الدرس في شرح فتح المجيد 22، ألقاها
يشرح معنى شهادة لا إله إلا الله وضرورة العمل بمقتضاها، ويبين حال المشركين الذين ينطقون بالشهادة ولكنهم يجهلون معناها ويقعون في الشرك بالله. كما يقارن بين شرك المشركين الأوائل ومشركي العصر الحديث.
يتناول الفروق بين مشركي العرب ومشركي العصر الحديث، حيث يبين أن مشركي العصر الحديث أكثر جهلا بالله وتوحيده ويشركون في الربوبية والألوهية. كما يشير إلى أن مشركي العصر الحديث أشد وأعظم شركا بسبب استمرارهم في الشرك في الرخاء والشدة.
يتطرق إلى معنى العبودية الخاصة بالنبي محمد ومراتبها، ويبين أن الله تعالى جمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين العبودية الخاصة وبين الرسالة، مشيرا إلى مناقب ومزايا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه وإخوانه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حديث: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي»، ما حاله؟ يا جماعة، البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي، حديث حسن، طيب. حديث حسن، حسن العلم، الألباني وغيره، فبخيل من ذكر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصلي عليه. طيب، يا جماعة، فإذا قلنا «صلى الله عليه وسلم» كما قال أهل العلم، أقل الأحوال أن يصلى عليه في المجلس مرة واحدة، هذا على سبيل الوجوب، وما بعدها على سبيل الاستحباب، على قول بعض أهل العلم. وإن أهل العلم يقولون: إنه واجب عند كل ذكر. والصح من أقوال أهل العلم: أنه في المجلس واحد، كما رجحوا، جماعة من المحققين، في المجلس الواحد، إذا قيل: «قال رسول الله»، أن يصلي عليه مرة واحدة وجوبا، وما بعد المرة يكون استحبابا. واضح هذا، يا جماعة. توقفنا عند قوله رحمه الله تعالى. وقوله: «وأن محمدا عبده ورسوله»، وقوله -أي في الحديث السابق الذي نحن بصدده-. قوله رحمه الله تعالى: فقوله في الحديث «وحده لا شريك له» تأكيد وبيان لمضمون معناها، تأكيد وبيان لمضمون معناها. كما تقدم أن «وحده» توكيد للإثبات، و«لا شريك له» توكيد للنفي، فتوكيد بعد توكيد لبيان عظيم مقام التوحيد. قال: وبيان لمضمون معناها. فكما هو واضح ومر معنا وتقرر: أن المقصود من «لا إله إلا الله» ليس مجرد أن ننطق بها باللسان دون أن يتعلم أو أن يعلم الإنسان معناها، وأن يعمل بمقتضاها، والتزم بمقتضى هذه الشهادة، بل مقصود أن ينطق بها لسانه، وأن يقر بها جنانه، وأن يعمل بها ظاهرا وباطنا. قال رحمه الله تعالى: وقد أوضح الله تعالى ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه المبين. والناظر في القرآن من أوله إلى آخره، في قصص الأنبياء، وما جرى لهم مع قومهم، وكيف كانت العاقبة للمتقين، بيان لهذا المعنى: من أن الرسل من أولهم إلى آخرهم جاءوا داعين إلى أقوامهم إلى توحيد الله عز وجل، وإلى إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده، فحصل بينهم وبين أقوامهم ما حصل، وكانت العاقبة لأولياء الله عز وجل، ولأهل توحيده، ولأهل طاعته. قال رحمه الله تعالى: «فما أجهل عباد القبور»، فما أجهل عباد القبور بحالهم، وما أعظم ما وقعوا فيه، ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص «لا إله إلا الله». هكذا جاء في نسخة أخرى: «فما أجهل عباد القبور بحالهم». هذا من التعجب، تعجب من الشيخ رحمه الله تعالى إذ يقول: «ما أجهل هؤلاء بحال أنفسهم»، بحال ماذا؟ أنفسهم. «وكفى بالمرء جهلا أن يجهل حاله»، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل ماذا؟ أن يجهل حاله، وأن يجهل دينه، وأن يجهل أمره، فهو كحال البهيمة، لا يدري لما خلق. فهؤلاء من أجهل الناس بأنفسهم، ومن أجهل الناس بربهم عز وجل، فهم لم يعلموا حقيقة ما خلق له، لم يعلموا حقيقة ما خلق له، وهو التوحيد، وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة. بل ظن أولئك المساكين أن معنى «لا إله إلا الله»: أنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله، أو لا قادر ولا مخترع، ولا قادر على الاختراع إلا الله. فلم يعلموا الحقيقة التي لأجلها خلق الله عز وجل الثقلين، الجن والإنس. