شرح فتح المجيد 85

الدرس في شرح فتح المجيد 85، ألقاها

مفهوم الشفاعة وأحكامها

يتناول شرحًا لآيات تتعلق بالشفاعة، مؤكدًا أنها ملك لله وحده ولا تنفع إلا بإذنه. يُبين أن الملائكة المقربون لا يملكون الشفاعة إلا بإذن الله.

نفي الشرك وبيان بطلانه

يشرح ابن القيم أن المشركين عبدوا الأصنام لطلب النفع ودفع الضر، ويبين الله جل وعلا نفى عنهم الخصال الأربع التي تجعل منهم شركاء. يُنتقد استغاثة المشركين بالموتي وطلب الحوائج منهم.

تفاصيل وأنواع الشفاعة

يشرح مفهوم الشفاعة وأنواعها، ويبين أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي تلك التي تنطوي على شرك. أثبتت الشفاعة بإذن الله لأهل التوحيد والإخلاص، ويُذكر أن الشفاعة ستة أنواع.

آراء الفلاسفة في الشفاعة

يرى ابن سينا والفلاسفة أن الشافع يشفع للمشفوع له بمجرد تعلقه به دون الحاجة لطلب الشفاعة، ويمثل هذا القول الطائفة الرابعة في آراء الشفاعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تَغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال ابن كثير: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تَغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ كقوله: ﴿عِنْدَهُ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون -أيها الجاهلون- شفاعة هذه الأنداد عند الله، وهو لم يشرع عبادتها، ولا أذن فيها؟ فقد غلَّقها عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه. قال: وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. وهذا تقرير وتوكيد لما تقدم من أن الشفاعة ملك لله جل وعلا. فالملائكة المقربون -وهم أصفياء الرحمن جل وعلا- ومكانتهم عند الله جل وعلا عظيمة، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، ومع هذا فإن هؤلاء الملائكة لا يملكون شيئًا من الشفاعة إلا ما أذن الله جل وعلا فيها. فإذا كان الأمر كذلك، فليس ثم ملك، وليس ثم نبي مرسل، يملك شيئًا من النفع لنفسه أو لغيره، أو يملك شيئًا من دفع الضر لنفسه أو لغيره، إلا أن يشاء الله. وهذا فيه دلالة واضحة على تفرد الله جل وعلا بملك كل شيء، ومنها الشفاعة. وفي هذا قطع أطماع كل من عبد مع الله جل وعلا غيره، لأجل أن يكون لهم شفعاء عند الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: فأبطل الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها. فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع. والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده. فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا منتقلًا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. قال: وهذا الكلام -كما ترون- واضح وجلي. فالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى يبين أن المشركين إنما أشركوا في هذه الخصلة -في اتخاذ شفعاء وأنداد ووسائط فيما بينهم وبين الله جل وعلا- لما يظنون أنه يحصل لهم من النفع، أو دفع الضر. قال: والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع. وهذا منفي عن كل ما سوى الله، لقول الله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، إذن لا يملكون شيئًا. قال: فإن لم يكن مالكًا، كان شريكًا للمالك. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾، إذن ليس لهم شرك في ملك الله جل وعلا. قال: فإن لم يكن شريكًا، كان معينًا له وظهيرًا. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، إذن قطع هذا الأمر الثالث. قال: فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا، كان شفيعًا عنده. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، إذن قطع أسباب هؤلاء التي لأجلها عبدوا هؤلاء من دون الله. قال: فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا منتقلًا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه. قال رحمه الله تعالى: فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا وتقريرًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها من أولي العقول الزاكية والنفوس الطيبة التي تفهم عن الله جل وعلا مراده. قال: ثم قال: ومن أنواعه -أي الشرك- طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله. قال: وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده. فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه. والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد. قال: فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن. وهو الشرك بالله جل وعلا، أعظم مانع للشفاعة. قال: فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص بالأولياء، وهم قد تنقصوا الخالق بشركهم، وأولياءه الموحدين بذنبهم وعيبهم ومعاداتهم. قال: وتنقصوا من أشرك به -أي من الملائكة أو الصالحين أو الأنبياء- غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وأنهم يوالونهم عليه. قال رحمه الله تعالى: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده. قال: فقرر حبه لله، وخوفه لله، ورجاءه لله، ودله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، واستغاثته بالله، وقصده لله، متبعًا لأمره، متطلبًا لمرضاته. قال: إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله، فهو لله وبالله ومع الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو شركة منه، أو يكون عونًا لله. ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. قال: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه، ويحمده، ولا يبدأ بالشفاعة أولًا. قال: ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع. وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه». قال: فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقتها أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمهم، وهذا هو المقام المحمود. قال: فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك. ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. قال: فالشفاعة على قسمين: شفاعة مثبتة، وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل التوحيد والإخلاص، وهي ما توفرت فيها ثلاثة شروط تقدمت الإشارة إليها. والمنفية هي الشفاعة لأهل الإشراك بالله جل وعلا، فإنها منفية، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال: ثم ذكر رحمه الله تعالى أن الشفاعة ستة أنواع: الأول الشفاعة العظمى التي يختص بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي أكرم الله جل وعلا فيها نبيه صلى الله عليه وسلم، وأظهره في أعظم الأماكن في هذا المقام الذي ستجتمع فيه جميع الأمم. الثاني: شفاعة لأهل الجنة في دخولها. الثالث: شفاعة لقوم من عصاة أمته قد استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع لهم أن لا يدخلوها. الرابع: شفاعة في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم، ولا حديث بها متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدعوا من أنكرها. الخامس: شفاعة لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم. السادس: شفاعته في بعض الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابهم، وهذه خاصة بأبي طالب وحده. قال: فكلها مختصة بأهل الإخلاص الذين لم يتخذوا من دون الله وليًا ولا شفيعًا. قال: والناس في مسألة الشفاعة أربعة مذاهب: الطائفة الأولى: أهل السنة والجماعة، يثبتون الشفاعة لأهل التوحيد. الطائفة الثانية: المعتزلة والخوارج، ينفون الشفاعة لأهل النار من أهل التوحيد. الطائفة الثالثة: المشركون والقبوريون، يثبتون الشفاعة الشركية. الطائفة الرابعة: قول ابن سينا والفلاسفة، وهو القول بأن الشافع والمشفوع له يشفع له الشافع بمجرد تعلقه به، ولو لم يطلب منه الشفاعة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على