الدرس في شرح فتح المجيد 70، ألقاها
النذر لغير الله تعالى لا ينعقد وهو شرك، ولا يجوز الوفاء به لأنه معصية باتفاق المسلمين. يشمل ذلك النذر للقبور أو السدنة أو المجاورين بتلك البقعة.
النذر لغير الله باطل بالإجماع لأنه عبادة لا تكون إلا لله، واعتقاد نفع الميت أو تصرفه في الكون كفر وشرك أكبر. النذر للأولياء أو الأضرحة منكر وحرام بإجماع المسلمين.
المقطع يتضمن عبارات تسبيح واعتراف بالذنب والتوبة، حيث يُظهر المتحدث تواضعه ويطلب المغفرة من الله. يُنهي كلامه بالتسبيح والاعتراف بعلو الله وعلمه.
قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام، وأما ما نذر لغير الله، كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلاهما شرك، ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بالله والعزى، فليقل: لا إله إلا الله». وقال فيمن نذر للقبور: «بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا». ثم ما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي التعليق على هذه الفقرة، وزيادة إضاح وبيان. فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما ترون، بين في هذه الفقرة أن النذر إذا كان لغير الله جل وعلا، فإنه لا ينعقد، فإنه لا ينعقد، كما أن الحلف إذا كان لغير الله جل وعلا، فإنه لا ينعقد، إذا كان الحلف لغير الله لا ينعقد، فكذلك النذر لغير الله جل وعلا لا ينعقد؛ لأن باب الأيمان والنذور، كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى، عامة مسائلهم سواء، عامة مسائلهم سواء، وإن كان في بعض الصور، في بعض الفروع، قد يحصل خلاف بين ما كان في باب الأيمان وما كان في باب النذور. لذا تجد الفقهاء رحمهم الله تعالى كثيرًا منهم يجعلون أبوابًا بعنوان: «باب الأيمان والنذور»، الأيمان والنذور، وهذا فيه إشارة إلى أن أحكامهما عمومًا تتشابه، وإن كان -كما سمعنا- في بعض فروع المسائل ربما وقع بعض الفروق بين النذر وبين الحلف. فمن هذه المسائل أن النذر إذا كان لغير الله، فإنه لا ينعقد أصلا، كما أن الحلف إذا كان بغير الله جل وعلا، فإنه لا ينعقد أصلا. لماذا لا ينعقد؟ لأنه من الشرك، لأنه من الشرك، وما كان كذلك، فإنه لا كفارة فيه، فإنه لا كفارة فيه. قال شيخ الإسلام: «وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات». وضح هذا جماعة. قال: «والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كلا هما شرك». قد يقول قائل: هل الحالف بغير الله جل وعلا شرك أكبر أو أصغر؟ الأصل في الحالف بغير الله جل وعلا: من الشرك الأصغر أو من الشرك الأكبر؟ الجواب: أنه من الشرك الأصغر. واضح جماعة، وسيأتي الكلام عليه بإذن الله جل وعلا. سؤال آخر: قد يقول قائل آخر: والنذر لغير الله جل وعلا ما حكمه؟ واضح جماعة، هل هو من باب الشرك الأكبر أو من باب الشرك الأصغر؟ الجواب: أنه من باب الشرك الأكبر، من باب الشرك الأكبر. قد يقول قائل: إذا كان النذر من باب الشرك الأكبر، والحالف بغير الله جل وعلا من باب الشرك الأصغر، فما مقصود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: «وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات»؟ هل معناه بمنزلته أنه من باب الشرك الأصغر؟ أم أن الحلف بغير الله من الشرك الأكبر؟ ها جماعة. الجواب: كلام شيخ الإسلام رحمه الله يحتمل أحد أمرين. أولًا: أن مقصود شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: «فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات»، قال: «والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات»، فيكون مقصوده رحمه الله تعالى هو بمنزلته باعتبار ما لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة. واضح جماعة. أو بمنزلته باعتبار انعقاد النذر وعدمه، وباعتبار كفارة وعدمها. واضح جماعة. هذا أمر، واحتمال آخر: أن كان أولًا أظهر منه. قد يقال: في الحلف إذا كان من الحلف الذي يخرج صاحبه من الملة، كأن يحلف بغير الله جل وعلا معظما لهذا المحلوف كتعظيمه لله جل وعلا أو أعظم، فإنه يكون من باب الشرك الأكبر. وإذا كان كذلك، فيكون كذلك سواء في الشرك. واضح هذا جماعة. فالحاصل: أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله: «فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات»، المراد أحد احتمالين، وإن كان الأول أظهر، وإن كان الأول أظهر. لماذا؟ لأن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أراد أن يقرر أن النذر لغير الله لا ينعقد، كما أن الحلف لغير الله لا ينعقد. وإذا كان لا ينعقد، فليس فيه كفارة، كما أن الحلف لغير الله ليس فيه كفارة. واضح هذا جماعة. قال رحمه الله تعالى: «وقال فيما النذر للقبور ونحوها دهنا لتنور به، ويقول: إنما تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين». وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالًا لاستدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبها من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. قوله: «وقال فيما النذر للقبور ونحوها دهنا لتنور به»، وهذا كان عادة الناس في تلك الأزمان، وإلى أزمان قريبة. وما أدري في هذه الأيام: ما زالت هذه العادة موجودة أم لا؟ موجودة هذه الأيام في بعض الأماكن دون بعض. فالحاصل: أن كثيرًا من الناس من هؤلاء القبورية أو ممن تأثر بهؤلاء القبورية، تجدهم ينذرون لهؤلاء الأولياء ولأصحاب القبور بإسراج السرج لأجلهم. فيقول بعضهم: «نذرت أن إذا شفي مريضي أن أوقد مئة سمعة أو كذا وكذا أو ما شابه ذلك». إسراج أشياء عند القبور، إسراج أشياء عند القبور. وقوله رحمه الله تعالى: «دهنا للتنوير لتنور به»، كان في الأزمان السابقة: كانت الأنوار من الدهن، كانت الأنوار تستخدم من الدهن. وهذا كذلك كان موجودًا إلى أزمان قريبة. ويقول: «إنها تقبل النذر كما يقول بعض الضالين». ما معنى يا جماعة: «تقبل النذر»؟ هذا كما مر معنا مرارًا: «تقبل النذر» أي أنها تقبل العبادة، تقبل العبادة. وإذا كانت تقبل العبادة، أي تقبل توابع ذلك مما مر معنا فيما كان ينظره المشركون الأول من اعتقاد أنها تقبل النذر، فإذا كانت تقبل النذر، فترفع إليها الحوائج، وكذلك يستشفع بها. واضح هذا جماعة. فقولهم: «إنها تقبل النذر»، فمعناه: أنها تقبل هذه العبادة، أنها تقبل هذه العبادة. قال: «وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين، معصية باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به». لماذا؟ لأنه نذر لله أن يذبح في مكان يعبد فيه غير الله. واضح جماعة. فإذا كان النذر لغير الله، فمن باب أولى أنه لا يجوز الوفاء به. واضح جماعة. إذا كان النذر لله في مكان يذبح فيه لغير الله، لا يجوز الوفاء به، فما كان النذر فيه لغير الله، هل يجوز الوفاء به؟ لا يجوز، من باب أولى وأحرى. وضح للجماعة. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك إذا نذر مالًا للسدنة». السدنة: هم الذين يقومون على القبور من إسراجها والقيام بما تحتاجه من فرش وتنظيف إلى غير ذلك. هؤلاء يقال لهم: السدنة. وهذا كان في زمن المشركين يقال لهم: السدنة، أو عند المشركين الأول، وهم كذلك اليوم. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك إذا نذر مالًا للسدنة». نذر مالًا للسدنة: «نذرت لإن شفى الله مريضي، لأعطينا للسدنة أو للسدنة على قبر فلان كذا وكذا من المال أو كذا وكذا من الإبل أو من البقر أو من الغنم أو ما شابه ذلك». هذا من نذر المعصية. واضح جماعة. لأنه نذر لله أن يعطي أولئك السدنة. لا يجوز الوفاء بهذا النذر. لماذا؟ لأنه من نذر المعصية. قال: «أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة». لماذا؟ لسبب نفسه. قال: «فإن فيهم شبها من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله». قال الأذرعي: «وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك -وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة- تعظيم البقعة والمشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد». فإن معتقدهم: «أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء ويستجلب به النعماء ويستشفى بالنذر لها من الأدواء». حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل: إنها اجتمع إليها عبد صالح. وينذرون لبعض القبور بالسرج والشموع والزيت، ويقولون: «القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر». يعنون