الدرس في شرح فتح المجيد 133، ألقاها
يروي الطفيل رؤيا وأمر النبي بتصحيح عبارة 'ما شاء الله وشاء محمد' إلى 'ما شاء الله وحده'. نهى النبي عن العبارة الأولى لما فيها من إشكال في التوحيد.
يناقش المقطع مسألة سب الدهر وتأثيرها على التوحيد، مشيرًا إلى أن سب الدهر قد يكون شركًا أو نقصًا لله حسب اعتقاد الشخص. يستشهد بحديث يرويه أبو هريرة عن الله تعالى.
يفسر المقطع حديث 'لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر' ويوضح سبب النهي عن سب الدهر، ويبين أن الدهر ليس من أسماء الله الحسنى. يفرق بين سب الدهر والإخبار عن حال الزمان.
يناقش المقطع معاني الألفاظ في الشعر العربي ومدى توافقها مع الشريعة، ويشير إلى خطأ ابن حزم في اعتبار الدهر من أسماء الله الحسنى استنادًا إلى حديث نبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: ولذا ما جاء عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: رأيتك أني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير، بن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله وحده. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله عن الطفيل أخي عائشة لأمها، هو الطفيل بن عبد الله بن سخبرة، أخو عائشة لأمها، صحابي له حديث عند ابن ماجه، وهو ما ذكر المصنف فيه في الباب، وهذه الرؤية حق أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها، فنهاهم أن يقولوا ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا ما شاء الله وحده. قال المصنف رحمه الله تعالى: ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في ضمن هذا الباب باب قول أي قول القائل ما شاء الله وشئت، وتقدم معنا أن هذا فيه تسوية باللفظ لأن الواو تفيد ذلك، وذكر رحمه الله تعالى في ضمن هذا الباب ذكر إلى جانب حديث قتيلة كذلك ذكر حديث الطفيل، وخلاصته أنه رأى رؤية وذكر في رؤيته أنه عاتب اليهود ثم عاتب النصارى، وهم كذلك عاتبوه بأنهم قالوا وأنتم القوم وأنتم لأنتم القوم إلا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، هذه رؤية، وكما هو معلوم أن الأصل في الرؤى من غير الأنبياء أنها إما بشارة وإما نذارة، ولا يأخذ منها شرع، ولكن هذه الرؤية لما قصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم دل على أنها حق وأنها من الشرع. قال الشارح رحمه الله تعالى: وهذه الرؤية حق أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها، وهذا يدل على أنها حق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما عمل بمقتضاها يدل على أنها حق، قال: فنهاهم أن يقولوا ما شاء الله وشاء محمد لماذا؟ لأن لفظ ما شاء الله وشاء محمد كما تقدم معنى تدل على مطلق التسوية، وإن لم يكن القائل يعتقد هذه التسوية، لكن اللفظ لفظ خاطئ، إذا قال وأمرهم أن يقولوا ما شاء الله وحده، ما شاء الله وحده أي إذا أخبروا عن شيء لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عمل أو مشيئة يقولون ماذا؟ ما شاء الله وحده. قال: لأن المشيئة المطلقة لا تكون إلا لله جل وعلا، فلعل هؤلاء كانوا يخبرون عما كان شاءه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كانوا يسوون باللفظ، مثلا يفعلون أشياء من الأمور فيقول شاء الله ورسوله، شاء الله ورسوله كذا، يقول لم يشأ الله ورسوله، فيطلقون اللفظ بهذا الاعتبار، باعتبار أن هذا الشيء شاءه الله وكذلك شاءه رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان يطلقون اللفظ بهذا الاعتبار، لذا علمهم النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا أن يقول ما شاء الله، شاء الله ثم شاء فلان، ما شاء الله ثم شاء فلان، أما في الأشياء التي هي من مشيئة الله المحضة، فإنهم يقولون ماذا؟ ما شاء الله وحده، ما شاء الله وحده، وشاء الله وشاء فلان، شاء الله وشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما شابه ذلك، رفض هذا رحمه الله. قال: وهذا الحديث والذي قبله أمرهم أن يقولوا ما شاء الله وحده، ولا ريب أن هذا أكبر في الإخلاص وأبعد عن الشرك من أن يقولوا ثم شاء فلان، لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد من كل وجه، فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص. قال: قوله كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، ورد في بعض الطرق أنه كان يمنع الحياء منهم، وبعد هذا الحديث الذي حدثه به الطفيل عن رؤياه خطبهم صلى الله عليه وسلم فنهى عن ذلك نهيا بليغا، فما زال صلى الله عليه وسلم يبلغهم حتى أكمل الله له الدين وأتم له به النعمة وبلغ البلاغ المبين. