الدرس في شرح كتاب التوحيد 215، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يتناول شرح الحديث ويناقش صحة إسناده، حيث يرى بعض العلماء أنه ضعيف بسبب علل في إسناده، لكنهم يقرون بصحة معناه ومضمونه. الحديث يشير إلى أن الإيمان الكامل يتطلب أن يكون ميل الإنسان وحبه تابعًا لشريعة الله وسنة الرسول.
الحديث يعني أن كل جوانب حياة المسلم بما في ذلك المشاعر يجب أن تخضع للشريعة، وأن الناس يتفاوتون في الإيمان حسب مدى اتباعهم للشرع. يشرح المقطع درجات الناس في الإيمان بناءً على اتباعهم للشريعة ومدى تغلبهم على هواهم.
يُبين أن تحقيق الإيمان الحقيقي يتطلب جعل الهوى تبعًا لما جاء به الرسول، ويحذر من خطورة اتباع الهوى وترك شرع الله. يتضمن المقطع الأخير دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان الاستدلال على هذا الباب الذي بوّب عليه رحمه الله تعالى في بيان وجوب التحاكم إلى شرع الله. ومضت معنا الآيات الدالة على هذا المعنى، وها هو المؤلف رحمه الله تعالى يورد لنا الأدلة من السنة المطهرة. فأورد لنا حديث عبد الله بن عمر، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به». وقبل المضي قدمًا في شرح هذا الحديث، نقف وقفة إخواني في الله في صحة هذا الحديث المروي، إذ أن العلماء انتقدوا هذا الحديث. فمع أنه قد خرج في كتب السنة، فقد رواه الإمام البغوي رحمه الله تعالى، وابن عاصم في «شرح السنة». إلا أن الحديث معل، وعلته من أكثر من وجه. ففيه نعيم بن حمد، وهذا الراوي قد تكلم فيه من جهة حفظه، نعيم بن حمد القزاعي. وأيضًا في الحديث علة أخرى وهي الاضطراب، الاضطراب في رواة الحديث. والعلة الثالثة الانقطاع بين عقبة بن أوس وعبد الله بن عمر بن العاص، فبين عقبة وعبد الله انقطاع. فهذه ثلاث علل تواترت على هذا الحديث: الاضطراب، والضعف، والانقطاع. ولهذا الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى عند تعليقه لهذا الحديث بيّن أنه ضعيف، وأن تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا. لكن تأتي مسألة: فمع القول بضعف هذا الحديث، هل معناه أنه يترك؟ الجواب: لا، هذا الكلام من الانتقادات إنما هي من حيث الإسناد المروي، لكن بقي المتن، بقي الموضوع، بقي المضمون، بقي المعنى. هل هذا المعنى الوارد في الحديث يوافق الأدلة أو لا يوافق الأدلة؟ فالعلماء رحمهم الله تعالى بيّنوا أن هذا الحديث مع ضعفه، أي ضعف إسناده، إلا أن المعنى صحيح لا غبار عليه. ولهذا علّق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى بأن الحديث ضعيف، لكن المعنى صحيح. وهكذا علّق العلامة بن عثيمين رحمه الله تعالى بأن الحديث ضعيف، لكن المعنى صحيح. وهكذا قال الإمام سليمان آل الشيخ رحمه الله تعالى: قال: ومعناه صحيح قطعًا، قال: وأصله في القرآن كثير، أي أن الأدلة القرآنية الكثيرة تدل على صحة معنى. إذن ما معنى الحديث حتى نتمعن في صحته؟ ما معنى الحديث؟ هذا الحديث الذي مروي بهذه الصيغة: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعًا لما جئت به»، بمعنى: لا يؤمن، أي الإيمان الكامل، فليس فيه نفي أصل الإيمان، وإنما فيه نفي للإيمان الواجب. أي لا يصل المؤمن إلى الإيمان الكامل حتى يصل إلى هذه الخصلة. «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه»، والهوى هو الميل وما تميل إليه النفس، وما تحبه، وما تركن إليه، هذا هو الهوى، هوى النفس، هوى القلب. «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه»، أي ميله تابعًا لما جئت به، وما الذي جاء به نبينا؟ الأحكام، أتى بالمنهاج، أتى بالشريعة، أتى بالأوامر والنواهي. إذن هذا المعنى العام لهذا الحديث أن المؤمن لن يصل إلى الكمال الإيمان الكامل التام حتى يجعل ميله وحبه تابعًا لشريعة رب العباد وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام. هل هذا المعنى فيه شيء من الباطل؟ الجواب: لا، بل هذا الحديث بهذا المعنى، الأدلة الكثيرة قد دلت عليه، كقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾. فالأصل كما قال العلماء: فالحديث وإن كان على ضعف إسناده، إلا أن المعنى والمضمون صحيح لا غبار عليه. ومن هنا يستفاد عدة فوائد من معنى ومضمون هذا الحديث. فمن مضمون هذا الحديث، ومن معناه نستفيد على أن المسلم ينبغي أن يتحاكم إلى شرع الله، وهذا التحاكم يشمل كل شيء، يشمل الأقوال والأفعال والأعمال والأحوال. بل حتى المشاعر، مشاعرنا ما يكون من غضبنا، ما يكون من أحزاننا، ما يكون من أفراحنا، ينبغي أن تلزم بالشريعة، لا أن نطلق لأنفسنا العنان أو العنان بفعل ما نشتهي. حتى المشاعر إخواني في الله، المشاعر الإنسانية في ديننا مناطب الشرع، وهذا الحديث الذي بين أيدينا مضمون فيه هذا المعنى. هل هوى ميول النفس ينبغي أن يكون ميولك لشرع الله جل وعلا التابع؟ فلا أنت تطلق العنان بمحبة من شئت من الأشخاص، من الأعيان، من الذوات، من الأزمان، من الأماكن، لا، وإن محبتك تكون تبعًا لمحبة الله لهذه الأشياء والذوات، فهذا مما يستفاد من هذا الحديث على أن المسلم ينبغي أن يحكم شرع الله في كل شيء من مجريات أعماله، حتى مشاعر والأحاسيس. وفي هذا الحديث كذلك من معنى فيه فائدة على أن الناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في الإيمان. لأن الناس إخواني في الله في باب الأهواء يتفاوتون في الصراع بينها وبين أنفسهم، وبينهم من يخزي النفس ويتبع الشرع، ومنهم من يعطي للنفس شيئًا ويعطي للشرع شيئًا، وهذا الشيء يتفاوت. ولهذا نجد أن أهل الإسلام يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في الإيمان، وهذا الذي عليه منهاج أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد، وأن الإيمان ينقص، وأن الناس يتفاوتون في الإيمان. ولهذا كان حال أهل الإسلام في شرع الله أنهم على مراتب: السابق بالخيرات، والمقتصد، والظالم لنفسه. من أين جاءت هذه المراتب؟ جاءت هذه المراتب من جراء ما كان من رجوعنا إلى شرع الله. فالسابق بالخيرات هو الذي سابق إلى الله بفعل الواجبات والمستحبات، وبترك المعاصي من الكبائر والموبقات. وهكذا على نبذ المكروهات، هذا سابق بالخيرات، ما جعل لهواه حظًا لنفسه. القسم الثاني دونه، لا زال في جهاد مع نفسه، إلا أنه استطاع أن يحوز على الفرائض الواجبة فقط، وتقاعس عن النوافل، وأنه في باب المحرمات استطاع أن يصبر نفسه على ترك المحرمات، وأما المكروهات فإنه يقع فيها بين الفينة والأخرى، هذا مقتصد. ولكن هناك من هو دون ذلك، وهو الظالم لنفسه، الذي غلبت عليه نفسه، فأصبح يترك شيئًا من الواجبات ويفعل شيئًا من المحظورات. فانظر يا عبد الله إلى تفاوت أهل الإسلام، كل ذلك في تحت مجهر الإسلام، وما كان من رجوعهم إلى شرع الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به». فلما اختلف الناس في اتباعهم لرسول الله، ظهر هذا البون الشاسع بين المسلمين. وأخيرًا إخواني في الله، في هذا الحديث من معناه ومضمونه ما يستفاد فيه من خطورة الهوى. ففي هذا الحديث الذي في ظاهره قال نبينا: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»، جاء التصريح بالهوى. لماذا الهوى؟ لأن الهوى من أصعب الأشياء التي يتحكم فيها الإنسان. فكثيرًا ما تغلب الإنسان، تغلب صاحبة الميول، النفس المحبة، الشهوة، النزوة تغلب الإنسان. ولهذا أشار نبينا إلى أن الإنسان إذا استطاع أن يتغلب على الهوى ويجعله اتباعًا للشريعة، حينها فليعلم أنه قد وصل إلى أعالي منازل الإيمان. ومن هذا الذي يستطيع على ذلكم إلا من رحم الله. وبهذا تعلم أنك يا عبد الله بين أمرين لا ثالث لهما: إما الرجوع إلى الشرع، وإما أن تكون متبعًا لهواك. هذه الحقيقة، وهذا بنص القرآن، قال ربنا جل وعلا: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾. وكلنا كذلك، فإذا رأينا من أنفسنا أننا تركنا شيئًا من شرع الله، فاعلم أننا في هذه الخصلة ركبنا الهوى شئنا أم أبينا. والناس بعد ذلك تفاوتوا في الهوى، منهم من يسمى بأهل الأهواء لشدة ما كان من ميلهم. ولهذا أخبر ربنا عز وجل أن الإنسان إذا أراد الرشاد وأراد الصواب وأراد الجنة، فعليه أن يجاهد الهوى، قال سبحانه: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فان النار هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. ولهذا إخواني في الله، في هذا الحديث على ما في معناه بيان على خطورة الهوى، وأن الإنسان يحرص كل الحرص على أن يجعل هواه تبعًا لشريعة الله، فلا يفعل ما تشتهيه نفسه، وإنما يفعل ما يريده منه ربه. وبهذا تصل يا عبد الله إلى حقيقة الإيمان، هذا الذي يذكر في هذا الحديث من مسائل. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.