بذلك: أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب وسلامة مال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة. فهذا النذر على هذا الوجه باطل، لا شك فيه. بل نذر الزيت والسرج ونحوهما للقبور باطل مطلقًا. قال رحمه الله تعالى: «وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة، فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان، إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي أو قضى حاجتي، فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع والزيت كذا». فهذا النذر باطل بالإجماع. الوجوه منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. طيب، هذا أول وجوه المنع: أنه نذر لمخلوق، نذر لغير الله جل وعلا. قال: «والنذر للمخلوق لا يجوز». لماذا؟ قال: «لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق». فصرف العبادة لغير الله جل وعلا: شرك بالله. هل هو من الشرك الأصغر؟ أم أنه من الشرك الأكبر؟ من الشرك الأكبر. واضح جماعة. قال رحمه الله تعالى: «ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك». معنى هذا: أنه إنما نذر للميت؛ لأنه اعتقد أن الميت ينفع، والميت لا ينفع. واضح جماعة. اعتقاد نفع في ميت: هذا من عقائد المشركين، اعتقاد في غير الله جل وعلا أنه يملك شيئًا من النفع أو الضر. وهذا باطل، ومنكر، ومن الشرك الأكبر بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر». قوله: «ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر». كما تقدم معنا: اعتقاد أن للميت تصرف في الكون، اعتقاد أن للميت تصرفًا في الكون من جلب نفع أو دفع ضرر، وهذا اعتقاد باطل؛ لأن هذا من خصوصيات ربنا جل وعلا. فاعتقاد ذلك في غير الله جل وعلا كفر. واضح جماعة. قال رحمه الله تعالى: «إلى أن قال: إذا علمت هذا، فما يأخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليها، فحرام بإجماع المسلمين». نقله عنه ابن نجيم في «البحر الرائق»، ونقله المرشدي في «تذكرته»، وغيرهما عنه. وزاد: «وقد ابتلي الناس بهذا، لا سيما في مولد البدوي». وقال الشيخ صنع الله الحلبي: «يا جماعة، طيب بالنسبة لهذا البدوي -البدوي الذي يعبد في مصر- يعبد في مصر في منطقة كان زمانًا يسمونها: «منطقة طنطا» -يعني المسلمون عندهم تصرف في بعض الحروف- الحاصل: أن هذا البدوي ذكر في ترجمته عجائب. من أصح ما روي في ترجمته: ما ذكره المقريزي رحمه الله تعالى عن شيخه أبي حيان الأندلسي، عن شيخه أبي حيان الأندلسي رحمه الله تعالى: أنه قال: «أتاه الأمير فاستحثه إلى زيارة هذا البدوي -إلى زيارة هذا البدوي اسمه أحمد بن علي البدوي، وأصله من الشام- قال: فدخلنا عليه، فإذا هو رجل طويل، وعليه هيئة وعمامة كبيرة، إلى غير ذلك من الأوصاف». قال: «فجلسنا عنده ما شاء الله، وإذا بالناس يتقربون إليه أفواجًا». قال: «حتى إذا جاء وقت الجمعة، قلنا: ننطلق إلى الجمعة». قال: «فانطلق معهم إلى الجمعة». قال أبو حيان: «حتى إذا فرغ خطيب من خطبته، وأقيمت الصلاة لنصلي، قام أمام الناس، فكشف عورته أمام الناس، وجعل يتبول على ثيابه أمام الناس». قال: «والناس ينظرون». قال: «ثم جلس في مكانه». قال: «وصلينا وهو على مكانه، وهو على هيئته». قال بعضهم الذي نقل هذا الكلام: فقال عبارة -يعني يا جماعة عجيبة- بعد أن ذكر هذه الشيء المخزي، ذكر عبارة معناها: «وهكذا بركات الأولياء». يتبركون يتبركون ببركات هؤلاء الأولياء. هذا إن دل على شيء، دل على أن هؤلاء الذين يزعمون بأنهم أولياء: هم من أفجر الناس، وأبعد الناس عن الله جل وعلا. وهذا مضاف لما ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى من الفرق بين عبادة المشركين، وأنهم كانوا يعبدون إما صالحين أو ليسوا بمذنبين وعاصين. أما مشركو زماننا، فإنهم يعبدون من أفجر الناس. قال رحمه الله تعالى: «وقال الشيخ صنع الله الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان، فهو لغير الله، فيكون باطلًا». وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. «والنذر لغير الله إشراك مع الله، كالذبح لغيره». والله أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.