الدرس في شرح كتاب التوحيد 217، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح أهمية باب الأسماء والصفات في كتاب التوحيد وعلاقته بالتوحيد، ويبين أن إنكار شيء من الأسماء والصفات يعتبر كفرًا. يشير إلى تقسيم العلماء الأوائل للتوحيد إلى ثلاثة أقسام.
يشرح حكم من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات، ويفرق بين من أنكر تعنتًا ومن أنكر بشبهة وتأويل. يبين كيفية تحقيق توحيد الأسماء والصفات بإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه وما أثبته له نبيه.
يُنبه على خطورة التحدث عن الله بغير علم ويؤكد على منهج أهل السنة في إثبات الصفات لله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. يستدل بقول الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ويحذر من فرق الضلال.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرجوع إلى الله تعالى وإظهار العلم بأنه أعلم، ويُنهي بالتسليم على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. بواب المؤلف رحمه الله تعالى، هذا الباب وهي من الأبواب الجديدة في كتاب التوحيد، فقال رحمه الله: بابٌ، أي هذا مدخل، مدخل في معرفة الحكم الشرعي لهذه المسألة، وهي من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. وسيورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب الآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بها. وقبل العروج إلى فحوى الخطاب وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى مما قال، أحب هنا أن أشير إلى ما يستفاد من هذا التبويب: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. أولًا، أولى هذه المسائل: ما الدلالة؟ وما الربط بين هذا الباب وبكتاب التوحيد؟ إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى سيذكر لنا ما يتعلق بالأسماء والصفات، فما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد؟ الجواب، إخواني في الله، علينا أن نعلم أن باب الأسماء والصفات من الأبواب العظيمة في عقائد أهل الإسلام، بل وارتباطها بالتوحيد من الارتباط الوثيق. فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن التوحيد الذي ينبغي أن يوحد به الرب سبحانه وتعالى ينقسم إلى ثلاثة، كما هو المشهور عند أهل السنة، فالتوحيد ينقسم إلى توحيد في الربوبية، وتوحيد في الألوهية، وتوحيد في الأسماء والصفات. فلا يقوم التوحيد إلا بهذه الأمور الثلاث: في الربوبية، في الألوهية، في الأسماء والصفات. وهذه المشهور، إخواني في الله، لا تظنن، عبد الله، كما تسمع من بعض من يفتري على أهل السنة أن هذه القسمة من القسمة المتأخرة التي أتى بها الوهابية، أو أن ذلك من صميم الإحداث الذي أتى به شيخ الإسلام، لا، يا عبد الله، بل من كان من أهل العلم، ومن كان من أهل الدراية، ورجع إلى الكتب الأوائل، لعلم أن العلماء الأوائل قد صرحوا بهذا وأشاروا أن التوحيد يكون في ألوهية الله، وفي ربوبيته، وفي أسمائه وصفاته. ذكر ذلك الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، وهكذا ابن حبان البستي رحمه الله، وهكذا الإمام الطحاوي في عقيدته، وأشار بأن الله واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله. فكل ذلك مما أثر عن علمائنا من أن التوحيد من أعظم أركانه الإيمان بالأسماء والصفات. وكيف لا يؤمن المسلم بهذا الباب، وهو يقرأ كتاب الله ويرى من أوله إلى آخره وقد ملئ بهذا المبحث العظيم، بدءًا بالبسملة: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، هذه إشارة إلى أسماء الله وصفاته. وأنت تقرأ، يا عبد الله، هذه الآيات القرآنية: ﴿وهو الغفور الرحيم﴾، ﴿وهو الحكيم الخبير﴾، ﴿وهو العليم الحكيم﴾، ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾، وغيرها، قس ملئ القرآن بهذا المبحث العظيم، لما؟ إشارة إلى عظمته. فحق أن يكون كما بيّن العلماء أنه ركن الركين من عقيدة المسلمين، فهو توحيد ينبغي أن يذعن به لله جل في علاه. فكان من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم في كتب العقائد والتوحيد أنهم يسطرون هذا الباب: باب الأسماء والصفات. إذن، علمنا أولًا علاقة هذا المبحث بكتاب التوحيد، فالعلاقة وثيقة، فلا قيامة لتوحيد الله إلا بالإيمان بالأسماء والصفات. المسألة الثانية: ما حكم من أنكر هذا الباب؟ نرجع إلى التبويب، نجد أن المؤلف رحمه الله تعالى قد أجاب، فقال رحمه الله تعالى: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. قوله رحمه الله تعالى: «من» من صيغ العموم، فيدخل في هذا الخطاب كل واحد مننا، كائنًا من كان، هذا الحكم يدخل فيه كل مكلف، بالغ، عاقل، ليس بمجنون، وليس بصغير، وإنما هو من أهل التكليف. فما شأنه؟ باب من جحد، جحد، أنكر شيئًا، وشيئًا نكرة، والنكر تفيد العموم، فدل ذلكم أيضًا على هذا أن الكائن أو المسلم أو المسلمة إذا أنكرت هذا الباب جملة وتفصيلًا، أو أفرادًا، واحدًا من أنكر هذا الباب بجملته، أو من أنكر شيئًا واحدًا من هذا الباب، فالحكم يعمه، فالحكم يعمه. قال: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، المؤلف سكت، لكن لا بد من الإجابة، لأن عندي هنا أسلوب الشرط: جحد فعل الشرط، أين الجواب؟ أين الجزاء؟ قال العلماء: جوابه «فقد كفر»، فقد كفر. باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات فقد كفر، وهذا الذي عليه العلماء، لما سمعتم، لأن توحيد الله جل في علا لا يقوم بهذا الباب. وهنا مسألة في كلام المؤلف، أنه استخدم لفظًا «جحد»، وقال العلماء: جحد بمعنى أنكر، أي باب من جحد، أي من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات. وبيّن العلماء أن النكران والإنكار لهذا الباب، فذكر المؤلف رحمه الله تعالى كلمة «جحد»، وجحد بمعنى أنكر. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الإنكار يكون على صور، فمن أنكر شيئًا من الأسماء والصفات هكذا تعنتًا وإباءًا واستكبارًا، فهذا كافر، خرج من الدين والملة، لأنه أنكر شيئًا علما من الدين بالضرورة، ملئ القرآن بالأسماء والصفات، ثم أنت تخزي وتمتنع تصف الله بشيء من صفاته وأسمائه، فأنت كافر. الصورة الثانية من صور الإنكار: من أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته، لكن بشبهة، وما يعبر عنه بتأويل، فإن كان هذا الإنكار كحال كثير من المبتدعة الذين نافسوا أهل السنة وزاحموا أهل السنة في هذا الباب، أي أنهم أنكروا إثبات شيء من أسماء الله وصفاته، لكن ليس عن هواء، وليس تعنتًا، لكن لشبهة اشتبهت عليهم، فهؤلاء لا يكفروا، وإنما كما حكم عليهم العلماء بالبدعة، يحكم عليهم كحال الأشاعرة والمعتزلة والماتوريدية وغيرهم من أمثال هؤلاء الذين خرجوا عن الجادة، فلوجود التأويل رفع عنهم التكفير، بخلاف الذي ليست له شبهة، وإنما هو محب الهوى يرد عن الله ما ينبغي أن يكون لله من اسم وصفة. فهذه المسألة الثانية، بها يستفاد من كلام المؤلف حول حكم من أنكر شيئًا من الأسماء والصفات. الفائدة الثالثة: يستفاد من هذا الباب: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، وهو ما الذي إذن يراد من هذا التبويب؟ المراد من هذا التبويب، إذا علمت الغلظة والشدة والمنع من إنكار شيء من الأسماء والصفات، فلا مناص يا عبد الله من أمر واحد، وهو أن تثبت هذا الباب لله، أن تثبت هذا الباب لله، وهو أن توحد الله توحيد الأسماء والصفات. كما أراد الله، هنا يأتي السؤال: قد يقول قائل: وكيف يكون تحقيقي لباب الأسماء والصفات؟ قال العلماء: تحقيق هذا الباب هو أن تثبت لله ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له نبيه في سنته، من غير تكيف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. إذا قمت بهذه المسائل، فأنت، يا عبد الله، الذي وحدت الله في هذا الباب: توحيد الأسماء والصفات. أن تثبت ما أثبته الله لنفسه، بما أن الله سمى نفسه باسم، فسم الله باسمه، وإن وصف الله جل وعلا نفسه العلي بصفة من صفة الأفعال، من صفة الأخبار، من أي صفة كانت، فهو أعلم بنفسه منك، حينها لا مناص من أنك تثبت لله هذه الصفة. فكل ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وهكذا بالمثل ما صح عن رسول الله نبينا، بالمثل، وصف ربه بأشياء: بأن الله يغضب، بأن الله يرضى، بأن الله ينزل، فنحن نثبت كل ما أثبته نبينا لربه، لأن ما يخبر به النبي هو وحي منزل، وحي منزل. طيب، عندما نثبت هذه الأسماء والصفات لله، انتبه، يا عبد الله، لهذه القيود الأربع: عندما تثبتها من غير التكيف، لا تكيف، لا تتخيل، ما هي هذه الصفة التي أثبتت لله؟ أنت ما تستطيع، أنت ما تستطيع، أنت، يا عبد الله، عندك عقل، عقلك مخلوق، مخلوق لن يصل أبدًا إلى معرفة الخالق. إذا كان الإنسان هو هو إنسان، ما استطاع عقله أن يدرك شيء في نفسه، مثاله: لو سألتك، يا عبد الله، عن الروح، أو قل عن النفس التي بين جنبيك، ما هي؟ حدثني عنها، حدثني عن نفسك التي بين جنبيك، تأكل، تشرب، تجوع، تنام، تمشي، تكبر، تنمو، كيف هي؟ شفافة، غليظة، هواء، كيف حالها؟ ما الذي ستجيب؟ الله أعلم، سبحان الله، وقفت عاجزًا، يا عبد الله، عن تحدثني عن شيء بين جنبيك. ثم يأتي من يأتي من أهل البدع والضلال ويتحدث عن ربه، وبأن الله كذا وكذا، لا تتحدث عن الله، إنما لا تكيف شيء لهذا، قال ربنا عن نفسه: ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾، ما أحد يحيط بعلم الله، ولن نحيط نحن بالله علمًا، فالله أعلم بكله، صفته، نحن نثبت الصفات لله، كيفيتها الله أعلم بها، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا نمثل صفات الله بصفات خلقه، كحال من كحال الممثلة، كحال من كحال المجسمة، كحال بعض الفرق الضالة. بل إن أهل السنة قد كفروا، واسمعوها، أهل السنة كفروا من يقوم بتشبيه الله بخلقه، حتى قال بعض السلف: كإسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى، ونعيم بن حماد، وغيرهم، من شبه الله بخلقه فقد كفر. ثم بعد ذلك يأتي بعض المبتدعة ويلمز أهل السنة، يقول: أنتم مشبهة، أنتم مجسمة، كذبتم والله، ها نحن نقولها بملء الفم: من قال أن صفات الله كصفات خلقه فهو كافر، إذا أنتم ما تجاسرتم على قولي، فنحن نقولها: كافر، خرج من الدين والملة، من يقول بأن الله صفته ما يكون من علمه، ما يكون من بصره، ما يكون من رؤيته، ما يكون من نزوله، ما يكون من غضبه، كحال البشر، فهذا كافر. لماذا؟ لأن الله قال عن نفسه: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ليس كمثله شيء، جل في علا، فأنت في هذا المضمار، عندما تصف الله جل وعلا من غير تكيف، من غير التمثيل، من غير التحريف، والتحريف الذي يعبر عنه الآن بالتأويل، أنك تقول: نعم، نحن نثبت هذه الصفة، لكن معناها، قال معناها كذا، من أين جئت بهذا المعنى؟ لماذا تخرج اللفظ عن ظاهره؟ أخبر ربنا جل وعلا بأنه استوى الرحمن على العرش استوى، فيأتي من يأتي يقول: نعم، استوى بمعنى استولى، من أين جئت استوى بمعنى استولى؟ لماذا تتلاعب بهذه النصوص التي أنزل الله جل وعلا على خلقه واضحة مبينة بلسان عربي مبين؟ هذا منك تحريف، هذا منك تحريف. لما خلقت بيدي سبحانه، فيأتي من يأتي ويقول: بأن يد الله بمعنى القدرة، قل لبعض: لا، لا، يد الله بمعنى النعمة، ومن الذي أحواجكم لأن تذهبوا يمنة، لأن تذهبوا يسرة، بأن اليد بمعنى القدرة، اليد بمعنى النعمة، والله بمعنى ثالث ورابع وخامس، هذا إخراج النص عن ظاهره، هذا التأويل، وهو في الحقيقة حقه أن يسمى بالتحريف، كما حرف أهل الكتاب كتب الله، كتب الله، كذلكم المبتدع حرفوا الأسماء والصفات. فأنت عندما تثبت ما لله، أثبت لله ما كان من الإسم، وما كان من معناه، وأما ما يتعلق بكيفيته، فالله أعلم به، من غير التكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، والتعطيل بمعنى الإلغاء، بمعنى الإلغاء، لا تلغي عن الله شيئًا أثبته الله لنفسه، كفعل الجهمية الذين أتوا بهذه البدعة الغليظة، عندما أنكروا لله كل اسم وصفة، فلم يثبت لله شيئًا من الأسماء ولا شيئًا من الصفات. وهذا الذي جعل جماعات من أهل السنة يكفرون الجهمية، لأنهم رأس المعطلة، كما صرح بهذا عبد الله بن المبارك، والإمام البخاري، ويوسف بن أسباط، وجماعات من أئمة السنة على تكفير الجهمية، عندما أقدموا على إنكار ما لله من الأسماء والصفات. فإذا قمت، يا عبد الله، بهذا المقام، فأثبت لله، تثبت لله ما كان من اسم، تثبت ما كان لله من صفة، من غير تكيف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، فأنت، يا عبد الله، الذي وحدت الله. وكل ذلك جمعه الله في قوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ليس كمثله شيء، رد على المكيف، أصحاب التكيف، ورد على أصحاب التمثيل والتجسيم، وهو السميع البصير، رد على المعطلة، ورد على المحرف المؤولة. فالله هو السميع، فنثبت لله سمعًا يليق بجلاله، يليق بعظمته سبحانه وتعالى، وهو البصير الذي يبصر المرئيات، جل في علا، بصرا يليق بجلاله، يليق بعظمته، الله أعلى بكله ذلك وعظمته. لأن الحديث في الأسماء والصفات كالحديث في الذات، كما أن ذات الله لا نعرفها، فإن أسماءه وصفاته لا نعرفها، أي لا نعرف كيفيتها، هذا خلاصة هذا الباب الذي من خلاله سيقوم المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الآيات والأحاديث والآثار. أسأل مولى جل وعلا أن ين، ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.