الدرس في شرح فتح المجيد 101، ألقاها
يبدأ الشرح ببيان معنى الجبت والطاغوت وعلاقتهما بالسحر والشيطان، مشيراً إلى أن الإيمان بهما يعني الإيمان بالشيطان وعبادته. يتم التأكيد على أهمية فهم هذه المفاهيم في سياق الإيمان والشرك بالله.
يتم شرح حديث نبوي حول الموبقات والكبائر، حيث يتم توضيح معنى الموبقات وسبب تسميتها، مع تعداد الكبائر المذكورة في الحديث وشرح لبعضها مثل الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله.
يناقش هذا الفصل توبة القاتل عمدا وحد الساحر، حيث يتم استعراض آراء جمهور الأمة حول توبة القاتل واستدلالاتهم من الآيات القرآنية. كما يتم مناقشة مشروعية قتل الساحر مستنداً إلى آثار عن الصحابة والتابعين.
يتناول هذا الجزء إقرار عثمان بما ذكره ابن عمر له عن حفصة، ويشير إلى أن هذا الإقرار يشكل دليلاً إضافياً حول موضوع معين. يختتم بذكر دعاء يتضمن التسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله «يؤمنون بالجبت والطاغوت» قال الشارح رحمه الله تعالى: تقدم الكلام عليه في الباب قبله، وفيه أن السحر من الجبت، قاله المصنف. قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره. وتقدم معنا في الباب الماضي الكلام على قول الله جل وعلا: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ كما ذكر ذلك الشارح رحمه الله تعالى. وقد مر معنا أن من المفسرين من أطلق أن الجبت أو أن السحر من الجبت، وكذلك قال المصنف: «قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان». وتقدم معنا كذلك في أوائل هذا الكتاب أن الحديث أو الأثر محتمل للتحسين. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال جابر «الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد». قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولا عن وهب بن منبه. قال جابر: «إن في جهينة واحدة، وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة، وهم كهان تنزل عليهم الشياطين». وهذا الأثر أيضا تقدم معنا في أوائل الكتاب، ومضى معنا أيضا بأنه رواه ابن جرير وكذلك ابن أبي حاتم وغيرهما بأسانيد صحاح. قوله «الطواغيت كهان» أراد أن الكهان من الطواغين، فهو من أفراد المعنى. قوله «كان ينزل عليهم الشيطان» أراد الجنس، أي تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم بما يسترقونه من السمع، ويصدقون مرة ويكذبون مئة. قوله «في كل حي واحد» أي في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن الغيب. وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بكثرة الشهوب. أشار من هذه الآية ومن الأثرين المذكورين إلى أن الجبت والطاغوت يراد بهما الشيطان والساحر، فمن يؤمن بالجبت والطاغوت فإنه يؤمن بالشيطان ويعبد الشيطان، وهذا من الإيمان بالجبت والطاغوت. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». قال الشارح رحمه الله تعالى: كذا ورد المصنف غير معزو. وقد رواه البخاري ومسلم. قوله «اجتنبوا» أي أبعدوا، وهو أبلغ من قوله «دعوا» أو «اتركوا»، لأن النهي عن الخبثان أبلغ. قوله «الموبقات» بموحدة وقاف، أي المهلكات. وسميت هذه الموبقات لأنها تهلك فاعلها في الدنيا لما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب. قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد والطبراني في التفسير وعبد الرزاق مرفوعا وموقوفا قال «الكبائر تسع» وذكر السبعة المذكورة والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «الكبائر تسع» أي جاء في حديث ابن عمر عند البخاري في خارج الصحيح في الأدب المفرد، والطبراني في تفسيره، وعبد الرزاق مرفوعا وموقوفا. والابن أبي حاتم عن علي قال «الكبائر» فذكر السبع إلا مال اليتيم، وزاد العقوق والتعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة، ونكس الصفقة. قال الحافظ: ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع. قال: ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو ضعيف. أو بأنه أعلم أولا بالمذكورات ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد. أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، وهذا لعله أحسنها. قال المصنف رحمه الله تعالى: قال الحافظ: وقد أخرج الطبراني وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟ قال: هن أكثر من سبع وسبع. وفي رواية: هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية: إلى السبعمائة. قوله «الشرك بالله» هو أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: وبدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به، كما في الصحيحين عن ابن مسعود «سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قال المصنف رحمه الله تعالى: قوله «والسحر» تقدم معناه، وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة. قوله «وقتل النفس التي حرم الله» أي نفس المسلم المعصوم، وقتل المعاهد كما في الحديث «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». قال المصنف رحمه الله تعالى: واختلف العلماء فيمن قتل مؤمنا متعمدا هل له توبة أم لا؟ فذهب ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما إلى أنه لا توبة له، استدلالا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. قال المصنف رحمه الله تعالى: ورجح في ذلك آثار تدل لما ذهب إليه، كما عند الإمام أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا». قال المصنف رحمه الله تعالى: وذهب جمهور الأمة سلفا وخلفا إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإن تاب وأناب وعمل صالحا بدل الله سيئاته حسنات، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. قوله «وأكل مال اليتيم» يعني التعدي فيه. وعبر بالأكل لأنه أعم أوجه الانتفاع. قوله «والتولي يوم الزحف» أي الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال. وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال، كما قيد به في الآية. قوله «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وهو بفتح الصاد المحفوظات من الزنا، وبكسرها الحافظات فروجهن منه. والمراد الحرائر العفيفات. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن جندب مرفوعا «حد الساحر ضربه بالسيف» رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «عن جندب» ظاهر صنيع الطبراني في الكبير أنه جندب بن عبد الله البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر. قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبد قال: كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «كتب إلينا عمر بن الخطاب» ظاهره أنه يقتل من غير استتابه، فهو كذلك على المشهور عن أحمد وبه قال مالك، لأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وعن أحمد: يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد عن الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته. قال المصنف رحمه الله تعالى: وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت. وكذلك صح عن جندب. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «وصح عن حفصة» هذا الأثر رواه مالك في الموطأ. وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب. قال المصنف رحمه الله تعالى: قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قتلوا الساحر، وكذلك عن حفصة، وكذلك عن جندب. وابن عمر أقر حفصة، وهذا رابع. وعثمان كذلك أقر ما ذكر له ابن عمر عن حفصة، وهذا خامس. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.