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وهؤلاء ما علموا هذه الحقيقة، بل هم في ظلمات يتخبطون، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الجهل والشرك بالله عز وجل، وصاروا عبادا لغير الله عز وجل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. قال الله عز وجل في حال هؤلاء وأمثالهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، يحسبون أنهم يحسنون صنعا بالتقرب إلى أصحاب القبور، والتعبد لأصحاب القبور، يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله». فحال هؤلاء كحال أولئك تماما، سواء بسواء. قال رحمه الله: «وما أعظم ما وقعوا فيه»، أي من الشرك بالله عز وجل، ومن صرف العبادة التي هي خالصة لله عز وجل إلى غير الله عز وجل. قال: «فإن مشركي العرب»، فإن مشركي العرب ونحوهم جحدوا «لا إله إلا الله» لفظا ومعنى. ومعنى جحدوها: أنهم علموا معناها فأنكروها، فكان إنكارهم عن علم؛ لأن الجحود هو إنكار عن علم، بخلاف الإنكار، قد لا يكون عن علم. فإن كان أو اقترن بعلم، فهو جحود، ولا يكون إنكارا. قال ربنا عز وجل في أمر فرعون وأصحابه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ* وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، فلما جاءتهم آياتنا مبصرة -أي واضحة جلية- ماذا قالوا؟ «هذا سحر مبين». وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم -هم يعلمون أن الحق بما جاءت به الرسل وبما جاء به موسى- ولكنهم جحدوا ذلك. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، فكان السبب في ذلك ظلمهم لأنفسهم، وظلمهم في حق الله عز وجل، فكان منهم ما كان من الشرك بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: لفظا ومعنى. قال: «فإن مشركي العرب ونحوهم» -وقوله رحمه الله تعالى: «ونحوهم»، أي من المشركين من المشركين، من مشركي نصارى ومشركي اليهود- قال: «جحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى». طيب. قال: «وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظا وجحدوها معنى». قوله: «وهؤلاء المشركون» -أي عباد القبور، أي عباد القبور- قال: «أقروا بها لفظا»، نطقوا بـ «لا إله إلا الله»، نطقوا بـ «لا إله إلا الله». قال: «ولكن ماذا؟ وجحدوا بها معنى»، وجحدوا بها معنى. فصدر منهم الشرك البواح في حق الله عز وجل، فعبدوا غير الله عز وجل. وإذا قيل لهم: «هذا هو الشرك بعينه، وهذه عبادات لا يلقون صرفها لغير الله عز وجل»، أنكروا، وحصل منهم ما حصل من النفور، بل حصل منهم ما حصل من العداوة، بل والقتال والمقاتلة، لأجل، لأجل ماذا؟ لأجل أن يبقوا على ما هم عليه من الشرك. فعادوا أهل التوحيد، وقاتلوا أهل التوحيد، ونفروا عن أهل التوحيد، حالهم كحال المشركين الأول، تماما، سواء بسواء. فالمشركون الأول ماذا حصل منهم؟ حاربوا أهل التوحيد، حاربوا الأنبياء وأتباعهم. وهؤلاء كذلك حصل منهم المحاربة لأهل التوحيد، فحاربوا أهل التوحيد، إبقاء لأنفسهم على الشرك، وهم يعلمون أنه شرك، وأنها عبادات لا يقود صرفها لغير الله عز وجل. فكان هذا من المشاكلة والمشابهة بين أولئك وبين هؤلاء. وأولئك هؤلاء انتصروا لشركهم، وأولئك كذلك انتصروا لشركهم. هؤلاء عادوا أهل التوحيد، وأولئك كذلك عادوا أهل التوحيد. قال رحمه الله تعالى: «فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يَقُولُهَا وَهُوَ يَأْلَهُ غَيْرَ اللَّهِ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كَالْحُبِّ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُلِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ». فتجد أحدهم -أي من عباد القبور- يقولها -أي يقول «لا إله إلا الله»- بماذا؟ بلسانه، ينطق بـ «لا إله إلا الله» بلسانه، وهو يأله غير الله بأنواع العبادات. أي: وهو يتعبد إلى غير الله عز وجل، ولغير الله عز وجل، بأنواع من العبادات. فيقول بلسانه: «لا إله إلا الله»، وهو يطوف حول القبر، يقول: «لا إله إلا الله» بلسانه، وربما تمسح وتمرغ بأتربة الموتى، يقول: «لا إله إلا الله» بلسانه. وقرب الذبائح والنذور والقربات لأولئك أصحاب القبور، يقول: «لا إله إلا الله» بلسانه، وهو يستغيث ويدعو خوفا وطمعا أولئك المقبورين. فأين «لا إله إلا الله» من هذا؟ فأين «لا إله إلا الله» من هؤلاء؟ قال رحمه الله تعالى: «بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كَالْحُبِّ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ حَتَّى بَلَغَ بِأَحَدِهِمْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَعَلَ جُرْمًا فَقِيلَ لَهُ: احْلِفْ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، حَلَفَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: احْلِفْ بِالسَّيِّدِ الْفُلَانِيِّ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْلِفَ، مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْلِفَ خَوْفًا وَتَعْظِيمًا مِنْ صَاحِبِ الْقَبْرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَبْرِ». فصار تعظيمهم لأصحاب القبور في قلوبهم أعظم من تعظيمهم لمن لله رب العالمين. إذا قيل له: «احلف بغير الله عز وجل كاذبا»، ما استطاع. وإذا قيل له: «احلف بالله عز وجل وهو كاذب»، حلف بالله عز وجل، ولا يبالي بذلك. أليس هذا من التعظيم للمخلوق فوق تعظيم الله عز وجل؟ الجواب: نعم، هذا من تعظيم المخلوق فوق تعظيم الله جل وعلا. وكذلك خوفه، وكذلك رجاؤه، خوفه ورجاؤه من المخلوق فوق أو مثل خوف الله عز وجل أو أعظم. قال: «والتوكل والدعاء وغير ذلك من أنواع العبادة». قال: «بَلْ زَادَ شِرْكُهُمْ -أَيْ زَادَ شِرْكُ مُشْرِكِي الزَّمَنِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَى شِرْكِ الْعَرَبِ بِمَرَاتِبَ». ما هي هذه المراتب؟ قال رحمه الله تعالى معللا: «فَإِنَّ أَثَرَهُمْ -أَيْ أَثَرَ الْقُبُورِيَةِ- إِذَا وَقَعَ فِي الشِّدَّةِ أَخْلَصَ الدُّعَاءَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَخْلَصَ الدُّعَاءَ لِمَنْ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الْكَرْبُ وَنَزَلَتْ بِهِمُ الْمُضَائِقُ، التَجَأُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدَعَوْا وَاسْتَغَاثُوا بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». قال: «وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ أَسْرَعُ فَرَجًا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَسْرَعُ فَرَجًا لَهُمْ». قال: «فِي نُسْخَةٍ: مِنْ اللَّهِ». قال: «بِخِلَافِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ، بِخِلَافِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ، فَإِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي الرَّخَاءِ، وَأَمَّا فِي الشَّدَائِدِ فَإِنَّهُمْ يُخْلِصُونَ لِلَّهِ وَحْدَهُ». وكما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. فمشركو العرب كان شركهم -كما هو ظاهر- في حال الرخاء، في حال ماذا؟ في حال الرخاء. أما وقت الشدة ووقت الكرب، فكانوا يخلصون العبادة لله عز وجل وحده، كما في هذه الآية ونحوها. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أخلصوا العبادة لله عز وجل، أخلصوا الدين لله عز وجل. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، إذا جاء الرخاء أشركوا بالله عز وجل. ويروى: أن عكرمة بن أبي جهل، حينما فتحت مكة وفر هاربا، وركب في السفينة، واضطربت السفينة، وحصل ما حصل من الأهوال في السفينة والموج. قال بعضهم لبعض: «لا ندعو اليوم إلا الله عز وجل وحده، فإنه هو الذي ينجينا من هذا الكرب». فقال عكرمة: «إذا كان في الشدة لا ينفعنا إلا هو، ففي الرخاء إذا لا ينفعنا إلا هو». قال: «والله لئن نجاني الله عز وجل لأضع يدي في يد محمد، ولأجده كريما سمحا»، أو كما قال، أو كما قال -رضي الله عنه وأرضاه-. فلما نجاه الله رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، وحسن إسلامه. يعني: كانوا إذا اضطربت بهم السفن، وحصل بهم الكرب، لجأوا إلى من؟ إلى الله عز وجل، وتركوا عنهم ما كانوا يعبدون، ما يعرفون أحدا، ولا ينظرون إلى شيء من الآلهة التي كانوا يعبدونها، بل كانوا يخلصون الدين لله عز وجل. فإذا كان وقت الرخاء، فإذا كان وقت الرخاء رجعوا إلى عبادة غير الله عز وجل. بخلاف مشرك زماننا، فإنهم يرجعون إلى غير الله عز وجل، ويرجعون إلى غير الله عز وجل في الرخاء وفي الشدة، في الرخاء وماذا؟ وفي الشدة. بل إذا نزلت بهم الشدائد، يعتقدون أن غير الله عز وجل أنفع لهم من الله عز وجل، وأقرب استجابة لهم من الله عز وجل. فكان شرك هؤلاء أشد شركا من شرك المشركين الأول. وقد تقدم معنا في «كشف الشبهات» كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- أنه قال: «إن شرك المشركين، إن شرك أهل زماننا أشد شركا من مشركي العرب». وذكر لذلك أمرين. وذكر لذلك أمرين: الأمر الأول: أن مشركي العرب كان شركهم في الرخاء، لا في الشدة. وأما مشركو زماننا، فإن شركهم في الرخاء وماذا؟ وفي الشدة. الأمر الثاني: ذكر رحمه الله تعالى الأمر الثاني، فقال: «إن مشركي العرب كانوا يعبدون إما أناسا صالحين، أو غير عاصين»، إما صالحين -كالأنبياء والملائكة والصالحين- وإما غير عاصين -كالشجر والحجر والشمس والقمر-. ووضح هذا، يا جماعة. قال: «وأما مشركو زماننا، فإنهم يعبدون أفتق الناس»، يعبدون ماذا؟ أفتق الناس. الناظر في أوليائهم الذين يزعمون أنهم أولياء، كثير منهم هم من أفتق الناس، وأبعد الناس من الله عز وجل، ويقولون: «إنهم أولياء»، ويقولون: «إنهم أصحاب الكرامات»، ويقولون: «إنهم أصحاب المقامات»، إلى غير ذلك. وهم أفسق، وهم ماذا؟ من أفسق الناس. خذ على ذلك مثالا: الحلاج الخبيث، هذا من أهل الكرامات، ومن أهل ماذا؟ من أهل المقامات. وقد أجمع العلماء أجمع العلماء في زمانه على زندقته، على ماذا؟ على زندقته. وقتل مرتدا، وقتل ماذا؟ مرتدا. ماذا من زعمائهم؟ ومن أصحاب ماذا؟ ومن أصحاب المقامات. هذا الفرق بين مشركي العرب وبين مشركي زمان الشيخ -رحمه الله تعالى- وقبل زمانه، وإلى زماننا هذا. وفرق ثالث أيضا: وفرق ثالث بين مشركي العرب وعباد القبور: أن مشركي العرب كان شركهم في الألوهية، شركهم في ماذا؟ في الألوهية. أما في الربوبية، فإنهم ماذا؟ يعلمون أن الله عز وجل هو الخالق، الرازق، المدبر، وحده. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فهم يخلصون في هذا الباب -أي في باب توحيد الربوبية- يقولون: «إن الله عز وجل هو الخالق وحده لا شريك له، هو الرازق وحده لا شريك له، هو الآمر المدبر وحده لا شريك له». ولكنهم يشركون في ماذا؟ في الألوهية. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. أما مشركون -المشركون من القبورية- فإنهم ماذا؟ فإنهم يشركون في الإلهية، ويشركون كذلك في ماذا؟ في الربوبية. فهم يسألون من أصحاب القبور المدد، ويسألون من أصحاب القبور الرزق، ويسألون من أصحاب القبور تفريج الكربات، ويسألون من أصحاب القبور رفع الدرجات، إلى غير ذلك، بالمعاني التي هي من خصائص الربوبية، التي هي من خصائص ماذا؟ الربوبية. فهم يشركون بالله عز وجل في توحيد الربوبية، ويشركون بالله عز وجل كذلك في توحيد الإلهية. هذه بعض الفروق بين مشركي العرب الأول وبين المشركين من القبورية المتأخرين. قال رحمه الله تعالى: «فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُشْرِكِي أَهْلِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ أَجْهَلُ بِاللَّهِ وَبِتَوْحِيدِهِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ»، أي ومن قبلهم من المشركين الذين بعث فيهم الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-. قال رحمه الله تعالى: وقوله: «وأن محمدا عبده ورسوله»، أي: وشهد بذلك. قال: وهو معطوف على ما قبله، على نية التكرار، العامل على نية تكرار العامل. أي: «شهد أن لا إله إلا الله»، وشهد أن محمدا عبده ورسوله. فتكرار العامل هو ماذا؟ «وشهد». واضح، يا جماعة. قال: «ومعنى العبد هنا»، أي في قوله: «وأن محمدا عبده ورسوله». قال: «المملوك العابد»، المملوك العابد، العابد -أي المتعبد لربه عز وجل-. وقد قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في العبد: «هو الذي قد ملك المحبوب رقة»، هو الذي قد ملك المحبوب رقة، «فلم يبق له شيء من نفسه، بل كله عبد لمحبوبه ظاهرا وباطنا»، بل كله عبد لمحبوبه ظاهرا وباطنا. «وهذا هو حقيقة العبودية»، وهذا هو حقيقة العبودية. «ومن كمل ذلك»، أو «من كمل ذلك فقد كمل مرتبتها»، فقد كمل مرتبتها. قال رحمه الله تعالى: «ومعنى العبد هنا المملوك العابد»، أي: معنى قوله: «وأن محمدا عبده ورسوله»، أي: أنه مملوك لربه عز وجل، وأنه عابد لربه عز وجل. وهو -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أعظم من حقق العبودية، فهو أعبد الناس لربه عز وجل. «إني لأخشاكم لله وأثقاكم له»، هكذا قال -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. قال رحمه الله تعالى: «ومعنى العبد هنا المملوك العابد»، أي: أنه مملوك لله تعالى، أنه مملوك لله تعالى. قال: «والعبودية الخاصة وصفه»، والعبودية الخاصة وصفه -أي وصفه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-. والعبودية -كما عرفها العلامة ابن القيم- رحمه الله تعالى، فقال: «وحقيقة العبودية: الحب التام مع الذل التام، والخضوع للمحبوب»، والخضوع للمحبوب. «هذه هي العبودية»، وهذا هو «أو هذه هي حقيقة العبودية». وقال رحمه الله تعالى: «والعبودية الخاصة وصفه». فيه إشارة إلى أن العبودية على أقسام، على أن العبودية على أقسام: عبودية عامة، وهي عبودية الملك والقهر، وهي عامة لكل مخلوق. كما قال الله -كما قال الله جل وعلا-: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، إلا آتي الرحمن عبدا. هذه عبودية القهر، وعبودية الملك. فالله عز وجل مالك لكل شيء، وقاهر على كل شيء. والعبودية الخاصة: عبودية أهل الإيمان، عبودية أهل الإيمان. وعبودية أخص: هي عبودية الأنبياء والرسل والصالحين وأهل التقوى. وعبودية رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، من العبودية الخاصة، بل هي من أخص الخاصة. لذا ذكر ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بهذا الوصف في أعلى المقامات، وفي أجل المقامات: في مقام الدعوة إلى الله عز وجل، وصفه الله عز وجل بوصف العبد. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. وكذلك في مقام الإسراء والمعراج، قال ربنا جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وكذلك في مقام التحدي للمشركين في القرآن بأن يأتوا بمثله، قال: ﴿فَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾. وهكذا في مقامات جليلة يذكر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بهذا الوصف العظيم، إشارة إلى أن هذا الوصف من أجل الأوصاف، الذي وصف به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: قال: «والعبودية الخاصة وصفه»، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، وهذا كذلك من المقامات التي ذكر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بهذا المقام. قال: «فَأَعْلَى مَرَاتِبِ الْعَبْدِ الْعُبُودِيَّةُ الْخَاصَّةُ وَالرِّسَالَةُ هَذَا أَعْلَى مَقَامَاتِ الْعَبْدِ»، فأعلى مقامات العبد مع ربه عز وجل: العبودية. وأشرف ما يكون بين الخالق والمخلوق: الرسالة. وقد جمع ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، جمع له بين العبودية الخاصة وبين الرسالة. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا.