الدرس في شرح فتح المجيد 38، ألقاها
يشرح الشارح أهمية الإلهية وخصائصها وكيف تؤثر على العبادة، مبينًا أن الكمال المطلق لله يوجب عبادته وحده. يُدلل على ذلك بالعقل والشرع والفطرة.
المقطع يفسر آية المغفرة ويرد على الخوارج والمعتزلة في حكمهم على مرتكبي الكبائر، ويبين أن أصحاب الكبائر تحت مشيئة الله. كما يتطرق إلى تفسير دعاء إبراهيم عليه السلام.
يتناول المقطع خطورة الشرك الأصغر وتعريفه وتطبيقاته العملية، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف على أصحابه منه. كما يعرف الشرك الأصغر بأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر.
يشرح المقطع الخلاف اللفظي حول الشرك الأصغر، حيث يتفق العلماء على تحريمه ولكن يختلفون في إطلاق لفظ الشرك الأصغر عليه، ويطلق عليه البعض ألفاظًا أخرى.
قال الشارح رحمه الله تعالى: ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق في جميع الوجوه، الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستعانة، وغاية الحظ مع غاية الذل، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره. فمن فعل شيئًا من ذلك لغيره، قوله رحمه الله تعالى: ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ثم قال: وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده... إلى آخر ما ذكره. قال: كل ذلك يجب عقلًا لان العقل يدرك النافع من الضار، فإذا كان يدرك النافع من الضار سارع إلى ما فيه نفع له في دنياه وآخرته، وفي حاله ومآله. وكذلك تحصل هذه المصلحة وهذا النفع بعبادة الله عز وجل وحده، وبإفراده العبادة لله عز وجل وحده، هذا يدركه العقل. و شرعًا؛ لأن الشرع قد أمر بذلك، والشرع الصحيح أو النقل الصحيح لا ينافي العقل الصريح، فكلاهما يدل بعضها على بعض ويصدق بعضها بعضًا. فالشرع دل على هذا المعنى، أي على عبادة الله عز وجل وحده، وأرشد ربنا جل في علاه إلى أن الله عز وجل هو المستحق للعبادة وحده، وأخبر أن من أفرد الله عز وجل بالعبادة وحده أفلح في الدنيا والآخرة، وأن من أشرك مع الله عز وجل غيره فسدت عليه دنياه وآخرته. وكذلك الفطرة؛ الفطرة الصحيحة تدل على ربها عز وجل وترشد إلى عبادة الله عز وجل وحده. لذا كانت الفطر التي هي فطر مستقيمة، مهما حصل لها من الأمور والطوارئ، فإنها عند المحل وعند البلاء وعند المضايق تتجلى هذه الفطرة في طلب مقصودها، وفي حصول مطلوبها، وفي دفع مكروه، وفي كشف مرهوبها، ترجع إلى الإله الحق. فالفطرة السليمة ترجع إلى الله عز وجل عند البلاء وعند الكروب. وكذلك الفطرة الصحيحة التي لم تتلوث بلوث الشرك ولوث المعاصي ولوث الذنوب تتجه مباشرة إلى عبادة الله عز وجل وحده. فعبادة الله عز وجل وحده دل عليها العقل والشرع والفطرة. دل عليه العقل الصحيح، وكذلك النقل الصريح، وكذلك الفطرة المستقيمة. والفطرة كما سمعتم، وإن حصل لها تلوث بالشرك، إذا أصابها ما أصابها من الكروب، اتجهت إلى خالقها وبارئها وأخلصت العبادة له. كما أخبر الله عز وجل عن حال المشركين أنهم إذا نزل بهم البلاء ضل من يدعون إلا إياه سبحانه وتعالى، وأخلصوا له العبادة والدين وحده سبحانه وتعالى. وهذا دليل من أدلة الفطرة على استحقاق الله عز وجل وحده للعبادة، وأن غيره مما عبد فإنه لا يستحق تلك العبادة، بدليل الفطرة، كما أنه لا يستحق العبادة بدليل العقل، كما أنه لا يستحق الفطرة بدليل النقل. وقد أشار إلى دليل العقل الله عز وجل في آيات كثيرة من كتابه، ومن ذلك ما أشار في محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه، حينما قال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُكُمْ أَفَلَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، هذه محاجة بالعقل واضحة. قال رحمه الله تعالى: وفي الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب، يخلدون في النار، وليسوا عندهم بمؤمنين ولا كفار. الجواب: أن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فدلت هذه الآية على أن الذنوب مهما كانت كبيرة، فإنه داخلة تحت مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفرها، وإن شاء عذب بها أصحابها. ففي الآية رد على هؤلاء الخوارج؛ الخوارج كما مر معنا هم الذين يكفرون بالذنب، ومنهم من يكفر بالذنب مطلقًا، ومنهم من لا يكفر إلا بالكبيرة. فإذا كانوا يكفرون بالكبائر، فيحكمون على أن من وقع في الكبيرة أنه كافر مرتد. وإذا كان كافرًا مرتدًا، فإنهم إذا مات على ذلك مات على الكفر، فهو من أهل النار خالدًا مخلدًا فيها أبدًا. وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وليسوا عندهم بمؤمنين ولا كفار. المعتزلة عندهم من فعل كبيرة من الكبائر لا يكون مسلمًا، يقال فيه: فاسق، فليس بمؤمن وليس بكافر، بمنزلة بين منزلتين. أما باعتبار حاله في الآخرة، فإنهم يوافقون الخوارج في أنه خالد مخلد في نار جهنم. فهم يخالفون الخوارج في وصف، ويوافقونهم في وصف آخر. ففي هذه الآية رد على هاتين الطائفتين؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي أن أرباب الكبائر وأصحاب المعاصي، وإن لم يتوبوا منها، فإنهم داخلون تحت مشيئة الله؛ لأن فعل الكبيرة هو دون الشرك قطعًا. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يحمل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ على التائب؛ فإن التائب من الشرك مغفور له، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، فهنا عم وأطلق؛ لأن المراد به التائب. وهناك خص وعلق؛ لأن المراد به من لم يتوب. هذا ملخص قول شيخ الإسلام. قال رحمه الله تعالى: فهنا عم وأطلق؛ أي أن الله عز وجل هنا أخبر فيمن تاب، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، عم وأطلق الحكم، فكل من تاب توبة نصوحًا، فإن الله عز وجل يتوب عليه ويغفر له. أما في الآية الأخرى، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فعلق الغفران بمشيئته. فدل على أن قولهم: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في أرباب الكبائر الذين لم يتوبوا منها، فإنهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم. بخلاف من تاب من ذنبه، وأناب إلى ربه، فإنه مغفور له، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. قوله رحمه الله تعالى: وقال الخليل، الخليل هو إبراهيم عليه السلام. والخليل كما عرفها العلماء: هي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبق فيه موضع لغير المحبوب. قال رحمه الله: الصنم ما كان منحوتًا على صورة، والوثن ما كان موضوعًا على غير ذلك. ذكره الطبري عن مجاهد. قلت: وقد يسمى الصنم وثنًا، كما قال الخليل عليه السلام: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ الآية. ويقال: إن الوثن أعم، وهو قوي؛ فالأصنام أوثان، كما أن القبور أوثان. ها هنا تفسير لمعنى الصنم، والصنم بمعنى الوثن أم لا؟ ذكر رحمه الله تعالى ها هنا أن من أهل العلم من فرق بين الصنم والوثن، بأن ما كان منحوتًا على صورة معينة، فإنه يقال فيه بأنه صنم. وأما ما كان منحوتًا على غير ذلك، لا يقال فيه صنم، ولكن يقال فيه وثن. قال رحمه الله تعالى: وقد يسمى الصنم وثنًا؛ أي أن بعض أهل العلم ربما أطلق هذا على هذا، والعكس. والقول الثالث: ويقال: إن الوثن أعم، وهو قوي؛ فالأصنام أوثان، كما أن القبور أوثان. قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾؛ أي جعلني وبني في جانب عن عبادة الأصنام، وباعد بيننا وبينها. وقد استجاب الله تعالى دعاءه، وجعل بنيه أنبياء، وجنبهم عبادة الأصنام. قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾؛ أي جانب بيني وبين عبادة الأصنام. ومعنى ذلك أنه يدعو ربه عز وجل أن يجانب بينهم وبين الشرك بالله عز وجل، بأن يكون هو في جانب، والشرك بالله عز وجل في جانب آخر. قال رحمه الله: وقد بين ما يوجب الخوف من ذلك بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾؛ فإنه هو الواقع في كل زمان. فإذا عرف الإنسان أن كثيرًا وقعوا في الشرك الأكبر، وضلوا بعبادة الأصنام، أوجب ذلك خوفه من أن يقع فيما وقع فيه الكثير من الشرك الذي لا يغفره الله. قال إبراهيم التيمي: «من يأمل البلاء بعد إبراهيم؟!» رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. قوله رحمه الله تعالى: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؛ هذا من شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته، ورحمته ورأفته بهم. فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه. فإذا كان شرك الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟! خصوصًا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الحديث أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه، فقال: «الرياء». أورد المصنف هذا الحديث مختصرًا غير معزو. وقد رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي، وهذا لفظه. حدثنا يونس، قال: حدثنا يزيد بن الهاد، عن عمر بن محمود بن لبيط، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء». يقول الله يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم: «اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!». قال المنذري: ومحمود بن لبيط رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصح له منه سماع فيما أرى. وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال له: «صحبة». ورجحه ابن عبد البر والحافظ. وقد رواه الطبراني بأسانيد جيدة عن محمود بن لبيط، عن رافع بن خديج. قال رحمه الله: مات محمود سنة ست وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين، وله تسع وتسعون سنة. قوله: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»؛ هذا من شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته. فإذا كان شرك الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان؟! قال: فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، من العلم بالله، وبما بعث به رسله من توحيده، والنهي عن الشرك به. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه، فقال: «الرياء». أورد المصنف قوله رحمه الله تعالى: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. عرف العلماء رحمهم الله تعالى الشرك الأصغر بتعاريف كثيرة. وبسبب هذه التعاريف اختلف أهل العلم في تطبيق هذه التعاريف على بعض أفراد هذا الأمر، والحكم عليه: هل هو من الشرك الأصغر أو ليس من الشرك الأصغر؟ فمن هذه التعاريف: أن الشرك الأصغر كل ما نهى عنه شرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه. وهذا التعريف كثير من أهل العلم يعرفون به. واللجنة الدائمة برئاسة العلامة عبد العزيز ابن باز زادوا قيدًا، فقالوا: وجاء في النصوص تسميته شركًا. فمن فعل فعلًا وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر، ولكن لم يأت النص بأنهم بإطلاق الشرك عليه، فلا يطلق عليه بأنه شرك أصغر. والخلاف في هذا خلاف لفظي؛ لأن من لم يطلق عليه بأنه شرك أصغر، فيطلق عليه بأنه رياء ومنكر، وبضعة ومنكر ومحرم. فهم يتفقون على التحريم وأنه منكر، ولكن يختلفون في إطلاق لفظ الشرك الأصغر عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.