخرجوا حتى نزلوا البصرة، أي من أرض العراق، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب وهو غلام يومئذ. ولما قدم غز أهل دبا أعطاهم أبو بكر خمسة دنانير. نعم، طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا. الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.