الدرس في شرح كتاب التوحيد 213، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح علاقة التحاكم لغير شرع الله بأنواع الإفساد في الأرض ويبين عواقبه. التحاكم لغير شرع الله يعتبر إفسادًا معنويًا ويؤدي إلى تغيير شرع الله.
تحكيم غير شرع الله يؤدي إلى فساد في الأرض والفتن بين الناس وتغيير مستمر. شريعة الله تحقق العدل والاستقرار.
تطبيق القوانين الوضعية يؤدي إلى الفساد والانحراف. الشريعة الإسلامية تضمن الإصلاح والحياة الكريمة.
يناقش قول أهل النفاق حول صلاح شريعة الخلق ويبين أنها تشتمل على الإفساد. الله تعالى هو القادر على نفع الناس.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، قال: وقوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هاتين الآيتين تحت هذا الباب، والذي يتحدث فيه المؤلف رحمه الله تعالى عن مسألة التحاكم ووجوب التحاكم إلى شرع الله جل في علاه. ذكرنا ما يتعلق بعلاقة هذه المسائل بكتاب التوحيد، فإن الله عز وجل من مقتضى الإذعان له بالوحدانية أن يذعن له سبحانه وتعالى أيضًا بالحكم، فكما أن حكم الله جل وعلا نافذ في ملكوته، فينبغي كذلك أن يكون حكمه ماض في خلقه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فلا ينازعه أحد كائنًا من كان. فأورد المؤلف رحمه الله تعالى هاتين الآيتين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. قد يقول قائل: وما علاقة هذه الآيات بهذا الباب، بباب وجوب التحاكم إلى شرع الله؟ وجه الربط إخواني في الله، هذا يعيدنا إلى مسألة ألا وهي: ما هي أنواع الفساد في الأرض؟ ذكر العلماء أن الإفساد في الأرض يكون على أحد وجهين: إما أن يكون بالإفساد الحسي، أي الإفساد الملموس المحسوس، وذلك كالسرقة والنهب والتكسير والتخريب وقتل الأنفس وغصب المحارم والتهوين من المقدسات. هذا نوع من أنواع الفساد، وهو إفساد حسي. والنوع الثاني من الإفساد: وهو الإفساد المعنوي، وذلك كفعل المعاصي والذنوب والشرك وإحداث الكفر والبدع والمضلات. هذا كذلك نوع إفساد، لكنه معنوي. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فهذا من أنواع الفساد. فالشاهد من ذلكم أن إذا علمنا أن الفساد يكون بهذا وبذاك، فعلينا أن نعلم أيضًا أن من أوجه الفساد المعنوي ما يكون بجعل الطاعة لغير الله جل في علاه. فالتحاكم لغير شرع الله نوع من أنواع الفساد، وقد عبر بذلك العلماء. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في كتابه «بدائع الفوائد» في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، فقال رحمه الله تعالى: «وقال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعوة إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل وبيان الشريعة». فالله جل وعلا أصلح المعمورة ببعثة الرسل وإنزال الشرائع، فتغيير هذه الشرائع إلى غير شريعة الله هذا نوع من أنواع الفساد. وبهذا معنى هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: لا تغيروا شرع الله. فإن تغيير شرع الله نوع من أنواع الفساد. وبهذا صح الاستدلال الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآيات الكريمات. وبهذا نعلم من خلال هذا المعنى أن تحكيم غير شرع الله على خلقه يعتبر من أعظم أنواع الفساد، إذ أن فساد التحكيم بغير شرع الله يكون على عدة أمور، لربما وصل الأمر إلى أنه فساد على أهل الأرض من حيث الإثمية، فيقعون في الإثم ويقعون في الذنب ويقعون في الكفر وفي الشرك. وقد ذكر ربنا جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فهم يتداولون بين هذه المراتب الثلاث: بين الكفر وبين الظلم وبين الفسق. ما الذي أداهم إلى هذه المراحل؟ عندما تحاكموا إلى غير شرع الله، فهذا من أعظم الفساد الذي يبتل به أهل الأرض؛ لأنهم كانوا في غنى عن ذلك. لكن عندما أقحموا أنفسهم في هذا الباب، كان أمرهم أن منهم من وصل إلى حد الكفر، ومنهم من وصل إلى حد الظلم، ومنهم من وصل إلى حد الفسق، وهذا على حسب النيات والأحوال. وسوء هذا بيانه في وقته وحينه. وأيضًا أن تحكيم غير شرع الله جل وعلا يؤول إلى فساد أهل الأرض من حيث العقوبات التي سيسلطها الله جل وعلا على أي مجتمع كان، وعلى أي فرد كان، إذا أبى أن يستقم تحت غير شريعة الله. وقد جاء في حديث ابن عمر الطويل، والذي رواه الترمذي بإسناد صحيح، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن...» وذكر في آخرها: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا ما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم». تأمل يا عبد الله في هذه المعصية، وتأمل في العقوبة. «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا ما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم»، فيجعل الله جل وعلا الفتن التي لا تكاد تنتهي بين أبناء الأمة، على مستوى الدول، على مستوى الحكومات، على مستوى الشعوب، على مستوى القبائل، على مستوى المناطق، لا تهدأ الفتن. هذا من جراء هذه البلية التي ابتلي بها أولًا، وهي: «ما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا ما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم». هذا فساد في الأرض، مغبته حين ترك الناس التحاكم إلى شرع الله. ثالثًا، كذلك من أوجه الفساد الذي يبتلى به الناس في الأرض حين تركهم للتحاكم إلى شرع الله جل وعلا، ما يكون من نتيجة هذه الأحكام التي اقتضاها لأنفسهم الناس، عندما استغنوا عن الامتثال والطاعة والإذعان لشرع الله، وما أنزل الله في كتابه، وما سنه نبينا في سنته، استبدلوها واستعاضوا بغيرها: ذاك بأعراف، ذاك بعادات، ذاك بتقاليد، ذاك بدساتير، ذاك بقوانين، ذاك بتشريعات. سمها يا عبد الله ما تسمها به، لكنهم استبدلوها مقابل أنهم يستغنوا بشرع الله بهذه التي بين أيديهم. الجواب: ما الذي كان حاصلهم؟ حاصلهم هم كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، أرادوا وزعموا الإصلاح، لكن الذي جنوه في حقيقة الحال الفساد العظيم. الفساد العظيم من هذه العادات التي أحدثوها لأنفسهم، والدساتير التي قننوها لشعوبهم. ولا أدل يا عبد الله من هذا التخبط والفساد، إذ أنهم بين كل فترة وحين، وبين فترة وآن، إلا واستبدلوا القانون بغيره، والدستور بغيره، والتشريع بغيره. لماذا؟ لأنها من زبالة الأفكار؛ لأن هذه التشريعات من وضع البشر، إنما وضعها البشر، لم يضعها رب البشر. فلما كانت من وضع البشر، وهي عرضة للخطأ، عرضة للزلل، عرضة للنقص، فكان الزلل واضحًا فيها، يحدث بين الفينة والأخرى. ولهذا لازال التصحيح، لكن بعد ماذا؟ إذا اتسع الخرق على الراقع، وعلموا أن الأمر استفحل، حينها تداركوه بالتغيير، وهكذا لا يزال حالهم بين الأعوام وبين السنوات. ومن لم يرتض التغيير، صبر على هذه القوانين والعادات والأعراف على مضض. وربنا جل وعلا قد كفانا المؤنة، فربنا عز وجل خلقنا وأوجدنا، وأنزل علينا الشرائع، وأمرنا أن نتحاكم إليها، ففيها النور، وفيها البيان، وفيها الهداية. فحينما ترك الناس ذلك، وركنوا إلى عقولهم الناقصة القاصرة الكاسدة، وجدوا الفساد. تأمل يا عبد الله في قوانينهم، تأمل في قوانين الكفر، ما هناك قانون عندهم مثلا يمنع الكفر، لا. ما هناك من أراد أن يعبد صنمًا عبد، من أراد أن يعبد وثنا عبد، من أراد أن يعبد الشيطان، هذا له حرية التعبير. هذا ما يسمى الآن بحرية التعبير، ما يمكن أن يلقى القبض على أحد. لكن في ديننا لا، العقيدة خط أحمر، خط أحمر، خط أحمر، لا يتعده أحد. «من بدل دينه فاقتلوه»، «من بدل دينه فاقتلوه». شريعتنا تحتم على كل مارق عن هذا الدين أن يقطع رأسه، ولا يبقى؛ لأنه لا خير فيه. لكن تلكم الأمم لما تركت المجال لمثل هؤلاء الزنادقة، ما الذي جنوا على أنفسهم؟ تلكم الأفكار المضللة التي انتهت إلى الآن، آخر ما سمعنا بالمثلية، فضيحة مدوية، وصمة عار في جبين أهل الكفر وأهل الغرب. ما استطاعوا أن يمنعوا؛ لأن الأمور تعبير عن الرأي، وهكذا. وهكذا إذا نظرت إلى دساتيرهم وقوانينهم في مسألة الفواحش عندهم، قانون أن الزنا إذا وقع بين طرفين، وكانت الأطراف على رضا، فإن العقوبة تسقط. تحيل هذا مسطرًا، أن القانون عندهم أن الزنا إذا وقع بين طرفين، وكان الرضا بين هذا وبين ذاك، لا غصب، لا إكراه، لا استيلاء، وإنما كان برضا، تسقط العقوبة. فتأمل يا عبد الله كيف ستؤول هذه المجتمعات إلى الفواحش؟ ولهذا حدث عن حالات الزنا التي لا يمكن أن تعبر، أصبح كهرج الحمير، يتهارجون بحجة أن كل واحد راض بفعله. وهكذا قس في مسألة السرقة، ما عندهم قطع الأياد كما عند المسلمين، بل عندهم الحبس لسنوات معدودة. فما الذي وقع؟ وقع أن الناس تساهلوا في السرقات. وأعلق بقصة قد جاءت بها أهل الغرب، في رجل اختلس وسرق المليارات، ثم خبأها، وقبض عليه، ولم يعترف بمكان المسروقات. فماذا كان من عقوبتهم عليه؟ أن حبس عدة سنوات، فلما انتهت المدة، خرج، واستطاع أن يستخرج الكنز المسروق، وأن يهرب، وأن يستمتع بباقي حياته. ما هناك رادع يردعه. وهكذا قس في مسألة ما يسمى بالمساواة بين الذكر والأنثى عندهم، أن الرجل مثل الأنثى، حذو القذة بالقذة، حتى في باب الميراث الذي يتحصل عليه الرجل هو بنفسه الذي تتحصل عليه المرأة. يا سبحان الله، تأخذ المرأة حقها كاملًا موفى، وتجعله في الأرصدة، بينما الرجل يأخذ ماله يتعب عليه، يشتغل، يبني بيتًا، يصرف على أسرته. وإذا كان من يتزوج، يجعله في مهره، ويجعله في أسفاره، ويجعله في مشارعه. أين هذا من ذاك؟ أين هذا من ذاك؟ ولهذا من حكمة التشريع أن للرجل مثل حظ الأنثىين. الرجل يراعى بما كان من جهده، وما كان من شغله، وما كان من نفقة التي تقع الكاهلة. فراعى الشرع هذا الجانب. وهكذا على العكس عندهم في القانون الغربي، المساواة بين الذكر والأنثى، وأنك يا أمة الله عليك أن تسعي في الأرض كما يسعى الرجل. لا تفكر أن يكون حالك كحال المرأة المسلمة. المرأة المسلمة متعها الله جل وعلا بهذه الحياة الاجتماعية الإسلامية، «وقرن في بيوتكن»، كن تبقى المرأة المسلمة كالأميرة، كالأميرة، تجلس في بيتها موقرة مبجلة معظمة محترمة محتشمة، يأتيها رزقها من قبل زوجها وأولادها وإخوانها، يرعونها كالجوهرة. لكنك أنت في بلاد الكفر، وأيام الدساتير والقوانين، لا. اسعي فتسعى، فتجد أن كل البيوت فارغة، الرجل يخرج يسعى في الأرض، والمرأة تخرج تسعى في الأرض. أين تذهب؟ تبحث عن لقمة العيش. حتى وجد من تلك النسوة في بلاد الغرب من يشتغل في المناجم، وفي مصانع الفولاذ، وفي أمور ما يمكن حتى لبعض الرجال أن يدخلها لصعوبتها، وهم أقحموها. ومع ذلك بعد ذلك ادعوا حرية المرأة، وهم قد أدخلوها في عبودية الدنيا. كم وكم إخواني في الله نحكي عن الفساد الذي دب على أهل الأرض عندما نحوا الشريعة وتحاكموا إلى غير شرع الله. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. وهذا حال أهل النفاق وأهل الشقاق وأهل الكفر والشرك والكفران، أنهم يدعون بأفعالهم الإصلاح للراعي والرعية، وهم في حقيقة أمرهم من أعظم أبعد خلق الله من إصلاح الأفراد والمجتمعات. وإنما الإصلاح هو الذي أتى به ربنا في كتابه، وفتشت تشريعاته، وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، القصاص فيه حياة، تحيا الراعي، تحيا الرعية، يحيا الكل تحت مضلة الشريعة إذا تمت وأقيمت، وأقامها الناس على أنفسهم. ولا أدل دليل على صحة هذا المعنى من حياة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عندما بعث نبينا إليهم، وألزمهم بشريعة رب العباد، فالتزموها، فأقيمت الحدود، وتحاكم الناس إلى شرع الله في كل النواحي: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائل، والأسرية، والفردية. فتحاكم الكل إلى شرع الله، فما هي إلا غضون سنوات عدة، كانوا بالأمس رعاة غنم، ثم صاروا ماذا؟ قادة أمم. كل ذلك بفضل شريعة رب العباد. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. فشهد من ذلكم أن المؤلف رحمه الله أورد لنا هذه الآيات، وهي قول جل في علاه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. هذا من قول أهل النفاق، عندما رأوا أن في شريعة الخلق فيها الصلاح، وإنما الصحيح كما حكاه ربنا أن فيها الإفساد في الأرض. وقد ذكرنا أوجه الإفساد من عدة نواحي. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.