الدرس في شرح كتاب التوحيد 212، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول آية التحاكم إلى الطاغوت ودلالتها على وجوب التحاكم إلى شرع الله. يُظهر أن الخروج عن ذلك يعتبر جاهلية وينافي التوحيد.
المقطع الثاني يتناول تفسير آية تتعلق بالمنافقين الذين يزعمون الإيمان لكنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، مما يدل على تناقض أفعالهم مع ادعاءاتهم. يُفسر أن الإيمان يحتاج إلى أفعال وبراهين.
يشرح المقطع الثالث كيف أن الخروج عن التحاكم إلى شرع الله يعتبر ضلالا، وأن الشيطان يريد إضلال الناس عن طريق صرفهم عن شرع الله. يُظهر أن شرع الله يحقق الهداية والسعادة.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد، قال: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وقد بوّب عليها هذا الباب، وهو من الأبواب الجديدة في كتاب التوحيد. وهذه الآية في مضمونها فيها الإشارة والدلالة على وجوب التحاكم إلى شرع الله جل في علاه، وعلاقة هذا المعنى والمضمون بكتاب التوحيد لبيان أن الله سبحانه وتعالى من مقتضى إفراده بالوحدانية أن يفرد أيضًا بالتحاكم إليه سبحانه وتعالى. فكما أنه سبحانه وتعالى حكمه نافذ في ملكوته، فهكذا حكمه نافذ في خلقه، إن الحكم إلا لله جل في علاه، فالحكم القدري الكوني والحكم الشرعي كل ذلك يقول ويعود لله جل في علاه، لا يزاحمه أحد، لا يزاحمه أحد. وأن الخروج عن ذلكم ومن يرى من نفسه أنه بإمكانه أن يخرج عن التحاكم إلى غير شرع الله جل في علاه، فإن ذلك يوقعه في حكم الجاهلية. والتحاكم إلى غير شرعه سبحانه وتعالى قد ينافي التوحيد بالكلية، وقد ينافي كمال التوحيد الواجب كما سيأتي معنا في هذا الباب في بيان الصور والحالات في مسألة التحاكم إلى غير شرع الله جل في علاه. المؤلف رحمه الله تعالى أورد لنا هذه الآية الكريمة في بيان مسألة وجوب التحاكم إلى شرع الله سبحانه وتعالى، فذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، والخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ألم ترى أيها محمد إلى هذا الصنف من الناس، وذكر ربنا جل وعلا هذا الصنف بصفاتهم، فمن وصفهم أنهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. كلمة "يزعمون" وكلمة "زعم" تأتي في اللغة على عدة معاني، تأتي بمعنى الكلام المشهور، وتأتي بمعنى مجرد القول، وتأتي بمعنى الكلام الخاطئ البعيد عن الصواب. فهؤلاء زعموا وادعوا أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسوله وآمنوا بالكتب السابقة، فهذا يشعرك على أنهم من أهل الإسلام وأنهم يدعون الإيمان، لكنهم في واقع حالهم على خلاف ذلك بدليل ما سيأتي من فعلهم. وقد أورد شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند من أسباب النزول في سبب هذه الآية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: "كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا بأول أمره، كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ إلى آخرها". قال الهيثم رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الأثر: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". وكما قلنا ذكره شيخنا في الصحيح المسند من أسباب النزول. فهنا إشكال، وهو قد يقول قائل: هذا الأثر فيه أنه نفر إليه ناس من المشركين، فالآية تتحدث عن أهل الكفر. لكن نقول: والآية تتحدث عن ناس من أهل الإسلام؛ لأن الله وصفهم بقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما آمن بما أنزل إلى رسول الله إلا أهل الإسلام. إذن كيف الجمع؟ الجمع أنهم لا أنهم من أهل الشرك ولا أنهم من أهل الإسلام، من هم؟ أهل النفاق، هم أهل النفاق؛ لأن المنافق هو مشرك في وجه ومسلم من وجه، آخر في ظاهره يدعي الإسلام وفي باطنه أبطن الشرك. فالآية دلت على أنهم وصفتهم بما ظهر منهم: ﴿يَزْعُمُونَ﴾، وفي الأثر: نفر إليه ناس من المشركين، إشارة إلى ما في قلوبهم، إشارة إلى ما في قلوبهم، فلا تناقض بين الأثر وبين الآية، فكل يدل على أن هؤلاء نفر من أهل النفاق يزعمون يدعون أنهم آمنوا بالرسول آمنوا بالكتاب آمنوا بالكتب السماوية وما أنزل من قبلك، لكن وقعوا في خطأ فادح قادح لمعتقدهم. قال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ودل على أن هذا الفعل من الأفعال التي توجب الكفر وتوجب الردة إرادة التحاكم إلى الطواغيت. وفي هذه الآية كذلك فائدة عظيمة، وهي ليس العبر يا عبد الله في إسلامك وإيمانك ما تدعيه، ما تدعيه لا؛ فإن هذه الأقوال تحتاج إلى براهين من فعلك. فهؤلاء مثلًا ادعوا أنهم آمنوا بما أنزل على الرسول آمنوا بما أنزل على من كان قبله، ومع ذلك في أفعالهم التناقض، فما أفادهم ذلك. وهذا للأسف يوجد في أزماننا، تجد من المسلمين من لربما يعلن بملء الفم أنهم معظم لله موحد لله، لكن في أفعاله تجد الخروج عن الوحدانية، لربما استغاث بغير الله، استنجد واستمد القدرة من غير الله، لربما أطاع واستغاث وأعطى لغير الله من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ما يوقعه في الشرك. قال: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فيه أن الخروج عن التحاكم إلى غير شرع الله ضلال، ضلال، وأن من أراد الهداية فعليه أن يمسك ويستمسك بشرع الله؛ فإن شرع الله فيه الهداية وفيه النور وفيه السعادة. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق وهو الذي شرع، وربنا سبحانه وتعالى شرع للناس من الأحكام في كل شؤون حياتهم ما فيه اليسر لهم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ سبحانه الله عز وجل هو أعلم بنا وأعلم بما يصلحنا. فأوجدنا وخلقنا في هذه المعمورة وأوجد لنا شريعة نتراجع ونتحاكم إليها، لن نضل، لن نضل أبدًا، فالخروج عن هذه الشريعة التي أتى الله بها هو ضلال، هو ضلال. وفي قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾، في إشارة إلى أن هذا مما يريده الشيطان منا؛ فإن من أعظم الرايات التي يدور بها الشيطان بين الأمم والشعوب أن يصرف الناس عن التحاكم إلى شرع الله. ولهذا نجد الكثير من الناس من يتهافتون حول التحاكم إلى الدساتير وإلى التشريعات وإلى القوانين وإلى الأسلاف وإلى الأعراف وإلى العادات القبلية والعادات العرفية، تجد الكثير يجنح لأن الشيطان يؤزهم أزًا يبغض في قلوبهم شرع الله، وأن فيه الضيق وأن فيه الحرج وأن فيه الرجم وأن فيه الجلد وأن فيه القطع، وأن في غيره السعة. مع أنه لو أنصفوا أنفسهم لعلموا أن في شرع الله الهداية، وسيأتي معنا الأمثلة الكثيرة في هذا الباب ما يدل على ذلك. وقال ربنا: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، هذا التأكيد بالمصدر "بعيدًا" أي أن هذا من أعظم الضلال، من أعظم الضلال. وأن الإنسان إذا فتح قلبه وقبل ناظريه ونظر إلى شريعة الله التي شرع لعباده لعلم أن الله قد تكفل فيها بإصلاح الراعي والرعية، لو أن الناس تفطنوا لذلك. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى بوّب هذا الباب لبيان ضرورة التحاكم إلى شرع الله، وأن ذلك من مقتضى توحيد الله سبحانه وتعالى، وأورد كذلك عدة أحاديث ومسائل ستأتي معنا بإذن الله في هذا الفصل. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.