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال: ورد في بعض الطرق أنه كان يمنعه الحياء، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع هذا من الصحابة رضي الله عنهم يقول ما شاء الله وشاء محمد، ولكن كان يمنعه الحياء، قال العلماء رحمهم الله تعالى: وهذا يحمل أن هذا الأمر كان في أوله، كان في أول الأمر لم يكن بعد أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن هذا الأمر، ثم لما جاء لما حصل من الطفيل ما حصل وأخبره بما أخبر نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك كان هذا الأمر منهيا عنه وظهر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار معلوما معروفا بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: فما زال صلى الله عليه وسلم يبلغهم، وهذا يدل على أن الشرع جاء ماذا؟ تدريجا، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغهم حتى أكمل الله له الدين وأتم له به النعمة وبلغ البلاغ المبين. قال: وفيه معنى قوله صلى الله عليه وسلم: الرؤية الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، قلت: وإن كانت رؤية منام، فهي وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرا ونهيا والله أعلم، وهذا إذا كانت هذه الرؤية من رؤية الأنبياء، فإن رؤية الأنبياء حق، أما رؤية غير الأنبياء، وإن كان من كبار الصالحين، فإنه لا يستفاد منها شرع، لا أمرا ولا نهيا، ولكن كما سمعتم يستأنس بها أو يحذر منها إن كانت في خير يستبشر، فهي بشارة، وإن كانت في شر فهي كما قيل نذارة. قال: وأما بالنسبة لهذا الحديث خاصة، أو الأحاديث التي قيلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الرؤى التي رؤيت وأخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل بها أو فسرها، فإن هذه يؤخذ منها شرع، لماذا؟ لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها، هذا الحديث منها، وكذلك ما جاء حينما تواطأت رؤيا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في ليلة القدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت هذه الليلة، فأمرهم بعد ذلك بماذا؟ بأن يتحروها، أمرهم بعد ذلك بأن يتحروها، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم إقرار لهذه الرؤية بأنها ماذا؟ بأنها حق. قال: فالحاصل أن الشرع لا يثبت إلا بوحي، فالحلال ما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحرام ما حرمه صلى الله عليه وسلم، والشرع ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغا به عن ربه جل جلاله سبحانه وتعالى، فهذا خلاصة ما يقال في هذا المقام. قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله، قوله رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله، لأن سب الدهر هذا الباب ذكره الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، لأن سب الدهر يتضمن الشرك بالله جل وعلا، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا في الكلام على أقسام من سب الدهر، إما أن يكون سب الله جل وعلا، وإما أن يكون أشرك بالله، إما أن يكون سب الله جل وعلا لأنه إن اعتقد أن الفاعل الذي سبه هو الله جل جلاله، فإنه يكون قد سب الله جل وعلا، وإن كان يعتقد أن غير الله جل وعلا هو الذي يفعل في هذا الكون ما يفعل، فإنه أشرك بالله جل وعلا. قال: لكن قد يقول قائل: جرى أو يجري على ألسنة بعض الناس نوع سب للدهر، ولا يعنون هذا ولا هذا، واضح، جماعة، ملا يعني ربما حصل لبعض الناس أنهم يذمون ماذا؟ الدهر، من حيث لا يشعرون، من حيث لا يشعرون، لكن لا يريدون بسببهم للدهر، لا يعنون، لا ينظرون إلى المعنى، وإنما حصل ما حصل منهم لفظا دون أن يكون حصل مراعاة للمعنى، كأن يقول قائل: هذا الزمان زمان أو هذا الدهر أو هذا الزمان زمان سوء أو زمان شر أو ما شابه ذلك من هذه الإطلاقات، فالحاصل أنه إذا لم يرد المعنى، وإنما جرى على لسانه، فإن هذا لا يكون من الشرك الأكبر، فإنه لا يكون من الشرك الأكبر، فيكون من قسم شرك الألفاظ. قال: وإن كان يعتقد المعنى، فكما سبق لا يخلو من أحد محذورين، إن اعتقد أن الفاعل لما يجري في الدهر هو الدهر، أي ليس هو الله جل وعلا، فإن هذا شرك بالله جل وعلا، وإن كان يعتقد أن الفاعل هو الله جل وعلا وسب الفاعل، فهو يسب الله جل وعلا، فيكون متنقصا لله جل وعلا، بجميع الاعتبارات، إلا أن اعتبارات مراعاة المعنى شرك أكبر وكفر مخرج من الملة، بخلاف ما جرى على اللفظ أو جرى اللسان من غير مراعاة المعنى، فإن هذا قد يكون من نوع الشرك الأصغر، ولا يكون من نوع الشرك الأكبر، والله أعلى وأعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: يؤذيني بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر يقلب الليل والنهار، وفي رواية: لا تسب الدهر فإن الله هو الدهر. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال العماد بن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار ومن وافقه من مشركي العرب في إنكار المعاد، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ما ثم إلا هذه الدار يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشرك العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون بالصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: وما يهلكنا إلا الدهر، قال سبحانه: وما لهم بذلك من علم، إنهم إلا يظنون أن يتوهمون ويتخيلون. قال: فهؤلاء كما ذكر العماد بن كثير رحمه الله تعالى: الدهرية، وكذلك مشركوا العرب الذين كانوا ينكرون البعث، ويعتقدون أن الإنسان لا يبعث، أن الإنسان إذا مات لا يبعث، لذا جاء القرآن في مواضع يقرر البعث تقريرا واضحا بينا، لبيان هذا الأمر، لأنكره هؤلاء، وهو مكابرة للمحسوس. قال: قال الله عز وجل: وإن كنتم في ريب ما البعث فإنا خلقناكم من ماذا؟ من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجر مسمى، ثم نخرجه طفلا إلى أن ذكر الله جل وعلا إلى آخر هذه الآية، وكذلك قال الله جل وعلا: زعم الذين كفروا أن لا يبعثوا، قل: بلى وربي لتبعثون، وهكذا جاءت الآيات القرآنية توضح أنهم سيبعثون. قال: فالحاصل أن هؤلاء كانوا يشركون بالله جل وعلا بهذا المعنى، أنهم يعتقدون أن الدهر هو الصانع، يعتقدون هؤلاء الدهرية من الفلاسفة ونحوهم يعتقدون أن الدهر هو الذي يحييهم، إنما يهلكهم الدهر، يميتهم الدهر ويوجدون هكذا كذلك يوجدهم الدهر، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا وما يهلكنا أن يميتنا إلا الدهر، فلا يؤمنون بمعاد. قال: لذا قال رحمه الله تعالى: كما جاء في صحيح من حديث أبي هريرة قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، يسبون الدهر لأن الدهر هو الذي يقع كما يزعمون، يوقع بهم المصائب والمعائب، كم من إنسان مات، كم من إنسان حصل له ما حصل من العاهات، حصل له ما حصل من الفقر، فيقول: هذا بسبب الدهر، هذا بسبب الدهر، فيسببون الدهر، فيسبون الدهر، قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار، أقلب الليل والنهار. قال: وفي رواية: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، قال رحمه الله: فعما الحديث الذي أخرجه صاحب الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، وأنا الدهر بيد الأمر أقلب الليل والنهار، وفي رواية: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، وفي رواية: لا يقول ابن آدم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما. قال الشارح رحمه الله تعالى: ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل، فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأوامر التي يصفونها، فنهوا عن سب الدهر. قال: فقوله نهوا عن سب الدهر يدل على المعنى السابق، فالحاصل أن في كلام الإمام البغوي رحمه الله تعالى إخبار عما كان عليه أهل الجاهلية من سب الدهر، معتقدين أنه هو الفاعل، معتقدين بأنه هو الفاعل، فنهاهم ربنا جل وعلا عن هذا، نها الله جل وعلا أهل الإيمان عن سب الدهر، لأن سب الدهر إنما هو أذية لمن؟ لله جل وعلا. قال: ومعلوم أن أهل الإيمان إذا سبوا الدهر لا يعنون أن الدهر هو الفاعل لهذه المصائب، واضح، جماعة، وكذلك لا يعتقدون أن الله لا يعتقدون أن هذا السب يرجع إلى الله جل وعلا، واضح، جماعة، أهل الإيمان إن كان حصل منهم هذا باعتبار أن هذا كان في الشرك ثم آمن من آمن، إن حصل مثل هذا اللفظ، فإنه لا يتصور أن يخرج من مؤمن أن يكون أراد بسبه أن الدهر هو الفاعل لهذه المصائب بذاته، ولا يتصور منه كذلك بأنه ماذا؟ بأن الدهر بأن سبه للدهر هو سب لله جل وعلا. قال: فهذا يدلنا على أن هذا فيه إشارة إلى المعنى المذكور، أنه ربما حصل سب للدهر دون أن يتفطن للوازم ذلك السب، دون أن يتفطن للوازم ذلك السب، التنقص في حق الله جل وعلا، فإن صدر مثل هذا، فإن صدر مثل هذا فيكون من قبيل ماذا؟ من قبيل الشرك الأصغر، واضح، جماعة، لا لأنه شرك لفظي، لأنه شرك لفظي لم يراع فيه المعنى. قال: وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا بهذا الطريق قال: قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا يملكنا إنما يهلكنا الليل والنهار هو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدار، ويسبون الدار، فقال الله عز وجل: يؤذيني بن آدم يسب الدار وأنا الدار بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. قال: وإسناده صحيح الذي رواه ابن جرير، قال: وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن شريح بن النعمان عن ابن عيينة مثله، ثم رواه عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال: وهذه الرواية أيضا صحيحة، فضلا قال: وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: استقرطت عبدي فلم يعطني وسبني عبدي يقول: وادهراه وادهراه وأنا الدهر. قال: وهذا كذلك كما ذكر رواه ابن جرير، وكذلك رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده وغيره، وكما ترون ها هنا من طريق محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، لكنه متابع كما في السنة لابن أبي عاصم، فالحديث صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بهذا اللفظ في الصحيحة برقم سبعة وسبعين وأربعمائة وثلاثة آلاف. قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: لا تسب الدهر فإن الله هو الدهر، كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو ملامة قالوا: يا خيبة الدهر، إذا أصابهم شدة أو بلاء أو ملامة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم إنما سبوا الله سبحانه لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر لهذا الاعتبار. قال: لأن الله هو الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد والله أعلم، قالوا: قد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث. قال: وقد تبين معنا نعم، قال: وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث، كما سمعتم هذا من الغلط، وقد غلطه رحمه الله تعالى جماعة من أهل العلم، فإن العلماء قبل ابن حزم مجمعون على أن الدهر ليس من أسماء الله جل وعلا، وذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى لثلاثة أمور. قال: الأمر الأول: أن الدهر جامد اسم جامد، وأسماء الله جل وعلا مشتقة، ثانيا: أن الله أنه في هذا الحديث قال: أقلب الليل والنهار، أقلب الليل والنهار، والدهر هو الليل والنهار، فكيف يكون المقلب هو المقلب؟ ثالثا: أن الدهر هو الليل والنهار، والليل والنهار مخلوقان، فكيف يكون من أسماء الله ما هو مخلوق؟ واضح، جماعة، فهذه ثلاثة أمور تدل على بطلان قول من قال: إن الدهر اسم من أسماء الله جل جلاله. قال: فضلا قال: وقد تبين معناه في الحديث بقوله: قلب الليل والنهار، وتقليبه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه، وفي هذا الحديث زيادة لم يذكر المصنف رحمه الله وهي قوله: بيدي الأمر، قوله في رواية: لا تسب الدار فإن الله هو الدهر، معنى هذه الرواية هو ما صرح به في الحديث من قوله: وأنا الدار، وقلب الليل والنهار، يعني أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه تعالى وحكمه، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يكن، الواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة. قال: ونسبة الفعل إلى الدهر ومثبته كثيرا في أشعار المولدين كثيرا في أشعار المولدين كابن المعتز والمتنبي وغيرهما، وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك، فقوله تعالى: ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، أي أن قول قائل: قول قائل: هذه الأيام أيام قحط، هذه الأيام أيام شدة، وما شابه ذلك، الجو حار، الجو بارد، وما شابه ذلك، هذا ليس من باب السب، هذا ليس من باب السب، وإنما هو من باب الإخبار عن واقع الحال، واضح، جماعة، عملاء، هذا من باب الإخبار عن واقع الحال، وليس فيه سب، والأعمال بالنيات، والأعمال بالنيات. قال: قال بعض الشعراء: إن الليالي من الزمان مهولة تطوى وتنشر بينها الأعمار، وصار هن مع الهموم طويلة، وطوال هن مع السور، هذا من باب الإخبار عن حال الزمان، من باب الإخبار عن حال الزمان، وليس فيه معنى من معاني السب، وليس فيه معنى من معاني السب، لأن حقيقة السب كما يقول الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: التنقص والاستهانة، حقيقة السب التنقص والاستهانة، أما أن يخبر إنسان عن شيء، فهذا لا يكون من هذا الباب، لا يكون من هذا الباب. قال: فضلا قال: وقول أبي تمام: أعوام وصل كاد ينسى طيبها ذكر النوى فكأنها أيام، ثم انبرت أيام هجر أعقبت نعوي أسى فكأنها أعوام، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام، هذا كذلك من هذا الباب، وإن قال لنا قال: فمن قال مثلا كما سمعتم من بعض الناس: البحر تعبان، ومراد به هذا الإخبار عن واقع الحال، نقول: ما لها؟ جماعة، الأعمال بالنية، إنما الأعمال بالنية، إن كان إخبارا عن المحل فيكون إخبارا عن واقع الحال، فليس من التنقص، أما إن كان فيه معنى من معاني التنقص، ومعنى من معاني السب، فيدخل فيه ماذا؟ في المحذور. قال: وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث، انتهى.